جبران "نبي" العصر و"المسيح الجديد" والثائر على القديم والمبشّر بالحرية والانعتاق والرائد في الحداثة الشعرية

صحيفة المستقبل قرأها 107
 

إلياس أبو شبكة كأنه يكرّم اليوم جبران في ذكرى ولادته 125:

جبران "نبي" العصر و"المسيح الجديد" والثائر على القديم
والمبشّر بالحرية والانعتاق والرائد في الحداثة الشعرية

المستقبل *

                         Ilyas%20Abuchabaki%2001.jpg             Gibran%2001.jpg

يحتفل لبنان والعالم، اليوم، بحدثين كبيرين: الأول ذكرى ولادة جبران المئة والخمسة والعشرين، والثاني تحويل منزل الشاعر الكبير الياس أبو شبكة متحفاً في زوق المكايل.

وإذا كان "التذكاران" يتقاطعان، ففي لقاء هذين الكبيرين، في الثورة والجرأة والريادة الشعرية و"الرؤيا" المتجددة للشعر وللعالم وللحرية والتمرد. إنهما شاعرا "التمرد" و"الحرية" والصوت الصارخ بلا خوف، ولا جبن (كما حال بعض شعرائنا اليوم)، ولا تردد، لكن الأجمل في هذا اللقاء، أن يُكرّم شاعر كبير علنا وبالكتابة شاعراً ورؤيوياً كبيرا: أبو شبكة يضع جبران (بلا حقد ولا حسد ولا غيرة) في رتبة "المسيح الجديد" ورائد التمرد، ومفتتح الحداثة، وكاسر التقاليد، والثائر الأهم في اقتحام المجهول... والخطر.

في "أوراق مطوية" نشرتها "دار البستاني" مشكورة لوحات من ذكريات أبي شبكة وآرائه اختارها الناشر من الصحف الذي كتب فيها صاحب "أفاعي الفردوس" في لبنان ومصر (وكان أبو شبكة وما زال رائداً تأثره شعراء كبار كبدر شاكر السياب في بداياته وحسين مردام ومنى خليل حاوي في عصبه الشعري وتوتره اللغوي وإن بطريقة "ذهنية".. هذه الأوراق المجهولة (وهناك عشرات الكتب والنصوص ما زالت محجوبة أو مختفية لأبي شبكة). وتاريخ هذه الأوراق ما بين 1928 و1947.
هنا نصّان لأبي شبكة عن جبران صاحب "النبي" الذي ما زال ينافس في رواجه التوراة وشكسبير وغوته...

ثورة جبران

ليتني كنت قصبة مرضوضة تدوسها الأقدام. فذاك خير من أن أكون قيثارة فضية الأوتار، في منزل ربّه مبتور الأصابع وأهله طرشان.

كانت روح الأدب في لبنان ما تبرح متأثرة بأساليب عمر الأُنسي وناصيف اليازجي وفتح الله مراش وأضرابهم. وكان النثر مقصوراً على الحكايات المسجّعة والمساجلات، والشعر على التواريخ والألغاز والحكم المنقولة، يوم وقف خليل جبران أمام مهد ولده في بيت قديم من قرية بشرّي في شمالي لبنان ونظر الى امرأته مبتسماً وقال: "سنسمّيه باسم جدّه".

منذ سبع وأربعين سنة، أي في نهاية العام 1883، إذ كان فيكتور هيغو الشيخ ينحدر الى القبر، حاملاً معه آخر قبس من أقباس الرومانتيسم، وقد طبع على جبين الخلود اسمه العظيم، وإذ كان شوقي الفتى يسرّح شبابه الأول على ضفاف النيل متمتماً بأولى قصائده، فاتحاً قلبه لأولى نسمات الحب، كانت إحدى قرى الشمال في لبنان تفتح جبينها الجميل لتلد منه دماغاً وقلباً كبيرين هما دماغ جبران وقلب جبران.

في ذلك العهد إذ كان فلاسفة الغرب يستقون عن الشرق الهاجع تاريخ الإنسانية مبنياً على العلم والاستقصاء ومدعوماً بالجهود والعمل والفن، وإذ كان شعراء الغرب، وقد خرجوا من ظلمة التقاليد الى مطارح الحقيقة والنور، يُرسلون الرّوح على سجاياها، والفكر على سجيّته، فيمثّلون أدب القرن التاسع عشر المنبثق من نيران الثورة، كان الأديب العربي ما يزال يستنشق بأنف الخمول الكسل، وقد ضرب الجهل على فكره أروقة قاتمة من العادات والتقاليد!


كان العصر بحاجة الى رجل!

ولكن الروح المتمرّدة في ذلك الزمن لم تكن تستطيع الظهور بمظهرها الحقيقي لتعالج قوّتها فتصل معها الى الهدف المنشود، إذ كان الظلم ناشراً جناحيه الحالكين في سماء العرب، وكان شبح الموت مسرّحاً منجله الرهيب على الخواطر والأفكار. فكان على الكاتب أن يخنُق روحه في أعماق صدره، وعلى الشاعر أن يقصر عاطفته على الإشادة بذكر التنّين وتسبيح أراجيفه وتمجيدها، كلّما ذرّ شعاع الفجر وانحدرت الشمس الى مغيبها.

بينما كان البوسفور يبتلع الأبرياء والمظلومين، ويد عبدالحميد تأمر بالسفك من شُرَفِ يلدز، فيمتدّ خيالها المأتمي الى أقاصي البلدان العربية جميعاً، كان الشعراء لاهين بفقاقيع يُرسلونها على رويّ المقامات وشرائع البديع!

وكان العام 1908، عام الحرية والعتق، فخيّل للأفكار أنها تملّصت من أغلالها، فراح الشعراء ينزعون عن مدح الجلاّد وتعفير أفكارهم وشعورهم تحت قدميه الى التغزّل بمناقب خلقه وحمرة الخدود والشفاه!

ولم يكن الغزل الكاذب في ذلك الحين إلاّ ليزيد في قبح الحرية الكاذبة، ويضاعف السم في حمّة الأفاعي وغرغرة الثعابين!

وفي ذلك الوقت، إذ كان معظم أدباء العرب غارقاً في مخدّرات الحرية الممسوخة، وتهاويل أشباحها الموهومة، لا يفقه تمييزاً لحقائقها، ولا يستطيع الشخوص الى نورها الصحيح، ارتفع صوت من باريس قائلاً:

"أحببت الحرية، فكانت محبّتي تنمو بنمو معرفتي عبودية الناس للجور والهوان، وتتّسع باتساع إدراكي خضوعهم للأصنام المخيفة التي نحتتها الأجيال المظلمة، ونصبتها الجهالة المستمرة ونعّمت جوانبها ملامس شفاه العبيد. لكنني كنت أحب هؤلاء العبيد بمحبة الحرية، وأُشفِق عليهم لأنهم عميان، يُقبّلون أحناك الضواري الدامية ولا يُبصرون. ويمتصّون لهاث الأفاعي الخبيثة ولا يشعرون. ويحفرون قبورهم بأظفارهم ولا يعلَمون".

كان ذلك الصوت صوت جبران، جبران الفتى العاشق، جبران المتمرّد، جبران الشاعر.
لقد أبصر الجمال منذ طفولته يتلوّن بألوان الروابي والأرز والشربين، وشعر بالحب يسيل من عروق الغراس، ويذوب مع الثلوج الذائبة في مرتفعات القمم، فتمتزج ذرّاته العذبة بدقائق قلبه النابض للشفقة والحنين. لقد أبصر النور ينبثق من وراء صنّين فيغمر الأودية والتلال بأبخرة شفافة من الرؤى والأحلام، وينعكس على مرآة نفسه بكل ما فيه من معاني السماء والخلود، ولكنه عرف أن الجمال والحب والنور إنما هي في بلاده ضحايا مقرّبة للظلم والأراجيف، وأن النور والحب والجمال لن تظهر بمظهرها الحقيقي ما لم تعرف بأدهان الحرية الصحيحة. فذهب الى الغرب.
هناك أمام تماثيل الأحرار وأعمدة النصر المصبُوبة بنُحاس المدافع، أمام شبح "الباستيل" الخارج من ظُلمه القرن الثامن عشر، عرف جبران معنى الحرية فصرخ قائلاً:

"أحببت الحرية فكانت محبّتي تنمو بنمو معرفتي عبودية الناس للجور والهوان!".

لقد أحب الأحرار والمستعبَدين معاً، لأن جبران الشاعر لا يستطيع إلا أن يُحب!

ولكن صوت جبران في ذلك الحين لم يكن يجاوز البحر المتوسط حتى يتلاشى على شواطئ لبنان، ذلك أن المستنقعات كانت كثيرة، ونقيق الضفادع أرفع من نغمات الهزار.
كانت الناشئة العربية متأثرة بأصداء الأجيال الغابرة، فلم تستطع البلابل أن تنزع من مسامعها قطن الماضي المغمّس بصموغ الجهل. فكان على هذه البلابل أن تُنشد فتُطرب نفسها، حِقبة من الزمن، الى أن يتجمّع من أناشيدها ما يقوى على الماضي فيمحو تراثه الرثيث.

على أن مزامير جبران وأمثاله وأناشيده وعرائسه كانت تعمل في صدور الشباب من حيث لم يشعر، وكانت تعاليمه الإنسانية المهرقة في قوارير الخيال، تسيل على مزالج القلوب فتترك عليها صبابة من الحب الكلي تنفُذ الى أخاديد النفوس فتطهّرها من أوساخ الجهل.

وهبّت من الغرب ريح سموم نشرت على العالم أطباقاً قاتمة، وحجبت الأجواء بضباب كثيف من الهول والرعب، كأن الصدور البشرية تنفسّت دفعة واحدة فأطلقت من براكينها قذائف الحقد على العالم القديم!

عند هذا رفع الجلاّد، خلف التنين، سيفه القاسط على البلاد العربية، فانتشر منه بريق مأتمي في سماء لبنان وسوريا، وما إن غرقت البشرية في لجة الدم حتى غرقت الأفكار بالأقطار العربية في سبات عميق، وأقبل الجوع والخوف والأمراض تُثقل السبات العميق بخدر قاتل!

يا له خدراً قاتلاً... جميلاً محق الماضي بابتسامته الشاحبة، وأوقف البشر أمام شبح واحد، هو المستقبل!
لقد أدّب الجوع والمرض والظلم والجناح الرهيب الناشر ظلّه على أشلاء الجائعين والموتى، روح المقت الشديد لكل ما ينتسب الى الماضي والحاضر، ولم يبق في مخيّلة الأحياء سوى نور واحد، هو المستقبل.

في ذلك الحين، إذ كانت طيوف الجلاّدين تحجب نور السماء فينعقد هولها في أجفان المحتضرين وتنطبق أعين الضحايا على صورها الجشعة، وإذ كان الشعراء، تراث الماضي، يُعهّرون أرواحهم أمام أصنام ويسخرونها كما كانت تسخّر حمير الدولة. في ذلك الحين إذ كان حملة الأقلام، ورّاث ذلك المجد المشبوه، يطأون هياكل الماضي العقيم ليستَنْدُوها بخوراً يرفعونه الى هياكل الحاضر الظالم، كان صوت مقدّس يرتفع من أقاصي العالم الجديد، حاملاً في نغماته الروحانية عطور الأرز والسوسن والشربين، ويتلاشى منهوكاً على شواطئ لبنان غامراً بألحانه الكئيبة جباه الأشلاء من ضحايا المنكوبين.

كان ذلك الصوت صوت جبران!

بينما كان الشعراء الحظيون يُشيحون بوجوههم عن الأشلاء، وبأرواحهم عن الضمير، كان جبران خليل جبران يبكي في مدينة الذهب، وقد امّحت في مقلتيه مشاهد المدينة العظيمة، لكيلا يعلق بهما الا اشباح لبنان وأودية لبنان وجبال لبنان. وكان كلما مر في مخيلته طيف من هذه الطيوف يتنهد قائلاً:
"مات أهلي! لو كنت سنبلة من القمح ثابتة في تربة بلادي لكان الطفل الجائع يلتقطني ويزيل بحباتي يد الموت عن نفسه".

"لو كنت ثمرة يافعة في بساتين بلادي لكانت المرأة الجائعة تتناولني وتقضمني طعاماً.
"لو كنت طائراً في سماء بلادي لكان الرجل الجائع يصطادني ويزيل بجسدي ظل القبر عن جسده".
"ولكن، واحَرَّ قلباه، لست سنبلة من القمح في سهول سوريا، ولا بثمرة يانعة في أودية لبنان. وهذه هي نكبتي! هذه هي نكبتي الصامتة التي تجعلني حقيراً أمام نفسي وأمام أشباح الليل".

وكانت هذه التنهدات لا تجتاز المحيط الاطلنطيكي حتى تخنقها الأمواج على شواطئ بحر الروم!
وانفتحت كوة الحياة بعد بضع سنوات غمرها التراب والموت. فأطلت الناشئة على المستقبل غير جاسرة ان تلتفت الى الماضي لهول مشهده، فخرست السن الغربان امام النور المقدس. وجحظت أعينها البلهاء أمام الرؤيا الجميلة. وإذا بصوت عذب يتحدر مع شلالات النور الجديد، وينفرط مع هذا النور على البلدان العربية أجمع.

كان هذا الصوت صوت جبران!

لم تكن الناشئة قد سمعت بعد مثل تلك النغمات العلوية، فانجذبت قلوبها وأرواحها الى جبران، وأخذت بسحر اياته ورقي ابداعه. فلقبته بهاروت القرن العشرين.

ان المدرسة التي بناها جبران في صدور الشباب لن تستطيع العواصف ان تهدم حجراً منها، لأنها بنيت على القلب والروح، وكلست بالدموع والدم.

ترك جبران الشباب مغموراً بابتسامات عرائسه ودموعها، وارتفع بروحانيته الى قدس اقداس الخيال، حيث قدر له ان يرى الانسانية في عنصرها السامي، وحيث تراءت له شرائع الله الحقيقي بثوبها النوراني الناصع، ينبثق منها دين واحد هو دين الضمير والقلب، فتليت روحانيته في الهيكل معطرة بلبان المجامر، واذا به يلقب بنبي القرن العشرين!

هذا هو جبران الشاعر، المسيح الجديد. فكما غسل المسيح آثام مريم الزانية هكذا غسل جبران بدموعه ودمه وآياته آثام الماضي وترّهاته. فلعل هذه الحكمة التي أرسلها فيه تكون قارورة من الطيب تهرق على قبره.

المعرض ـ 1931

جبران في مدرسة الحكمة


الخوري يوسف الحداد هو الكاهن الوحيد الذي أقرأ شعره من تلقائي، وهو في طليعة الطبقة الأولى من أدباء الجيل السابق، أو الأسبق على الأصح، لانه تجاوز النصف الأول من العقد الثامن. ولكنه ما برح اخضر الذوق، طري التفكير، طلي الحديث.

ولا أذكر اني هففت الى رجل قطع هذه المرحلة من العمر كما أهف الى الخوري يوسف الحداد.

ففي الندر ما يدرك امرؤ ـ ولا سيما الأديب ـ قدراً معيناً من السنين ولا يدرك عقله الخرف او لسانه الثرثرة.

ولهذا الكاهن الشاعر فضل على كثير من حملة مشاعل الفكر في هذا العصر. فقد سلخ شطراً كبيراً من حياته الأدبية في تثقيف الناشئة واطراب الخلق، سواء بشعره ونثره، أو بتعاطيه حرفة التعليم في معاهدنا الوطنية، تارة، والأجنبية أخرى.


حدثني الخوري يوسف قال:

ـ في ذلك الزمان كنت اعلم الأدب العربي في مدرسة الحكمة، فدخل علي الى غرفتي فتى في نحو السابعة عشرة، رقيق البنية، اسمر البشرة، تنبعث من عينيه الذكيتين الغائمتين شعلة الثقة بالنفس. وقد سوى شعره عصابه مكورة اكلت نصف جبينه حتى يافوخه. وبعد ان حياني قال:
ـ جئت اطلب منك خدمة، فأنا من شمالي لبنان وأنت من شمالي لبنان، ولا يعطف على ابناء الشمال الا ابناءالشمال.

فسألته عن اسمه فقال: جبران خليل جبران، من بشري.

وعن طلبه فقال: لقد انهيت دروسي باللغة الانكليزية، وفي رأسي اشياء كثيرة أريد ان اكتبها باللغة العربية. وبما أني لااحسن هذه اللغة، جئت الى هذه المدرسة لأتعلمها، يقيناً مني انها افضل مدرسة وطنية في البلاد. على ان المعلم الذي امتحنني وجدني ضعيفاً جداً، وعبثاً حاولت اقناعه بأن يضعني في صف عال. فقد تشبث بوضعي في صف ابتدائي.

فقلت: أتعتقد أنه ظلمك؟

فأجاب: لا، لم يظلمني... ولكني ما جئت الى هذه المدرسة الا لأدرس في صف عال.. في صفك.
فقلت: لا اعتقد انك تستطيع الاستفادة في صفي، لأن اساسك ضعيف على ما يبدو لي.

فقال: خذني على عهدتك، وأنا كفيل لك..

فقاطعته بقولي:

ـ لا شك عندي في أنك عاقل رشيد. ومن كان عاقلا رشيداً لا يجهل ان على الانسان أن يصعد السلم درجة درجة.

فقال على الفور: على الانسان وليس على الطائر.

فأعجبتني هذه البداهة، ولو كنا في عهد الخلفاء العرب لقلتك "ذه، ذه، ونقدته الف دينار.

وكأنه لم ينتبه الى اعجابي، والى مفعول جوابه البليغ في نفسي ـ وكأني بعدم انتباهه هذا دليل على أن أمثال هذا الجواب من مألوف كلامه ـ فاستطرد قائلاً:

ـ أما البدل فأدفعه مسبقاً بكامله.

وأخرج من جيبه عشرين ذهباً ووضعها أمامي

ففكرت هنيهة... ثم قلت له: انتظرني

وبديهي اني لم أفكر، تلك الساعة، في موضوع قصيدة أو مقال، بل في مفعول العشرين ذهباً في نفس المونسنيور الدبس، رئيس مدرسة الحكومة.

وكان من عادة هذا الرئيس، رحمه الله، ان يصغي الى محدثه، فلا يقاطعه بسوى كلمة "نعم". حتى اذا انتهى قال كلمته الجازمة، ولا مرد لها.

فخشيت ان يرفض، ولا يكلفه رفضه الا كلمة "لا"، يقولها ويختم الحديث. فلم أكد أنتهي من قصتي حتى سكبت امامه الشلال الذهبي. ففكر هنيهة ثم قال:

ـ أتأخذه على عهدتك؟

وبدهي ان المونسنيور الدبس لم يفكر، تلك الساعة، في جبران وطيرانه..

وما كدت أعود إلى جبران حتى ابتدرني قائلاً:

ـ لقد نجحنا.

فقلت له: من أين عرفت ذلك؟

فقال: من الاشراق على وجهك

وبعد هنيهة قال: لي رجاء آخر وهو ان تدعني وشأني في الثلاثة الأشهر الأولى، فلا تطرح علي سؤالا، ولا تسمع مني أمثولة، ولا تتعاطى معي، كأني لست في الدرس.

فكاد هذا الاسراف في التصرف بشؤوني وخطة المدرسة يخرجني عن مسايرته. على اني تمالكت قائلاً في نفسي: اذا كان هذا الفتى كسائر الناس فوجوده في صفي، بدون اساس، قضاء عليه مهما تقيد بقوانين المدرسة. واذا كان طائراً، كما يقول، فلا بأس أن أراعي فيه هذه الطبيعة. وقلت له:

ـ طيب، ما دام وجودك في صفي مخاطرة، فأنا أقبل منك ما تريد...

***

وأخذت أعاين جبران من غير ان أتعاطى معه... فكان لما شرعت باعطاء درسي يغرس سبابتيه وراء أذنيه، ويقبض بباقي اصابعه على صدغيه، ويلبث محدقاً الي أو مطرقاً الى الأرض. فاذا راقه الدرس ثابر الى النهاية، والا انصرف عنه الى ورقة بيضاء يخط عليها رسوماً، او يكتب عبارات بالانكليزية.

وفي أحد الأيام دخل علي الى غرفتي، وناولني قصة غرامية، قائلاً: "هذه اول محاولة باللغة العربية"، فوعدته بقراءتها وإعطائه رأيي فيها.

وبعد أيام جاءني بقصة أخرى وأعقبها بمقال اجتماعي. وبقي كذلك الى آخر السنة. ثم سافر الى أميركا.
وما عتم الأمر ان أرسل الي قصته "الأجنحة المتكسرة" وكتب عليها: "أنت أَولى بأُولى مؤلفاتي". وأذكر انه بقي يكاتبني حتى بعثت اليه بكتاب ألومه فيه على لومه رجال الدين، فانقطع.
وسكت الخوري يوسف الحداد عن الكلام، وغامت عيناه في دُخَان سيكارتي.

صحيفة المستقبل اللبنانية - 23 حزيران 2008