ذهبٌ عتيق
ذهبٌ عتيق
أنسي الحاج
"قولي أحبكَ
لا تملّي
فالصمت عنوان التخلّي
(...)
لي في سماعكِ نشوة الصوفيّ
في غمر التجلّي
ولكلِّ بوحٍ لذةٌ
بكرٌ كفجرٍ مُستهِلِّ
قولي أحبكَ
نغِّميها
في فؤادي المضمحلِّ".
مقاطع من أغنية لفيروز تعود إلى مطلع الخمسينات، على ما يرجّح الفنان والكاتب محمود زيباوي، الخبير الكبير في ريبرتوار فيروز والرحابنة والذي تحوي مكتبته الموسيقية، هو ونفر من المتتبّعين الشغوفين في الأقطار العربية، ما لم يعد متوافراً من أعمالهم.
يقيم محمود في باريس، وكلما عاد إلى بيروت يحمل لي هدية هي تسجيل لأغنيات من نادر فيروز، لا أعرف كيف يتدبرها، وأغلب الظن من برامج إذاعة دمشق، وأرشيفها هو الأغنى.
آخرها قرصان أحدهما من قديم فيروز الرحبانية، وجوهرته أداء لأغنية «بكرا بيجي نيسان» بتوزيع مختلف عن الأغنية المعروفة، أبطأ، تُدندن فيه فيروز جزءاً من اللحن دندنة أشبه بالهدهدة، تطغى بعذوبتها على حلاوة الباقي.
أما القرص الآخر فمن بدايات البدايات، أي مرحلة ما قبل الأخوين رحباني، وسيّدها كان حليم الرومي. ومن رفاقه في التلحين لفيروز ذلك العهد، نقولا المنّي وخالد أبو النصر وسليم الحلو.
وبدت لي أغنية «قولي أحبكَ» أجملها، يطل فيها الصوت كبدرٍ يملأ الفضاء.
فيروز الناشئة تُنشد بحنجرة امرأة متمكّنة. نضارة وردة الصباح مع لواعج الحبّ في تراميها، يحتضنها لحن عرف كيف يُبرز دفء الصوت وتلألؤه. لحن يشيع الرهبة، احتفاليّ سريع، حزين ومرعش كاستغاثة متكبّرة.
لم نعرف، لا محمود ولا أنا، من هو صاحب الشعر ولا من هو صاحب اللحن. في البدايات لحّن لها الرحبانيّان العديد من قصائد قبلان مكرزل، بينها «حبّذا يا غروب» التي قد تكون أول ما لحّنه لها عاصي.
ولكن من مراجعة ديوان قبلان مكرزل لم تظهر "قولي أحبكّ".
تحف صغيرة كهذه تملأ الطرقات في مسيرة فيروز وليس من يجمعها. مبعثرة، إذا وجُدتْ، بين محفوظات الإذاعات وإدارات المسارح والمهرجانات، كثير منها لا تذكره فيروز نفسها ولا منصور، فقد كانت أغاني تلك الحقبة تذاع أحياناً على الهواء مباشرة دون تسجيل. وكان الإنتاج بغزارة لا تُصدَّق.
لو أمكن جعل الأصوات منطقة ثقافية على غرار الأماكن لانبغى للأونيسكو أن تبسط حمايتها على التراث الفيروزي وتنظّم حملة لجمع أغنياتها. إننا هنا حيال كنز حقيقي مجهول. والتقدير الذي حظي به هذا التراث تقدير عالمي، لكنه لم يكن دوماً في المحل المطلوب، بل أُهدِر غالباً في التكريم الاجتماعي والمظاهر. وكادت فيروز تُجعل رمزاً سياحيّاً لفرط تسطيح الكلام عنها، بينما يشكّل صوتها ظاهرة تتجاوز حدود القاموس التقني والأكاديمي لتدخل في المعاني النفسية والروحية ذات الغنى المتشعّب والأبعاد الغامضة.
يستحقّ موضوع هذه الأبعاد أكثر من بحث في العلاقة بين الحسّي والصوفي، بين كهرباء الصوت ونوعيّة الدوائر التي تحرّكها هذه الكهرباء في بحيرات النفس، وأكثر من بحث في تلك الصورة التي يرسمها صوت فيروز على مدى مسيرته، صورة الصبيّة التي ترتمي من حلمها إلى حلم الحالمين بها دون أن تنفصل عنها ولا لحظةً غلالةُ الحلم...
أرسلها من محفوظاته الصديق الأستاذ ناصر منذر بمناسبة 22 سنة على غياب عاصي الرحباني
وكانت قد نشرت في "جريدة الأخبار" في 18/8/2007