الجمعيات الأهلية ... خطوة للأمام .. خطوتان للوراء!!..

إباء منذر - سوريا قرأها 5
  

الجمعيات الأهلية ... خطوة للأمام .. خطوتان للوراء!!..

إباء منذر - سوريا

                                           Solidarity.jpg

تتَّجه الحكومة بخطوات حثيثة باتجاه اقتصاد السوق الاجتماعي الذي يعد المواطن أهم ركائزه، وأصبحت الحاجة ملحة للتنظيمات الأهلية التي تبلور العمل البشري باختلاف نشاطاته والتي من شأنها أن تلعب الدور الأبرز والأهم في النظام الجديد الذي يعتمد على مبدأ التشاركية.

ولعل الأرقام الموجودة لدى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تشير إلى التطور الكمي لجمعيات المجتمع الأهلي ففي عام 2001 لم يتجاوز عدد الجمعيات الـ 518 جمعية تعمل بمختلف الاتجاهات العلمية والثقافية والاقتصادية والخيرية وغيرها، موزعة على مختلف المحافظات بينما وصل عدد الجمعيات والنقابات والاتحادات الشعبية في عام 2006 إلى 1187 أي إن الرقم تضاعف خلال خمس سنوات؛ لكن كمها - وإن كان قليلاً بحسب ما نطمح إليه – إلا أن مشاكلها لم تنكرها الخطة الخمسية العاشرة حيث أشارت الخطة إلى ضعف البنية التنظيمية والمهنية وهيمنة المؤسسات الرسمية على العمل المجتمعي مما أدى إلى محدودية المهارات والكفاءات وضعف الهياكل التنظيمية الواضحة ومركزية القيادة الداخلية وانغلاق بعض المنظمات الأهلية وتقوقعها الداخلي ومحدودية التعرض والاستفادة من الخبرات المحلية والعربية والدولية، إضافة إلى ضعف الشفافية والمهنية وتراجع ممارسة العمل التطوعي وتراجع أهميته على مستوى المؤسسة والمجتمع، علاوة على تراجع وشح موارد التمويل والتقييد في حرية واستقلالية العمل الأهلي؛ كل هذه المعوقات وضعتها الخطة الخمسية العاشرة في اعتبارها ليكون عام 2010 عاماً للنهوض بالعمل الاجتماعي؛ فهل ستستطيع الجمعيات الأهلية أن تأخذ دوراً أكثر عمقاً في العملية التنموية في سورية رغم كل المعوقات؟



غياب الدعم

في ظل غياب الدعم المادي والمعنوي تعتبر الجمعيات الأهلية أن دورها سيظل مشلولاً فيقول الدكتور جمال السطل عضو في جمعية حماية المستهلك:

تحتاج الجمعيات الأهلية إلى دعم مادي ومعنوي مثل جمعية حماية المستهلك، ودورها هو توعية المستهلك بما له من حقوق، ولكنها تحتاج إلى الإمكانيات، حيث حاول قانون حماية المستهلك أن يعطي جمعيتنا دوراً معيناً في حياة المواطن بشكل أكبر، ولكن نبقى بحاجة إلى دعم أكبر ونحاول أن نعمل لأن يتكرس دورنا بشكل أكبر في المجتمع، وكذلك الجمعيات الأ*** تحتاج إلى نفس الدعم فلا تكفي اشتراكات الأعضاء وإنما أيضاً تحتاج إلى رعاية أكبر وهناك بعض الجمعيات الخيرية لديها مشاريع صغيرة تساعدها على تحقيق دور أكبر لها، ولكن الغالبية ليس لها دور واضح في اقتصاد السوق الاجتماعي دون أن يكون لها دعم وكل الجمعيات المرتبطة بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تدرج لها معونات شهرية لا تتجاوز 25000 ليرة سورية غير كافية.

جمعيات غير ربحية

وإن كانت الجمعيات المتعلقة بتفاصيل حياة المواطن اليومية تعاني ما تعانيه فما حال الجمعيات العلمية؟ كالجمعية الكونية السورية التي يقول السيد ناصر منذر وهو أحد أعضائها: تأسست في عام 1980، وهي جمعية علمية غير ربحية تقوم بجميع نشاطاتها بشكل تطوعي من قبل أعضائها حيث إنها لا تحتسب الريعية الاقتصادية، وتتلقى دعماً من قبل جهات رسمية وبعض الأصدقاء.

دون مقر

لا تزال الجمعية حتى الآن بلا مقر خاص بها، ويعقد مجلس إدارتها اجتماعاته في منزل أحد الأعضاء، وتعقد الاجتماعات العامة في المركز الثقافي العربي بشكل سنوي، وعلى الرغم من عدم وجود مقر للجمعية، لكن أعضاءها يمتلكون مكتبة علمية جيدة، باللغتين الفرنسية والإنكليزية، وتملك الجمعية تلسكوباً من نوع سلسترون 8 إنش، قدمه لها المغترب السوري جورج عوض، وضعت الجمعية مشروعاً طويل الأمد لتطوير علوم الفضاء والفلك في سورية(حتى عام 2020) بالتعاون مع الخبير الفرنسي فرانسوا كيرسي وتشكلت بناءً على هذا المشروع لجنة وزارية لتطوير علوم الفضاء والفلك سنة 2003 لكن اللجنة توقفت عن العمل بعد السنة الأولى!!.

عشوائية العمل

وإن حاولت الجمعيات في سورية البحث عن مكان لها في المجتمع بشكل فاعل إلا أنَّ عشوائية العمل في المجتمع الأهلي مازالت تحكمه بقوة فهي كأي تجمعٍ بشري تحكمه المركزية كما تقول واحدة كانت من أكثر المتحمسات للعمل الأهلي إلا أنها اليوم اعتزلت هذا النشاط؛ ولها أسبابها فتقول السيدة غالية الصاحب: كنت سابقاً أشترك بعدد كبير من الجمعيات الأهلية وهي كأي تجمع بشري تحكمها المركزية ويديرها أحياناً أشخاص من أصحاب الإيديولوجيات ليروجوا من خلالها لأنفسهم بالدرجة الأولى وبذلك تفقد الصفة الأساسية للعمل الاجتماعي وهو العمل من أجل المجتمع، فهؤلاء يبعدونها عن دورها الحقيقي فالناس بحاجة لجمعيات قريبة منهم، كذلك لا ينكر أحد أنَّ الجمعيات الأهلية في بلادنا تفتقد إلى الدراسة الميدانية للواقع حتى نستطيع إيجاد الحلول الواقعية لها فالحاجة دائماً هي أم الاختراع وهذا مفقود، ومع الأسف فإن بعض الجمعيات هي تسيير مصالح، وفاقدة صفتها الحيوية، ورغم أنها من المفترض أن تكون غير ربحية إلا أن معظمها يتجه إلى جني الأرباح ولاسيما حين يكون للواسطة والمعارف دور كبير، وعن قانون الجمعيات الأهلية الذي سيصدر قريباً تقول: لايجوز جمع الجمعيات الأهلية كلها بقانون واحد فكل جمعية لها وضعها القانوني وخصوصيتها والأهم الذي يجب أن يعتمده القانون الجديد هو الدعم المادي، وأن لا تعتمد فقط على الاشتراكات وتضيف"الصاحب"أن الندية والمراقبة هما الركيزة الأهم التي يجب أن تسود ذهنية العمل الجماعي.

من غير محافظة

السيدة غالية هي واحدة من القدماء في النشاط الأهلي وبقيت محافظة على قناعتها بضرورة أن يأخذ هذا النشاط الشكل اللائق له؛ إلا أنَّ من يئسوا أيضاً هم كثر فتقول رنا وهي من إحدى المحافظات السورية، حاولت الانتساب لإحدى الجمعيات ولكن طلبي رفض ببساطة لأنني لست من دمشق التي تعمل لها هذه الجمعية، فأصبت بخيبة كبيرة لأنني لم أتوقع أن تكون هذه العقلية هي التي تتحكم بالعمل الأهلي، ولم تكن هذه المشكلة مشكلة رنا وحدها، فيقول السيد عبد الله:

طلب مني أحدهم أن نبدأ بتأسيس جمعية خيرية في حيِّنا ولكن الشرط الأهم الذي أراد أن يكون موجوداً هو أن لا نقبل انتساب أحد خارج الحي الذي نحن فيه ولكنني رفضت ذلك لأن العمل الخيري لا يتجزأ.

بناء القدرات

ولأن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل هي المنظم لعمل الجمعيات الأهلية في سورية يقول محمد عماد العز مدير الخدمات الاجتماعية في الوزارة: بدأت الجمعيات الأهلية تأخذ دوراً فاعلاً في المجتمع وهذا الدور يتكرس من خلال خطة واضحة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، ضمن إطار الخطة الخمسية العاشرة حيث عملت الوزارة على مجموعة من النقاط نذكر منها:

بناء قدرات الجمعيات الأهلية لا سيما مجالس إدارتها لتكون فاعلة في التنمية وقد اتجه بناء القدرات نحو إدارة الجمعية من ناحية وتأمين التمويل اللازم للمشروعات من ناحية ثانية، وتواكب التطورات الحاصلة وذلك من خلال الدورات التدريبية وورشات العمل.

وإشهار جمعيات جديدة تتناسب ومتطلبات الخطة الخمسية العاشرة وتفعيل دور الجمعيات القديمة االقائمة وتكريس مبدأ التشاركية مع الجمعيات الأهلية من خلال إقامة مشاريع مشتركة مابين الجمعيات والوزارة من خلال عقود اتفاق تحدد دور كل جهة بشكل واضح مثل:
جمعية تطوير دور المرأة، والمشاركة في جمعية النور والزهور في مجال الخدمات التربوية للمصابين بالشلل الدماغي.

إضافة إلى الربط الفني ما بين أنشطة الجمعيات المختلفة باختلاف أهدافها وتنوعها حيث تعمل الوزارة على التنسيق مع الوزارات والمؤسسات والجهات العامة لتكريس هذا الربط وإشراك الجمعيات في النشاطات والفعاليات لتمارس دورها، وعدد الجمعيات التي بدأت تأخذ دوراً كبيراً في السياسات الاقتصادية أضحى يمثل العدد الأكبر من الجمعيات مثل جمعية حماية المستهلك وجمعية العلوم الاقتصادية وغيرها.

وتعمل الوزارة على الاستئناس برأي الجمعيات الأهلية من خلال ممارستها لمهامها على أن يكون مشروع القانون ملبياً للاحتياجات والطموحات المستقبلية.

دور الجمعيات الأهلية تقديم الخدمات لمستحقيها

لم تنكر الخطة الخمسية العاشرة ضمور الجمعيات الأهلية وعدم قدرتها في وضعها الراهن على أن تلعب دورها التنموي وهذا ما يؤكد عليه أيضاً المحللون الاقتصاديون فيقول الدكتور أكرم حوراني: الجمعيات الأهلية هي إحدى ركائز منظومة اقتصاد السوق الاجتماعي الذي يعرف على أنه تدخل الدولة في آليات السوق بظروف وشروط ومناخ عمل السوق لحماية الطبقات الضعيفة في المجتمع وقد يكون تدخلاً من عدة جهات إحدى هذه الجهات هي المجتمع الأهلي، ولها دور ما في سورية كالجمعيات الفكرية والثقافية والجمعيات الصحية التي تقدم معونات للفقراء وذوي الدخل المحدود ولكن إلى الآن لم تأخذ إطارها بشكل منظم فهي غير مؤطرة بشكل يمكن أن يظهر أثره في الإحصائيات الرسمية فهي تعمل بشكل سري وغير مكشوف وللأسف هناك خلط بين دور هذه الجمعيات ودور جمعيات وهيئات المجتمع المدني وخلفياته السياسية، وهذا الخلط يثير الالتباس حول مهام كل من هذه الجمعيات لكن ما يهمنا هو أن ذوي الدخل المحدود في سورية بمرحلة الانتقال إلى اقتصاد السوق الاجتماعي يعانون من شدة ارتفاع الأسعار ومن ارتفاع معدل البطالة وضغوطات الحياة من كافة الجوانب ويأتي هنا دور الجمعيات الأهلية ليخفف من حدة هذا الأمر ولكن المشكلة أن آليات عمل هذه الجمعيات تتصف ببعض العلاقات الاجتماعية والظروف المحددة لنشاطها كأن يكون نشاطها الجغرافي محدوداً في المنطقة التي أنشئت لخدمتها أو جماعة في حي ما أو حتى في بعض الطوائف؛ هناك بعض الجمعيات لا تقدم خدماتها إلا لأعضائها أو لنفس المجموعة وبالتالي هناك بعض الطبقات في سورية أوضاعها المادية جيدة تقدم خدماتها في نفس الإطار الجغرافي أي(الانتقائية)وحتى الجمعيات الأهلية التي ترعاها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ليس من السهل على أي أحد الانضمام إليها سواء في إيداع طفل أم عجوز أم طالبات بحاجة لرعاية خاصة، دون أن يكون هناك معرفة أو علاقة أو توسط نتيجة زيادة الطلب ومحدودية العرض أما القوانين الجديدة فنأمل أن تستطيع تنظيم العمل بشكل أكبر ولا سيما أنَّ المشكلة تكمن بأن الجمعيات ترخص لأعمال اجتماعية غير ربحية ولكن نجدها تعمل في الموضوع الربحي وهناك أمثلة حصلت في الفترة الأخيرة وهذا خرق للقانون فهذه الجمعيات تستفيد من كونها معفية من الضرائب، وحل المشكلة يحتاج إلى خطة عامة للدولة لتأمين حماية حقيقية لذوي الدخل المحدود تواكب الدخول في مرحلة اقتصاد السوق الاجتماعي الذي تزامن ـ مع الأسف ـ مع وجود ارتفاع عالمي للأسعار وهذا مازاد الطين بلة، وكل مواطن محتاج لديه وعي وفكرة عن هذه الجمعيات وخدماتها لكنه مقتنع أنه دون واسطة لن يستفيد منها شيئاً ولنأخذ أي فقير لأي جمعية ونطلب أن تتم مساعدته لن نحصل على نتيجة، ويوجد في مجتمعنا فقراء كثر لكن اعتزازهم بأنفسهم لا يسمح لهم بقرع الأبواب وإذا بحثنا عن الحلول فإنه يجب أن يكون هناك تعاون بين الجميع لتقديم قوائم بالفقراء للجمعيات الأهلية ويمكن أن تلعب لجان الأحياء دوراً في ذلك.

تنمية تشاركية

وللحكومة رأي بما هو مطلوب فعلاً من تنظيمات المجتمع الأهلي ففي حديث لـ"بلدنا"يقول عبد الله الدردري نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية:
المجتمع الأهلي بكل تنظيماته له دور كبير في الخطة الخمسية وهناك أكثر من فصل في الخطة الخمسية العاشرة يركز على دور المجتمع الأهلي في مكافحة الفقر وخلق فرص العمل وتطوير العمل الخيري ليصبح عملاً تنموياً، وهناك مساهمات للمجتمع الأهلي في قضايا الثقافة والبيئة والفن، ونحاول أن ندفع العمل الأهلي في قضايا التربية والتعليم؛ فأنجح المدارس والجامعات في العالم هي التي أسستها جمعيات لا تهدف للربح، ويجب أن ندخل هذا المفهوم في سورية، وهناك مشروع قانون جديد للجمعيات الأهلية وهو قيد الدراسة وهو متطور جداً يأخذ بالاعتبار أنَّ للمجتمع الأهلي دوراً مختلفاً عما لعبه خلال السنين الماضية في الاقتصاد السوري وفي التنمية الاجتماعية، وهذا يظهر جلياً من خلال عنوان الخطة الخمسية العاشرة التي تقول"تنمية تشاركية محورها المواطن"فكلمة تنمية تنظر لكل القطاعات من منظور التنمية أما تشاركية فتعني أنه لم يعد بالإمكان القول إن التنمية مسؤولية الحكومة لم يعد هذا قائماً والمواطن السوري هو أساس كل ما نقوم به أعتقد أنَّ المجتمع الأهلي لصيق بالمواطن ويستطيع أن يشكل جسراً بين النشاط الحكومي والمجتمع الأهلي، وبتفاؤل أكثر يضيف الدردري: لا نستطيع أن نقارن لا بالعدد ولا بالنوع بين الجمعيات الأهلية قبل الخطة وبعدها، واليوم مر سنتان على الخطة الخمسية حيث إنها أقرت في شهر أيار عام 2006 وخلال عامين لا يتحول المجتمع، ونحن نهدف بنهاية العام 2010 أن يكون لدينا الإطار التشريعي والقانوني والمؤسساتي والذي يتيح دوراً متميزاً للمجتمع الأهلي.

أخيراً وليس آخر

بات واضحاً أننا بدأنا بخطة تعتبر المواطن أساساً لها ووضعته أمام مسؤولياته وحقوقه في الوقت ذاته مازلنا بحاجة إلى إعادة تأهيل العقلية الجمعية التي حتى الآن لم يبتعد عنها الفكر التعصبي وعدم التنظيم والأهم مركزية تحرق العمل المجتمعي؛ والطرف الآخر وهو الدولة، مطالبة بالكثير لإعادة تأهيل دور الجمعيات الأهلية التي تعتبر سلاح المواطن في وجه أي انتكاسات يمكن أن تصيب المجتمع لا سيما بشقه الاقتصادي كموجة الغلاء الأخيرة.

معظم الجمعيات الأهلية يتركز نشاطها في دمشق ففي عام 2001 وصل عدد الجمعيات المشهرة في دمشق إلى 218 جمعية تعمل 72 واحدة منها في العمل الخيري وحلب ضمت 78 جمعية، يطغى العمل الخيري على نشاطاتها ومن ثم يأتي العمل الثقافي والفني ، وفي عام 2006 زاد عدد الجمعيات في دمشق حيث وصل إلى 430 جمعية أيضاً تطغى عليها المساعدات الخيرية ولكن اللافت في عام 2006 هو زيادة عدد الجمعيات في كل المحافظات السورية وبشكل كبير بمختلف الفروع التي يمكن أن تعمل بها هذه الجمعيات، وأقل المحافظات عملاً في النشاط الاجتماعي هي الرقة التي لم يتجاوز عدد جمعياتها الـ 15 جمعية ويعزو المحللون ذلك لبعدها عن دمشق واستقرار معظم أفرادها في دمشق.

سبق نشره في جريدة بلدنا في 08/06/2008