مهرجان بيروت السينمائي الدولي

هوفيك هبشيان قرأها 5
  

مهرجان بيـروت السـينمائي الدولي" في دورته السابعة (2)
لئلا نقعفي أزمة الصالات الفارغة

عن النهار

لا شيء يضاهي عدد النشاطات السينمائية في عاصمتنا، ولا سيما بعد انتهاء فصل الصيف وحلول موسم الخريف. ما أكثرها هذه المهرجانات في مدينة هي أحوج ما تكون اليوم الى الخيال العلمي، الى الخرافة، للخروج من دوامتها: "أيام بيروت السينمائية" يطلّ في ثوب مفصَّل على قياس الظروف. تفاجىء كوليت نوفل الجميع بقائمة أفلام ململمة من هنا وهناك، في انتظار التكريس المطلوب لمثل هذا المهرجان المفترض تحويله الى مؤسسة، لا أن يبقى في دائرة المغامرة. غداً، من يعلم كيف تكون الوعود المهرجانية الاخرى التي تلوح في الافق، بدءاً من "دوكو دايز" و"مهرجان السينما الاوروبية"، وصولاً الى "نما في بيروت"، وكلها مواعيد ستتجدد في الشهرين المقبلين، مع اجتهادات كبيرة من جانب المنظمين للاتيان بمساحة للاختلاف الواضح.

هي تظاهرات تبحث عن جمهور وسط زحمة أفلام لها همّ واحد: الوصول الى المشاهد وفقاً لمبدأ الفن للفن وبعيداً عن القيود التجارية. "مهرجان بيروت السينمائي الدولي" الذي "غيّر جلده" اكثر من مرة، يرسو أخيراً على اختيارات سينمائية مفعمة بالحيوية، مع ميل واضح الى رفع سقف المهرجانات في لبنان الى مستويات دولية، وهنا يكمن البيت القصيد. ثمة مسافة طويلة يفترض بالمهرجان أن يجتازها قبل ان يستأهل هذا العنوان ذا البنط العريض، ويتصالح مع نفسه. فالرؤية لا تزال مبهمة، والاطار مستباح، والزوايا في حاجة الى تدوير. نعلم ان عقبات كثيرة منعت نوفل في الماضي من تحقيق اهدافها القريبة والبعيدة، منها ان الصحافة المتخصصة لم تقصّر في حقها، وأن المشاهد كان ناكر الجميل، في أكثر من مناسبة، وأن الضيف أدار ظهره، وحصل ما حصل.

لكن يبدو ان أخطاء الدورات السابقة التي طاش فيها سهم نوفل، كانت ضرورية لإعادة الحسابات وقلب الصفحة. اليوم، هل نحن على مشارف مهرجان شائق يعدّل نظرة المهتمّ إزاءه؟ في نهاية المطاف، دعونا لا ننسى ان كلمة "مهرجان سينمائي" لا تعني في الضرورة كواليس وسجالات، انما تعني أفلاماً ومخرجين. فالسينما لا تتفبرك في الباحة الخلفية للصالات المظلمة بل في مخيلة السينمائيين، أولاً وآخراً.

في أيِّ حال، حاشدة كانت السهرة الافتتاحية التي جرت في قصر الاونيسكو مساء الأربعاء بفيلم "عودة" لكبير السينمائيين في بلاد لوركا، بدرو المودوفار، وإن كانت الوجوه غير مألوفة والحشد الغفير اكثر انتماء ربما الى الهيئات الرسمية منها الى الطلبة وعشاق السينما والرواد الذين نلتقيهم في مهرجانات كثيرة. اسم الاسباني المخضرم، في أعلى الملصق الاعلاني للفيلم، كان وحده كافياً لجلب من لا يتزحزح عادة من مكانه. "تعلمت كثيراً من أخطاء الماضي ولن أكررها. سياسة المهرجان تتجه الى دعوة أكبر عدد ممكن من الفاعلين في مجال السينما، لئلا نقع في أزمة الصالات الفارغة"، قالت نوفل في حوار أجريناه معها عام 2004، قبل أيام من إلغاء مهرجانها.

في طبيعة الحال، الأسماء اللامعة هي الشيء الذي لا ينقص للمهرجان في هذه الدورة لدعوة الجمهور الى احضانه وملء الصالات، وفي الطليعة القدير ستيفن فريرز، والصاعد إيمانويل كرياليزي، والمتعذر تصنيفه جاك اوديار، والموهوب هينر سليم. لعل الاكتشاف الأكثر تجاوزاً للتقاليد والاعراف السينمائية فيلم "ماريا الممتلئة رقَّة"  للاميركي جوشوا مارستون، وهو شريط أول ينتمي الى ممثلته الاساسية كاتالينا ساندينو مورينو، بقدر ما ينتمي الى مخرجه. قطعت هذه الممثلة الكولومبية في عام واحد شوطا ًطويلاً، من مهرِّبة مخدرات على الشاشة الى مرشحة للأوسكار في الحياة. فعندما تهادت فوق السجادة الحمراء الطويلة الى حفل الأوسكار في السنة الماضية، فان المرشحة لأفضل ممثلة لم يشغلها سوى "أن تتصرف كسيدة كولومبية راقية"، وهذا كلامها من دون تحريف: "يستهين كثيرون ببلدي، إنهم مجانين، أود أن يروني كسيدة". هناك احتمال كبير أن تتبنى هوليوود هذه الممثلة في الأيام المقبلة، لما فيها من تقاسيم لنجمة جديدة. اي تمثال تقتنصه يعني اعترافا فوريا بمكانة الممثل من أركان هوليوود واستوديوات السينما ووسائل الاعلام. مما لا شك فيه ان كلاً من الفيلم والفنانة المبتدئة يتشابهان الى حدّ كبير. الإثنان يحاولان انتزاع شرعية ما، سلطة ما، وهذه حال الافلام الاميركية التي تُصنع على هامش هوليوود وفي ظروف غير انسانية تدفع الفيلم الى ان يغدو أكثر نضجاً مما لو كان صُوّر في ظروف تقليدية.
تعتبر مشاركة فيلم "كيلومتر صفر" لهينر سليم في هذا المهرجان، احدى العلامات الإيجابية، اذ قليلة هي المرات يأتينا فيلم من هذه المنطقة الخصبة بالروايات، ونادرة الإطلالة السينمائية بحكم ظروف الوجود الصعب والمحرج، وكمية الأولويات التي تأتي قبل السينما. كان سليم في الـ17 من العمر عندما ترك بلاده هرباً من قمع صدام، وهو مؤمن أنَّ هذا الشريط يدلُّ على "أننا لا نزال في المكان نفسه". فالعراق لم يتقدّم خطوة واحدة الى الأمام، على حدّ قوله. لعل ذلك سبب للشعور باليأس أو بالأمل. "عندما ننطلق من الصفر، لا يسعنا إلا التقدم. أردت ان أعيد ابتكار جو ما في هذا الفيلم وإظهار نتائج الديكتاتورية. انطلقت من قصة شقيقي الذي دخل الجيش العراقي رغماً عنه. كان في "البيجاما" في طريقه الى الفرن عندما نقلته شاحنة بالقوة على بعد 800 كلم نحو الجنوب، إلى الحدود الإيرانية. انطلقتُ من هذه الفكرة لتطوير السيناريو". مع هذا الشريط الخلاب، تصويراً وبعداً درامياً، يذكّر سليم بأن السينما ليس لها وطن. ومهما بدا هذا التعليق ساذجاً وبدائياً، فانه يكتسب صدقية صبيانية ما، لدى ارتباطه بمثل هذا الفيلم المفرط في تحريكه المياه الراكدة.

"شبعنا كلاماً معسولاً وشعاراتٍ في حب الوطن ونظرياتٍ بلهاء. ما يسمّى فناً لم يعد عندنا إلا كذباً ونفاقاً وتستُّراً بغيضاً. لفرط ما أُشيع من أكاذيب، صدَّق المنافقون الكذبة وساروا في مسيرتها. لِمَ المواربة والاحتيال على الكلمة اذا كانت حقاً وحلالاً؟ فمن كثرة ما قيل لنا من أكاذيب انتهى بنا الأمر إلى أن نصدّق الكذبة رغم معرفتنا بأنها ليست أكثر من كذبة. هكذا تساهم الأكاذيب في تدمير مجتمع. وهكذا يُهمَّش دور الإعلام والفن وسائر أساليب التعبير. هكذا نقع في الكذبة الجماعية التي يوازي الوقوع فيها السقوط في رمال متحركة. هكذا يستحيل الإفلات من الخطاب الأفقي. هذا ما يحاول قوله بعض أفلام "الصف الثاني" المعروض في المهرجان. من "أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها" لهالة العبدالله وعمار البيك (أول فيلم سوري يعرض في تاريخ مهرجان البندقية)، إلى "ابن الرجل" لمارك دونرفورد ـ ماي، وصولاً الى "Marock" لليلى مراكشي. قد يسأل المرء لماذا لا يتحقق حلم الفن السابع في هذا الشرق الا بعد عذابات كثيرة ومتنوعة بدءاً بهموم الكتابة والمراهنة على الخارج، أكان من أجل التمويل أم من أجل عرض المنتوج في المهرجانات العالمية، وصولاً الى سيف الرقيب الذي لا يرحم ولا يتفهم. فالحد الأقصى الذي يستطيع المخرج بلوغه هو الحديث عن هواجسه بلغة الإيحاء والرمز، علماً أنَّ المخرج والرقيب يعلمان أنَّ هذه اللغة لا تصل الى عامة الشعب لعدم تضمنها دلالات واضحة ومباشرة يلتف حولها المشاهدون. في هذا الديكور البائس، ثمة أصوات تتعالى رغم الصعاب والمحن والتهديدات. لكن سنونوة واحدة لا تبشر بالربيع. فهذا العالم حافل بالرموز التي لا يجوز المسُّ بها، من رؤساء دول الى قيادات روحية.

ثمة آخرون أيضاً يتحدون السلطة ولا يكترثون اذا أمضوا بقية أيامهم منفيين عن الوطن لمجرد أنهم رغبوا قي قول كلمة لم تعجب المسؤولين. إيران هي أكثر البلدان الإسلامية المتشدِّدة في هذا الخصوص، كون الإنتاج السينمائي فيها يشهد نهضة منقطعة النظير منذ أكثر من عقد، لكن ثمة انقساماً في صف المخرجين، إذ هناك الموالون للسلطة، والذين يعملون تحت وصاية القطاع العام، والآخرون الذين يعتبر كل فيلم جديد ينجزونه معركة مفتوحة على أكثر من جبهة. المخرج الإيراني جعفر بناهي الذي يُعرض له في المهرجان "تسلُّل"، هو من الذين اصطدموا بالرقابة الرسمية. "يعقِّدون الأمور كثيراً على المخرجين ولا يتركون لهم سوى خيار إنتاج أفلامهم خارج إيران. لن أحذف أيَّ مشهد من أفلامي، ولن أسمح لهم بالمسِّ بها لأنها لن تعود أفلامي. هذا يعني أني سأضطر ربما الى اعتزال السينما، لاني لا أريد ان أصوِّر أفلامي خارج إيران. لن يجبروني على المغادرة. أفلامي تتحدث عن الشعب الإيراني وتتوجه اليه"، يقول بناهي في حوار صحافي.

اذاً، ما من فرصة أكبر من هذا المهرجان لندرك كم أنَّ السينما في دول العالم الثالث تختلف، صناعة وانتاجاً وتمويلاً ورؤية وفكراً، عما هي الحال في عواصم السينما العالمية، حيث بعض الأفلام تتخطَّى موازنتُه عشراتِ ملايين دولار، ويستردها الإنتاج أرباحاً مضاعفة ليس على الصعيد المادي فحسب، إنما فكرياً وثقافياً وسياسياً لدى مئات ملايين المشاهدين. قصة الصراع الفكري بين إنتاج هوليوود وغيره من الإنتاجات الأوروبية والآسيوية والعربية، تعود الى بدايات الصناعة السينمائية، واذا تمكنت أوروبا الى حد ما من وقف الغزو الهوليوودي، فإن مما يؤسف له ان أفلام الدول النامية ترتكز غالباً في إنتاجها على مساعدات بعض "الصناديق" السينمائية الأوروبية، او على الإنتاج المشترك، وفي جميع الأحوال فإن مثل هذا الإنتاج يفقِد المخرج حوافزه واندفاعه، وقلما يتمكن سينمائيّ في هذه الدول ان ينقل أفكاره الى الشاشة العريضة باستقلالية فكرية تامة، وهذا ما يولد منذ عقود طويلة جدلاً مستمراً حتى اليوم بين السينمائي المناضل والرأسمالية، أيْ بين فكر يمتلك خصوصيته ويحاول مقاومة "السيستيم" بأسلحة متواضعة، وبين شيء آخر لم نعد نعرف كيف نعرّف عنه.

dfdfdfddd44.JPG