في ذكرى فرج الله الحلو

عطية مسوح قرأها 1,686
 

في ذكرى فرج الله الحلو

عطية مسُّوح   

كتب كثيرون عن فرج الله الحلو، شهيد حرية الرأي والموقف السياسي الشجاع، وأشاروا إلى خصاله الإنسانية. ولعل أهم ما وضع عنه هو كتاب فريد فرح الكاتب الصحفي المعروف، الذي عاش إلى جانبه عقوداً غنية، ورافقه في كفاحه زمناً، وربطته به علاقة قرابة وصداقة.

كرّس فريد فرح كتابه لحياة فرج الله الحلو ونضاله الوطني والحزبي والشعبي، لكن التأريخ لرجل كفرج هو نوع من التأريخ للوطن في مرحلة مفعمة بالنضال الصاخب المتنوع الأشكال ضد الاستعمار الفرنسي، وتعسّف الحكومات، وظلم الإقطاعيين والمستغلين، وسطوة الظلامية الفكرية. مرحلة شهدت ولادة حركات سياسية جديدة، وبروز أفكار ثورية امتزجت فيها احتياجات الواقع بالثقافات الوافدة، وتلاحم الفكر وإرادة النضال، فتكونت الأحزاب الثورية والأيديولوجية التي أسهمت ـ إلى جانب القوى والأحزاب الوطنية الأخرى ـ في النضال من أجل الاستقلال والتقدم.

يقدم فريد فرح في كتابه ملامح عامة، وتفاصيل في بعض الأحيان، تضاف إلى ما كتبه آخرون فتسهم في تكوين لوحة عامة عن الواقع السياسي، وولادة الجديد في الحركة السياسية العربية في النصف الأول من القرن العشرين.

ولعل الصدق هو أهم ما يميز ما كتبه فريد فرح، الصدق عامة والصدق فيما يتعلق بشخصية فرج الله الحلو ودوره النضالي والحزبي على امتداد ثلاثة عقود.

يقف فريد فرح وقفة مطوّلة عند الجريمة النكراء التي ارتكبها رجال المباحث، بقتلهم ـ تحت التعذيب الوحشي ـ مناضلاً وطنياً كبيراً، لأنه صاحب رأي مختلف عن رأي السلطة، ولأنه قيادي في حركة سياسية رفضت أن تحلّ نفسها استجابة لطلب الحاكم، وأصّرت على ممارسة حقها الطبيعي في الوجود والنضال السياسي السلمي.

نعود إلى ذلك الزمن، زمن قيام الوحدة السورية المصرية، وقد مرّت هذا العام ذكراها الخمسون، فنجد أن ما طرحه الحزب الشيوعي السوري رسمياً، وما سعى أعضاؤه ـ ومنهم فرج الله الحلو ذاته ـ إلى نشره وتعبئة الناس حوله، كان من أجل أن تقوم تلك الوحدة على أسس متينة تمكّنها من الاستمرار.

لقد انهارت تلك التجربة الوحدوية بعد أقل من أربع سنوات على قيامها، وعزا الكثيرون ذلك الانهيار إلى تآمر القوى الخارجية على الوحدة، وخوف حكام الدول العربية الأخرى من أن يمتد زخم الروح الوحدوية فيطيح بعروشهم.

ولكن هل يمكن للتآمر الخارجي وحده أن يقوّض دولة تحظى بدعم شعبها وتتمتع بتأييد شعبي عربي واسع؟

ضمّت الوحدة بلدين عربيين هما الأكثر تقدماً في المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية في ذلك الحين. وكانت مصر يومذاك ـ وما زالت ـ أكثر الدول العربية سكاناً وطاقات بشرية وعسكرية، فكيف يمكن أن تنهار دولة الوحدة على هذا النحو السهل والسريع؟ وكيف يمكن أن ينفصل (الإقليم الشمالي) دون أن تهب جماهيره للدفاع عن الوحدة التي صنعتها قبل أقل من أربع سنوات؟

إن تفسير ذلك بالتآمر الخارجي هو تفسير أحادي مخادع، فوجود العدو الخارجي هو شرط دائم، وبالتالي هو أمر طبيعي، أما ما ينبغي فعله فهو تأمين الشروط الداخلية التي تجعل التآمر الخارجي بلا جدوى، وتحول دون تحقيق أهدافه.

أهم الشروط الداخلية للمتانة والقوة، هو أن تكون الحركة السياسية الوطنية حرة ونشيطة، وأن يكون المواطن قادراً على المشاركة في حياة وطنه، وأن يصان حقه في التفكير والتعبير عن الرأي، وفي النشاط السياسي السلمي، دون أن يكون معرّضاً للمساءلة أو العقاب إذا جاء رأيه أو موقفه مخالفاً لرأي الحكومة.

لو كان الأمر كذلك في دولة الوحدة، لكانت أقوى وأكثر ثباتاً. ولو عدنا إلى الاقتراحات التي قدمها الحزب الشيوعي السوري في صيف 1958 وخريفه (البنود 13 ـ البنود 18) لوجدنا أنها كانت أساساً صالحاً للحوار بين مختلف القوى والأحزاب السياسية الوطنية والقومية، ومع السلطة أيضاً، من أجل الوصول إلى صيغة حكم تحفظ حرية العمل السياسي وحقوق الأحزاب والأفراد، وهو ما يقوّي الالتفاف الشعبي حول الوحدة.

لكن ما فات مات كما يقولون، والذي يهمنا هو استخلاص مايفيدنا في المستقبل. ولعل أهم ما في ذلك، هو أن العلاقة بين القوى الوطنية على اختلاف برامجها وسياساتها ينبغي أن تكون علاقة حوار وتعاون حول أسس وثوابت وطنية وقومية وشعبية.

وهو أن أسلوب الحكم الذي أدى إلى ارتكاب جريمة قتل فرج الله الحلو، المدانة سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً، لا يجوز أن يظل ممارساً في مجتمعنا العربي، وأن ضحايا حرية الرأي، في كل زمان، ومن كل حزب أو تيار، هم شهداء للوطن كله.

وهو أن قتل أصحاب الرأي أو الزج بهم في السجون، ليس جريمة بحقهم كأشخاص، أو بحق أحزابهم إن كانوا منتمين إلى أحزاب، بل جريمة بحق الوطن والمستقبل، لأنها تزيد من هشاشة مجتمعنا. وترسّخ علاقات الاحتراب والعداء بين قواه الوطنية.

إن فرج الله الحلو حي في ضمائر المناضلين والمفكرين، وفي ضمائر من يسعون إلى وحدة عربية تقوم على أسس صحيحة وقوية.

                                          Farajallah%2001.jpg