فلندعم هذا المرشح العربي

عطية مسوح قرأها 5
  

فلندعم هذا المرشح العربي

عطية مسّوح

أخبرني صديقي الدكتور رضوان القضماني، العائد من المؤتمر الدولي الأول للنقد الأدبي المنعقد في القاهرة بين 8 و 10 من الشهر الجاري، أنّ الدكتور فاروق حسني وزير الثقافة المصري والمثقف العربي المعروف، مرشح من الأمم المتحدة لمنصب الأمين العام لليونسكو، المنظمة الدولية للثقافة والفنون. كما أخبرني أن هذا الترشيح يلقى مقاومة شديدة من الأوساط الصهيونية في أوربا والعالم، فالأقلام المعبرة عن هذه الأوساط تشنّ حملة شعواء على هذا المثقف العربي وتتهمه ـ كما هي العادة على الدوام ـ بالعداء للسامية وإسرائيل، وتشوّه سمعته على كل صعيد، بقصد الحيلولة دون أن يتبوأ هذا المنصب الثقافي العالمي المتقدم رجل عربي.

ليس هذا الأمر غريباً، ولا هو بجديد، فقد سبق أن قاومت الصهيونية، انطلاقاً من مواقعها المالية والسياسية الفاعلة في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية، ترشيح أي عربي لجائزة عالمية أو لمنصب في الهيئات الدولية.

تخاف الصهيونية من أي تقدم عربي، ولكنها تخاف خاصة من أي تقدم عربي على مستوى الثقافة. وليس هذا الخوف غريباً أيضاً، فإسرائيل والصهيونية تدركان معنى إحراز التقدم على الصعيد الثقافي، وخطره.

تريد الأوساط الصهيونية أن تؤكد تخلّف العرب أمام العالم، وتريد أن تحجب أية بارقة عربية قد تظهر هنا وهناك. وإذا كنا ـ نحن عرب هذا العصر ـ على درجة كبيرة من التخلف، في كل المستويات، فإن بروز بعض الأسماء العربية في مجال الثقافة قد يكون عامل تشجيع للعرب، وتعزيز لثقة العربي بنفسه، بعد سلسلة الهزائم منذ أواسط القرن العشرين إلى اليوم. لهذا لا بد أن تحول إسرائيل، أو تسعى إلى الحيلولة دون ذلك.

كان الأديب الكبير الراحل، نجيب محفوظ، أول عربي ينال جائزة نوبل للآداب، وهي أهم الجوائز العالمية. حصل ذلك برغم أنف الصهيونية، وفرض ذلك الأديب العربي نفسه بإبداعه المتميز والمستمر على مدى نصف قرن. لكن الساحة الثقافية العربية ليست خالية من أمثال نجيب محفوظ الذين تركوا بصمات بارزة خالدة على الحياة الثقافية العربية، وأسهموا في بناء الأدب العالمي. وقد سئل نجيب محفوظ، بعيد تسلمه جائزة نوبل عما إذا كان يرى عربياً آخر يستحق هذه الجائزة، فاقترح اسم الأديب العربي الكبير حنا مينه، وكم كان صادقاً ومصيباً في الاقتراح، فحنا مينه هو صنو نجيب محفوظ السوري، وهو أحد أساتذة الكتابة الروائية العربية، وهو كنجيب محفوظ ـ السيل المتدفق الذي لا يتوقف عطاؤه وإبداعه.

ثمة أسماء أخرى كبيرة ولامعة، رُشّح بعضها، ويستحق بعضها الآخر الترشيح لأعلى الجوائز العالمية. من هذه الأسماء المسرحي الراحل سعد الله ونوس، والشاعران محمود درويش وأدونيس وغيرهم. لكن الترشيح العربي لا يمرّ، وإذا قدّم، أو كان تقديمه موضع تفكير، فإن حملة صهيونية واسعة ستكون له بالمرصاد.

في هذا النشاط المحموم الذي تقوم به الأوساط الصهيونية ما ينبغي علينا أن نفكر فيه وندرسه، ونستخلص منه ما يفيد.

ولعل أول ما علينا أن نقوم به هو إدراك أهميتنا الثقافية ـ نحن العرب الذين نعيش الهشاشة والتخلف ـ والسلوك المنطلق من هذه الأهمية.

قد يبدو الحديث عن أهمية ثقافية عربية كلاماً لا صدقية فيه، وتجميلاً للواقع، وتعزية للنفس، وقد يبدو نوعاً من المكابرة، ونحن ـ عرب العصر الحديث ـ معروفون بالمكابرة والمفاخرة وادعاء الإنجازات.

وقد يقول الكثيرون، إن الشعوب العربية هي أقل شعوب العالم إنتاجاً للكتاب، وإقبالاً على قراءته، وأقلّها استخداماً لوسائل الثقافة الحديثة التي ظهرت إلى جانب الكتاب وبدأت تحلّ محله في قطاعات عديدة.

هذه أقوال صحيحة، إنما صحتها لا تعني عدم إمكانية ظهور مبدعين كبار وأسماء لامعة في هذا المجال الثقافي أو ذاك. لكن الحديث عن الثقافة العربية له وجه آخر، هو الأكثر أهمية. إنه التالي:

في ظل التفكك السياسي العربي، والتخلف الاقتصادي والاجتماعي، وعجز العرب عن اتخاذ مواقف سياسية موحدة حيال ما يتعرضون له من مشكلات وأزمات وتدخل خارجي وعدوان إسرائيلي مستمر، وفشل العرب في حل مشكلة التنمية وتوفير الأمن الغذائي والمائي، وعجزهم عن تحقيق التوازن المطلوب مع العدو الإسرائيلي على المستويات العسكرية والاقتصادية والسياسية الدولية، في ظل ذلك كله، تنفرد الثقافة العربية، بأنها عنوان وحدة العرب وحامل تطلعاتهم إلى التكاتف والنهوض.

نعم، الثقافة وحدها هي المعبر عن أن العرب أمة واحدة، وأن الشعوب العربية ذات مصالح وأهداف واحدة، وأن المشكلات التي تعانيها، من حكامها، وأعدائها، هي مشكلات متقاربة إن لم تكن واحدة أيضاً.

الثقافة العربية هي التي تثبت ذلك كله، وهي التي تجعل العربي قادراً على التأثير في قطْر غير قطره، أي تجعله ذا فعل قومي، برغم إرادة الحاكمين.

إن الانبعاث الثقافي العربي، والنهوض في مجالات الإبداع المختلفة، وفي مجال التعليم، والصحافة والإعلام، هو أساس لأي انبعاث أو نهوض سياسي. هذا هو الممكن في زمننا العربي الحديث، زمن التفكك السياسي والتخلف الاجتماعي والاقتصادي.

قد يتساءل المرء: أيمكن أن يحدث نهوض ثقافي في ظل كل ما ذكرته من تفكك وتخلّف؟ أقول: هذا ممكن، لأن للثقافة استقلالها النسبي، ولأن نوافذها كثيرة وكبيرة، وهي تستطيع أن تطلّ على العالم، تأخذ منه وتعطيه، وتتأثر وتؤثر، فتنمو وتنهض، وتكون عاملاً فعالاً وأساسياً في نهوض الأمة.

ولعل أعداءنا الصهاينة يفهمون ذلك، فيرغبون في سدّ الأبواب والنوافذ أمام ثقافتنا، ويسعون إلى حصرنا في قوقعة ضيقة.

إن بروز أسماء عربية في دنيا الثقافة العالمية هو حلقة من حلقات نهوض ثقافتنا، وتعبير عن حضورنا الثقافي. فليدعم المثقفون العرب كل اسم عربي يرشّح أو يطرح، وليُحسن العرب اختيار الأسماء التي يقدمونها، كي تكون قوية، لا يستطيع أعداؤنا تحطيمها.