- دكتور مفيد.. نستقبل معك بعد أيام ـ نحن قراّء ومتابعي جماليا ـ الذكرى السنوية الثانية لانطلاقتها. بهذه المناسبة هل لكَ أن تحدِّثنا عن معنى أو دلالة هذا التاريخ 21 حزيران 2006 لولادة جماليا.. وأيضاً عن اختياركم لهذا الاسم لها.
- طابق يوم الحادي والعشرين من شهر حزيران عام 2006 الذكرى العشرين لغياب الفنان الكبير عاصي الرحباني. في ذاك اليوم احتفل لبنان بهذه الذكرى حكومياً وشعبياً وكان جزءاً من هذه الاحتفالات توقيعي كتاب "جماليات الإبداع الرحباني" على هامش احتفال لجنة الأوديسيه بالمناسبة ولقاءات على شاشتي (LBC) و (NBN) ذكرت فيهما أن الكتاب، الذي أهديته إلى الأخوين رحباني، يصدر بمناسبة عشرينية غياب عاصي وأن إصدار الكتاب يتزامن مع إطلاقي موقع "جماليا" على شبكة الإنترنيت والذي سيكون مجلة تُحدَّث يومياً ومفتوحة، للثقافة والإبداعات الأدبية والفنية والفكرية وأخبارها. وفور افتتاح الموقع صدر فيه عدد من "مجلة جماليا" كان مكرّساً بأغلب مواده ومواضيعه لذكرى عشرينية غياب عاصي الرحباني.. كما أن هذا التاريخ هو اليوم العالمي للموسيقا.
في ذلك اليوم تتوجت احتفالات لبنان بالمناسبة بمهرجان كبير أقامته بلدية أنطلياس ألقيت فيه كلماتٌ عديدة وحضره ممثلون من رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان ومنظمات عديدة وكان احتفالاً مهيباً تلألأت فيه سماءُ لبنان باسم عاصي بل باسم الأخوين رحباني مفخرة لبنان بل مفخرة الفكر والتراث الأدبي والفني العربي. وبانتهاء الاحتفال انطلقت مهرجانات الموسيقا ليلاً في ساحات المدن اللبنانية يتعانق في فضائها فرح اللبنانيين بالسلم وانتصار المحبّة والتآخي وكانت الآمال معقودة على موسم سياحيٍّ ثقافيٍّ فنيٍّ مليء بالفعاليات اللبنانية والعربية في ظلّ انفراج ويسرٍ بعد سنوات طويلة من الحزن والإحجاب والترقّب. وكانت مهرجانات فنية كثيرة، منها مهرجان بعلبك المتعدد الفعاليات بمناسبة يوبيلها الذهبي، ستجعل لبنان محطّ أنظار العرب والسياح القادمين من كافة بلدان العالم لولا ماحدث بعد ثلاثة أسابيع من ذاك التاريخ وانتهى بعدوان إسرائيلي خرّب خطط اللبنانيين وحطّم آمالهم في ذلك العام.
نعم، كان 21 حزيران يوماً تاريخياً لا أنساه وكان إطلاق الموقع فيه جزءاً من خصوصيته، تماماً كتطابق اليوم العالمي للموسيقا بيوم رحيل عاصي الرحباني وأيضاً بأول أيام الصيف، الذي يعني الكثير بالنسبة لثقافة وحياة شعبنا..
إن هذا اليوم هو عيد موقع جماليا.
أما بالنسبة لاسم الموقع فأصدقك القول بأن صاحبة الفكرة هي زوجتي (نضال غريبة)، التي رأت فيه تميّزاً عن التسميات العادية، من جهة، وتوافقاً مع عنوان كتابي المرافق إصدارُه للإطلاق "جماليات الإبداع الرحباني" ومجالات تخصص الموقع، من جهة ثانية. ولم أتردد بالموافقة على اقتراحها.. هكذا أصبح اسم الموقع جزءاً من شخصيته.. وإنني أرى اليوم كم هو عزيز هذا الإسم على رواد الموقع وكتّابه وقرّائه.
- تعرِِّفُ جماليا عن نفسها بأنها موقعٌ يُعنى بالثقافة والفنون.. ما المسافة التي قطعَتْها برأيكم في مشوارها هذا؟. وما هي الحدود ـ إذا صحَّ التعبير ـ التي تقف عندها إزاء ما يتصارع في عالمنا العربي من تيارات فكرية وسياسية؟..
- في تحيته للموقع في يوم افتتاحه قال صديقي الشاعر والأديب اللبناني الكبير هنري زغيب:
تَصدُر "جماليا" في ذكرى عاصي الرحباني، سيّد من نَهَدوا الى الجمال، شِعراً وموسيقى، مسرحاً وأُغنيات. فالجمالُ في الإبداع عصَبُ الإبداع. والجماليا في الجمال هي الطريقة التي ليس بدونها جمال. بين الجمال والجماليا، ما بين اللوحة والإطار.
الجماليا هي الـ"إِستيتيكا". الجمال هو الأصل.
كان القصد أن يعنى الموقع بالجمال الأدبي والفني وثقافاتهما وعالم الإبداع فيهما. واستعرت جملة من تراث جبران خليل جبران للموقع الرئيس وللموقع الفرعي الخاص بالدراسات الجبرانية وهو: "الجمال.. لحظة الحياة تكشف عن نفسها" تأكيداً لحقيقة أن الحياة الطبيعية هي مصدر الجمال.
كان التوقع أن يلبى نداءُ الموقع إلى المهتمين بجماليات الآداب والفنون والمبدعين من الكتاب والشعراء من الأصدقاء في البداية. وما توقعتُه حصل، وبسرعة قياسية بدأتْ تتوضح أبواب الموقع انعكاساً لمجالاته وأخذت تتطور شيئاً فشيئاً مع ازدياد عدد الكتاب والشعراء والمفكرين والمبدعين والنقـّاد والإعلاميين والفنانين الذين ارتبطوا بالموقع بالتدريج حتى أصبح موقعهم المفضل الذي يقرؤون في صفحاته ويكتبون ويتبادلون التعليقات والتقييم وكذلك الآراء الفكرية والأدبية والفنية.
لم تحصر مجالات اهتمام الموقع بحدود صلبة بل تركت لمسيرته الحرية تبعاً لما يتوفر له من أقلام ومصادر من ناحية ولمتطلبات القراء من ناحية ثاني. لم نرد منذ البداية أن يكون الموقع بديلاً لمواقع أخرى أو منافساً لها. فهناك العديد من المواقع الكبيرة التي تعمل في ملء أبوابها طواقم عمل ذات اختصاصات تغطي مجالات عديدة إخبارية بالدرجة الأولى. حاول الموقع في البداية تغطية أهم الأخبار الأدبية والفنية بشكل يتميز عن المواقع التقليدية، فجاء قسم "خبر في سطرين" الذي كان يغطي أهم هذه الأخبار. توقف العمل في هذا القسم لأسباب إدارية ولكنه لم يلغ بشكل نهائي.
من الطبيعي ألا يغفل الموقع عالم الفكر والفلسفة والسياسة إذ الجمال والإبداع الأدبي والفني مرتبط بها حتماً. وهناك باب خاص وأقسام تعرض في صفحاتها مقالات ودراسات وحوارات وأخبار تتصل بالفكر وبالتراث الفكري والفلسفي. وإذا كان لابدّ من توضيح موقف الموقع من قضايا الصراع الفكري والسياسي على الصعيدين الإقليمي والعالمي فهو بشكل أو بآخر يعكس الآراء المعتدلة لجميع كتـّابه وقرّائه، وبكلمة أخرى لم يقحم الموقع قرّاءه وكتّابه في حوارات وتباينات حدّية سواء في الفكر أو في السياسة. الموقع لا يخفي علمانيته المطلقة، وما يُنشر على صفحاته من مواضيع فكرية ومواد إبداعية لا تحيد عن هذا المبدأ. نحن على قناعة تامّة بأن أكثر ما يوحّد الناس ويلغي تناحرية التباين في وجهات النظر ويستبعد العنف هو الفكر العلماني المستند إلى أولوية المواطنة والانتماء الإنساني. بهذا ينتفي أي احتمال للفوقية والتعالي والتعصب والاستهتار بالغير ومحاولة إلغاء الآخرين، وتسود الحرية الواعية والمساواة وروح المحبة والسلم وقبول التمازج الثقافي بعيداً عن الفصل العنصري أو الإقليمي أو الديني. من هنا فإن بيئة موقع "جماليا" علمانية الطابع، علمية النهج، جمالية وطنية إنسانية محايدة ومؤمنة بالحريات الشخصية وعلى رأسها حرية التعبير ضمن شرط "الأولوية لما يجمع والاستبعاد لما يؤدي إلى العنف".
وبشكل عام، لا يتلقى الموقع مقالات أو موادّ للنشر ذات رؤية مرتبطة بانتمائية ضيقة سياسية أو دينية أو قومية. أعتقد أن زوار الموقع يعرفون شروطه من خلال إيحاءات واجهته.
على هذا الأساس ترى أن المواضيع والمقالات الفلسفية والفكرية والسياسية التي نشرت وتنشر في الموقع كانت وستبقى ذات طابع وطني إنسانيّ لا تروج لرؤى محددة منتمية سياسياً أو حزبياً. وهي في نفس الوقت ذات طبيعة نقدية موضوعية وتقدمية واعية ضد التخلف والتهميش والرجعية والعنصرية والأنانية والتعالي وضد مناهج العنف وثقافاته وضد إقحام الدين واستحضار السلفية لعرقلة التطور الاجتماعي والسعي من أجل السلم العالمي.
أما فيما يخص العولمة التي أثير جدلٌ واسع بخصوص ما يشهده العالم من نمو متسارع لأطروحاتها وانتشار لثقافاتها فإن الرأي العام لكتّاب الموقع وقرّائه لا يرفض الجوانب الإيجابية الكثيرة التي تشكل أسس العولمة وعلى العكس من ذلك، فإن الإقبال المتزايد على استخدام شبكة الإنترنيت وسيلة عظيمة للتواصل الفكري والإبداعي وللتمازج الثقافي الخلاّق يثبت جدوى العولمة وحاجتنا إليها. لقد صوّر البعض العولمة أنها من صنع العالم الرأسمالي. أنرفضها ونراها قبيحة لهذا السبب فقط؟ وإذا رفضنا العولمة الثقافية فما هو البديل الذي سنتمسك به؟ إنه اللاعولمة.. أي الانعزالية والحجر!! أهذا ما كانت تسعى إليه الإنسانية عبر تاريخ من النضال والكفاح من أجل أمميةٍ يتساوى فيها أبناء البشر وتتوفر لهم الفرص العادلة للحياة الكريمة!!
إن العولمة الثقافية والإعلامية والإبداعية والتربوية فرضت نفسها بقوة نابعة من الحاجة الإنسانية لها وستبقى وتتطور حتى تزول جميع الحواجز التافهة بين الشعوب وثقافاتها اللاعنفية فتقرّب بينها وتجعل العالم قرية صغيرة وادعة يسهل فيها تضامنهم من أجل الخير والمحبة والسلم والتقدم وقهر الجوع والتخلف والمرض ومن أجل حماية البيئة والنهوض بالمجتمعات الفقيرة من مستقعات الجهل والاقتتال إلى العلم والعمل واستخدام العقل. ولمن يظن بأن العولمة سلاح بيد البلدان ذات المطامع الاستعمارية أقول: في العولمة وبها سيكون بإمكان العالم استخدام هذا السلاح في حشد التضامن ضد الاستغلال وفي فضح التآمر على الشعوب إذ لم تعد أعقد الأمور خفية على أحد.. عبر الإنترنيت تتحول الآن كافة المعلومات من الهمس إلى العلَن ومن التكتم إلى الفضح ولم يعد بإمكان ممتهني التلاعب والتآمر والاستغلال العمل في الخفية.
هذه هي الخلفية الفكرية لموقع "جماليا". وهذه هي الرؤية العامة لقرّائه وكتّابه.
- استكمالاً لما تقدّمَ ما هي الآفاق التي تنشدونها لجماليا.. وهل هناك مشاريع أو برامج للتطوير أو التوسّع تضعونها لها؟
- كما أسلفت، "جماليا" موقع للآداب والفنون الإنسانية وثقافاتها وإبداعات محترفيها وهواتها وأخبارها ولتغطية الفعاليات الثقافية المختلفة. وليست رقعة اهتمام الموقع محصورة بحدود جغرافية. ولكونه موقعاً على الشبكة الأممية يزوره ويكتب في صفحاته قراءٌ وكتاب من مختلف بلدان العالم يفترض أن تكون مواده وأخباره من جميع أومعظم هذه البلدان. يطمح الموقع إلى أن يصبح بمقدوره تلبية متطلبات جميع زواره وتغطية أخبار الفعاليات الثقافية العربية الكبيرة ولكنه مازال فتيّاً ومازال من الصّعب حالياً إنجاز هذه الرغبة. تصلنا إلى الموقع أخبار وتغطيات عبر رسائل إليكترونية يومية أو أسبوعية لجهات عديدة، ولا أعتقد أنه من السليم أن نعيد عرض تغطيات قام بها غيرنا. عندما تأتي الأخبار أو التغطيات من مراسلي جماليا نعرضها فوراً. وقد ننسخ من مواقع صحف كبيرة بعض هذه المواضيع ونشير إلى المصدر.
في الموقع كثير من الأبواب المجمّدة بسبب عدم وجود متفرّغين. نأمل أن نتمكن من تفعيلها في المستقبل.
أهم ما نفتخر به في الموقع، بعد فخرنا بأسماء كتّابه وشعرائه اللامعين والذين يخصّون الموقع بكتاباتهم ويشعرون بالانتماء إلى جماليا، وهذا يغبطنا حتماً، هو ارتباطنا بالاتحاد العالمي للدراسات الجبرانية، والذي يدير مركزه في الشرق الأوسط ولبنان الشاعر هنري زغيب.
من السهل اكتشاف أهم مكونات الموقع عبر أيقونات المواقع الجمالية الفرعية (منصة هنري زغيب، ملامح وظلال جوزيف أبي ضاهر، عرزال إياد قحوش، كتاب جماليات الإبداع الرحباني"، حديقة الإيريس، مرسم غياث العبدالله وغيرها) والأبواب. كما أن خدمات الاتصال متاحة نسبياً علماً بأن بعضها تعرّض إلى هجوم من قبل متطفلين ومخربين مثل (سجل الزوار) و(اتصل بنا) أدت إلى إلغائها وسنعمل على استبدالها قريباً ببدائل متطورة، كما أن بعض هذه الفروع والأبواب تعرض إلى خلل سنقوم بإصلاحه في أقرب وقت ممكن.
هناك ضعف فني في الموقع يعود لصعوبات إدارية نحاول تذليلها. وقريباً ستتم إعادة تفعيل جميع الأبواب والمواقع والصفحات الفرعية. لقد تطوّر الموقع منذ إطلاقه حتى الآن وضمّ عدداً كبيراً من المواضيع من شعر ونثر ومقالات ودراسات وتحليلات ومنشورات وكتب وأخبار إلخ.. ولكن ذلك لم يرقَ حتى الآن إلى مستوى طموحاتنا. والحقيقة انه ليس من السهل إرضاء متطلبات زوار الموقع لأنها متطلبات نخبة مثقفة عالية المعايير. ويبقى إرضاؤهم هدفاً سامياً نسعى من أجل الوصول إليه. لذلك فإن المرحلة القادمة ستشهد تغيراً نوعياً يبدأ بتشكيل مجلس إدارة وهيئة تحرير دائمين بدل المجلس المؤقت وهيئة التحرير المؤقتة الحالية.
وستستغرق هذه المرحلة فترة زمنية تتحكم بطولها شروط مالية وفنية. وسنشرك في عمليات التطوير أصدقاءنا الكتاب والقرّاء، انطلاقاً من حالة نعتز بها وهي أن القسم الأعظم منهم يشعرون بالولاء للموقع ويعتبرونه موقعهم ولهم في مسيرته وعناصرها حقوق.
وعلماً بأننا لا نجد ضرورة أبداً لمقارنة "جماليا" بالمواقع التي تهتم كثيراً للتلوينات الشكلية والبهرجة والصور وما إلى ذلك، إلا أننا سنقوم بإضافة خدمات نتمكن معها من عرض موادّ موسيقية وتسجيلات صوتية عند الحاجة.
ومن ناحية ثانية فإن الموقع مفتوح لجميع من يرغب في المساهمة في دعمه فنياً وإعلامياً ومالياً وفق شروطه الواضحة. وقريباً سنجري اسفتاءً بين القرّاء على مجموعة من المسائل المتعلقة بشكل الموقع ومضمونه وخطط تطويره.
جدير بالذكر أن عدد المواد المسجلة حتى الآن في أرشيف الموقع تجاوز 3300 مادة مأرشفة بطريقة يمكن الوصول إليها بسهولة عبر أكثر من طريق، وجميعها قابلة للطباعة أو الحفظ حسب رغبة القارىء أو الباحث. قسمٌ كبير من هذه المواد أعمالٌ إبداعية تنشر لأول مرة وحصراً في الموقع. ويذكر أيضاً أن عدد الزيارات الذي شارف على 235 ألفاً يعتبر رقماً مرْضياً خلال سنتين لموقع نخبويّ مثل "جماليا".
- لو توجّهنا للدكتور مفيد بصفته مديراً لموقعٍ الكترونيّ شقَّ طريقَه المتميِّزة والمعروفة في مساحة واسعة وامتداد ملحوظ على مدى العالم العربيّ وخارجه، لو توجّهنا له بهذا السؤال:
.. أنت من جيلٍ ـ في أغلب بلداننا العربيّة ـ فات البعض الكثير منه قطار (الأممية التخيّليّة) ـ كما تُسسمِّيها ـ والبعض منه دخلَه متأخِّراً وفي المقاعد الخلفية.. كيفَ كان دخولكَ أنت، ونراكَ الآن تحتّلَ مقعداً في غرفة القيادة؟
صحيح.. وما زلت أذكر أنني في أوائل السبعينيات استخدمت حاسبة بسيطة في فترة دراستي الجامعية خلال حلّي مسائل رياضية معقدة كانت يدوية وتعتمد على دوران أقراص تحتوي أرقاماً من 1 إلى 9 ومفاتيح للبرمجة توفر على من يتقن التعامل وقتاً كبيراً. وأذكر أنها وصلتني من موسكو وكم حدّثت أصدقائي عنها وكم أحببتها وأنا أحلم بأجيالٍ من الحاسبات أكثر تطوراً.. إلى أن ظهرت كومبيوترات الثمانينيات التي تعتمد على (0) و (1) فقفز العالم بأسره معها إلى مرحلة تحولت فيها أجزاء الثانية إلى زمن ذي اعتبار لأنه يكفي لحل معضلات كبيرة ولتحقيق إنجازات تطلبت مثيلاتها قبل ذلك ساعات بل أياماً أو أكثر. وقد طوّرت قدراتي على استخدام برامج الكومبيوتر المختلفة في الثمانينيات أولاً نظراً لحاجتي لاستخدامه في أبحاثي العلمية وثانياً لأنني اقتنعت وأنا ألاحظ التطور السريع في تكنولوجيا المعلومات أن المرحلة القادمة ستفرض على كل الباحثين والمتابعين أن يستخدموا الكومبيوتر في تعاملاتهم اليومية. أول مقالٍ عن قرب استخدام تكنولوجيا المعلومات لخطوط الهاتف لنقل المعلومات والأوامر قرأته في أواخر السبعينيات واستخدمتُ هذه الخدمة في موسكو في أواسط الثمانينيات. وعندما تطورت التقنيات ليدخل العالم مرحلة الإنترنيت في أوائل التسعينيات كنت من السبّاقين لاقتنائه واستخدامه في أبوظبي. تطلّب الأمر مني جهداً ومثابرة ولكن الوقت الذي أمضيتُه وأنا أتبحر في عالم الإنترنيت ومواقعه كان ممتعاً ومفيداً. ومنذ 1996 رأيت في الشبكة العنكبوتية عالماً من التواصل والانفتاح لتبادل الثقافات والمعلومات والأفكار والإبداعات والمواقف وتأييد حملات التضامن من أجل الخير والتقدم والدعم الإنساني إلخ.. وكان هذا ما جعلني أقول رأيي في مقال كتبته عام 1998 أطلقتُ فيه على شبكة الإنترنيت تسمية "الأممية التخيّلية" (Imaginary Internationalism). فقد كنت أرى فيها، بدون مبالغة، امتداداً طبيعياً حضارياً متطوراً للأمميات السابقة التي دعت إليها الحركات الثورية العالمية عبر قرون خلت. وهي أممية لا تستطيع أية رياح أن تقف بوجهها ولن تنال من قوتها وعظمتها وسعة انتشارها وسرعة ظهور جدواها أية خطة ظلامية أو قمعية أو تهميشية. لقد بات العالم اليوم مفتوحاً أمام العقلاء والمتنورين وباتت المنابر جهريةً وصريحة ومباشرة أمام الناس وما عادت هناك حاجة للرسائل السريّة وللشيفرة والرموز.
أمام هذا كان ندائي دائماً وما يزال إلى جميع أصدقائي وأترابي ألا يتردّدوا في دخول عالم الإنترنيت وألا يخشوا متطلباته.. فألغازه أبسط من أن يحجم أحدٌ عن الخوض فيها ومتعة استخدامه لا تجاريها متعة. وفوق هذا، لن يكون بمقدور أحد يرفض استخدام الإنترنيت أن يواكب ويتابع إعلام وثقافة وإبداع اليوم وحتى التواصل مع الآخرين. شئنا نحن ام أبينا، سنجد أنفسنا بعد قليل نبني "مجتمعات تخيّلية" (Imaginary Societies) تستقطب اهتمامنا وتحوز على مشاعرنا وتربطنا بأفراد مجتمع انتقينا أفراده برغباتنا وليس انطلاقاً من انتماءاتنا إلى مكان ما أو زمان ما أو طيف ما أو قرابة عشائرية محددة. أذكّر أحبائي في موقع جماليا، قرّاءً وكتـّاباً، بحجم وعمق الحزن الذي تركه في نفوسهم غياب واحدة من أفراد مجتمع "جماليا" – إيريس نهري التي أحبوها حبّاً صافياً نقيّاً وهم لا يعرفونها إلا من خلال الموقع، ومعظمهم يعرفون بعضهم البعض من خلاله فقط، وأقاموا حداداً على غيابها وكأنها أختاً أو أماً أو ابنةً أو صديقةً أو زميلةً أو جارة لأيٍّ منهم، شبّاناً وشابّاتٍ ومن كل الأعمار ومن أماكن ليست مكشوفة بالضرورة. أليس حجم الودّ والصدق والوفاء الذي تخلقه الارتباطات عبر هذه الأممية من أهم عناصر البيئة المجتمعية؟؟.
كيف إذن لإناس اجتماعيين ودودين يحبون الجمال وفنونه وآدابه ويحبون السلم والفرح والمساواة والنور.. كيف لهم أن يكونوا بعيدين عن هذا العالم الخيّر الجميل السخيِّ الوفيّ؟؟!.
ومن ميزات التعامل مع الإنترنيت، خاصة عندما يصل الأمر بالمتعامل إلى انتقاء ما يعجبه ويحوز على رضاه ويتقاطع مع قناعاته، أن المتصفح سيجد نفسه في ساحة الحوارات التفاعلية وبالتالي سيكون مضطراً لتطوير معلوماته وقدراته وبالتالي سيدخل حتماً ميدان المعرفة وستتكون لديه خبرة سرعان ما يصبح معها من بديهيات كفاءاته الإلمام بالكتابة باللغتين وإتقان المراسلة والتعامل مع الملفات وتخزينها وغير ذلك مما لا يبقى معه أحدٌ في "المقاعد الخلفية".. الإنترنيت، أستاذ ندرة، يقرّب الناس من بعضهم البعض ويطور قدراتهم ويشجعهم على الإبداع ويرفع مستواهم المعرفي. إنه البيئة الثقافية البديلة الحتمية.
- نعرفُ أن اختصاصكَ العلمي هو في موضوع صناعة البناء، اختصاص بحت علمي وعملي ـ إذا استثنينا بناء صرح جماليا وريّ ورعاية أزهاره ـ فهذا يفتح لنا الباب على سؤالين مترابطين.
الأولّ: كيف يتمّ الجمع بين عملكَ اليومي (المعيشي)، وواجباتك المهنية.. وتكريس وقتٍ وجهدٍ ملحوظين بوضوح لجماليا.
الثاني: من جملة ما أتحفتنا به من أعمال، كتابُك الكبير والغنيّ والجميل: (جماليات الإبداع الرحباني) كيفَ استطعتَ، وفي ظروفكَ، أن تحتلَّ الصفَّ الأول بين المتابعين للإنجازات الفنية المعاصرة وغير المعاصرة، وربما المختصّين في مجال النقد الفني والأدبي.
- اختصاصي منذ دراستي الجامعية في دمشق، كما تعلم، لم يقف عائقاً أمام حياتي الثقافية التي كنت أعيشها إلى جانب عدد كبير من الأصدقاء، وأنت أولهم، ممن الأدب والفن من أولوياتهم، سواء أكانت من اختصاصاتهم أم لا. لم أحاول وأنا شاب أن أهيّء نفسي كي أصبح شاعراً أو أديباً. كنت أقرأ وأشاهد وأستمع وأشارك في جميع مجالات الأدب والفن، ولم أكتب إلا بعض المقالات في التحليل الموسيقي أو الخواطر. وكنت معجباً بالأعمال الرحبانية منذ الستينيات وحتى أواخر السبعينيات وأنت تتذكّر كم أثّرت فينا نحن الإثنين أنباء مرض عاصي الرحباني في أواخر أيلول 1972. بعد هذا التاريخ ازداد شغفي بالأعمال الرحبانية وكان ظهور الكاسيت الصغير الحجم عاملاً مساعداً على تسهيل اقتنائي الأعمال المسرحية والاستمتاع بسماعها مراراً وتكراراً واكتشاف القيم الجمالية الكثيرة في مكونات ومشاهد المسرح الغنائي المتميز والفريد. حتى عام 1985 لم يخطر على بالي البحث في الإبداع الرحباني، وكانت مرحلة الدراسات العليا تشغلني عن ذلك، ولكنني اعتدت أن أسجل في كراساتي ما يتركه في نفسي إصغائي لتفاصيل مسرحيات الأخوين رحباني دون سواها وما أصل إليه من استنتاجات. بعد وفاة عاصي صرت شغوفاً بتراث هذا المسرح ورحت أتلقط الأخبار والمقالات. وأثارني أن عدد الدراسات والكتابات المكتوبة عنه شحيحة. ولم يظهر حتى اليوم كتابٌ واحدٌ على مستوى هذا التراث العظيم.
بدأت بوضع خطة لكتاب "جماليات الإبداع الرحباني" في أوائل العام 2003. وبدأت الكتابة المنتظمة بعد تحديد الخطوط العريضة وبناء قاعدة بيانات هامة في أواسط 2004. كانت ساعات الكتابة ممتعة لدرجة أنني أقول الآن أن أسعد سنتين في حياتي هما السنتان اللتان كتبت خلالهما الكتاب.
سؤالك أستاذ ندرة عن كيفية التوفيق بين ساعات عملي الطويلة في مجال البناء وساعات الكتابة التي كتبت خلالها سؤالٌ مشروع وقد سُئِلته من قبل الكثيرين. البعض ممن كان حولي يعرف الجواب. كانت متعتي وأنا أكتب تلغي حاجتي للنوم التي اختصرتها كثيراً. كنت في سباق مع الزمن إذ تعهّدت أمام الأستاذ منصور الرحباني أن يصدر الكتاب في 21 حزيران 2006.
من قرأ الكتاب لا بدّ وأنه لاحظَ كم هي قيّمة أية فقرة في التحليل أو التعريج أو الربط أو الاستفاضة، وقدَّر كم من الوقت احتاجت هذه الفقرات القليلة الكلمات والغنية بالمعلومات. وليس عبثاً أن يأتي تقييم الصديق الشاعر الأستاذ هنري زغيب الذي وصف الكتاب في مقدمته "بالعمل الموسوعي" و"السفر المعمّق"، أو الأستاذ منصور الرحباني الذي قال عن الكتاب: "فإذا به إضافة عالية راقية إلى الرسالة الرحبانية".
ما كنت أبذله من جهد في كتابتي سخّرتُه وما أزال لموقع "جماليا" الذي جاء، بشكل أو بآخر، امتداداً للكتاب رغبت من خلاله أن أفتح أبواباً على "الأممية التخيلية" تستقبل أقلام وزيارات محبي الآداب والفنون من المستوى الجمالي الرفيع، والتي رمزُها مسرح الأخوين رحباني.
وأنا الآن أقول لأصدقائي في الموقع إنني أشكر كلّ من يساهم في أي حرف من حروف جماليا المضيئة وأؤكد لهم أنني أسعى للقيام بواجبٍ أملاه عليّ حبي للجمال الأدبي والفني وثقتي بأن الحقيقي من هذا الجمال يخلق الفرح وبأن الفرح قوة كم نحن بحاجة إليها كي نصون إنسانيتنا ونفعّل قدراتنا الخلاقة. وكلما عملنا كلما حققنا المزيد من المتعة والمزيد من القدرة المتصاعدة على العمل المنتج.
الجميع في محيط الموقع الواسع يعملون كثيراً من أجله ومن أجل أهدافهم النبيلة التي توافقوا عليها بطريقة طبيعية تخلو من أية برامج وخطط مسبقة. والغالبية العظمى من كتـّاب الموقع يعملون في قطاعات غير الأدب والفن والإعلام.. وأنت تراهم في فضاءات "جماليا" كل يوم، قارئين معلّقين وكاتبين شعراً ونثراً وأعمالاً مختلفة بمستوى عالٍ من الحرفية والجمال.
قبل "جماليا" كنت أزور وأكتب وأساهم في عدد من المواقع المعروفة. لا أملك الآن مايكفي من الوقت كي أزور وأقرأ نفس العدد من المواقع. جلّ وقتي، خارج ساعات العمل النهاري، أصرفه على موقعنا.
- والآن ماذا تريد أن توجّه من كلمات إلى متابعي موقع جماليا، وإلى من تعنيكَ مخاطبتُهم في هذا المحيط العربي الواسع. وشكراً
- كل من يحب النور والثقافة الإنسانية الرفيعة من الخليج والشرق الأوسط إلى بلدان المغرب العربي، ومعهم أخوتنا وأبناؤنا في بلدان الانتشار معنيون بموقع "جماليا" كبيئة يتجمعون من خلالها ويلتقون على أرضية الجمال وآدابه وفنونه وثقافاته وإبداعات الخلاّقين في عالمه الحاضن لفكر المحبة والفرح والسلام. وأنا إذ أفتخر بجميع أحباء الموقع وأحييهم أعرب هنا عن ترحيبي وسروري بالكتاب والقرّاء من مراكش وفلسطين والعربية السعودية وسوريا. وأودّ أن أؤكد للجميع أن الموقع وجد من أجلهم وأنه حيٌّ بهم وبتفاعلهم مع فضاءاته الجميلة وأنهم كتّاباً وقرّاء أزهار حدائق الموقع النضرة الفواحة الواعدة بالمزيد من التألق.. وأشكرهم أيضاً على صبرهم على وتائر التحديث والتطوير التي تخضع إلى ظروف موضوعية سيكون الزمن كفيلاً بتخفيف تأثيرها السلبي كي يبقى الموقع عند حسن ظنّ أحبائه.
مازال بيت الشعر الذي اخترته من إحدى قصائد الشاعر البحتري مبعثاً لآمال الموقع ووعداً لرواده الأوائل بأن يكون الغد أفضل وأوفر عطاءً: "وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه .. وأول الغيث قطرٌ ثم ينهمر".. مازال هذا البيت في رأس الصفحة الرئيسة يبشر القراء بالمزيد.. فنحن حتى الآن في مرحلة قطر الغيث وعمر جماليا مديد.