معرض جماعي في غاليري أجيال
من أفريقيا إلىغيراغوسيان _ الفن ينتصر للحياة
لور غريِّب
في سياق تنشيط الحركة الفنية في المدينة، تقيم "غاليري أجيال" معرضاً جماعياً يستمر حتى نهاية الشهر الجاري، ويضم عدداً من الفنانين العرب بالإضافة إلى فنانين لبنانيين، 18 لوحة غالبيتها من القياسات الكبيرة، تتنوع فيها التلاوين والأساليب والموضوعات، حتى لتبدو الأعمال متجانسة رغم كثرة الأسماء. غالبية المعروضات سبق وشاهدناها خلال المواسم الفنية الماضية لكننا لا ننزعج من عودتها إلى الجدران لشدة ما تفوح من بعضها روائح حميمة ترغّب العين وتفرح العقل، إنْ في الموضوعات المثارة أو في الألوان الموزَّعة علينا بسخاءٍ ومن دون غوغائية.
تلفت بعض اللوحات في الصالة حين تفتح المجال أمام العين لتأمل مزايا الفن الافريقي الذي نادراً ما نرى مثله في معارض جماعية تعوَّدنا مشاهدتها. فهنا السوداني محمد عمر خليل والمصري عادل السيوي ثم السوداني حسن موسى فالمصري محمد عبلى، لتنتقل العين من ثم الى لوحات ومشاغل أخرى، فيحضر العراقي نديم كوفي والسوري - العراقي سبحان آدم والسوري علي مقوَّص والفلسطينية ساميا حلبي بالإضافة الى لبنانيين يتوّجهم الفنان الراحل بول غيراغوسيان، فضلاً عن لوحة كبيرة لسمير خداج. ولا تكتفي الغاليري بالأسماء الراسخة في عملية التنشيط هذه، إذ تُدرج بعض الأسماء المخضرمة أو الشابة من أمثال آرام وحسين بعلبكي وغادة جمال.
اللوحة الوحيدة التي عُلِّقتْ للفنان نديم كوفي تحضُّنا على الاقتراب منها للوقوف على أسرارها عبر تردادات الرمز الأخضر على أرضها البيضاء المكمودة التي لا تعني التنسك حتى الطهر ولا تستدعي التفسيرات المشبوهة التي تطلق الأوصاف الإرتجالية. يجب الأخذ في الاعتبار المزاج الآني والتلاعب الذكي والتنويعات الصبغية التي تفرض تجاهل التكرارات المستنسخة لكي تتفادى الوقوع في الرتابة الباردة. تسيطر على اللوحة أجواء مجبولة بصبغة موحدة إنما تطالها تلطيخات وتنقلات طفيفة بين صبغة وأخرى مشتقَّة منها، لكن مائلة الى التفتح أو الى ألوان غامقة كأنها لا تقيم وزناً للتوحد في التعبير ولا في التكرار الذي ينشُدُ بلوغ النَّقاء المطلق. ثم يعبِّر هذا البياض، الشبيه بالبيج الفاتح، عن انكماش نفسي له دلالاتٌ بصرية لا تود إظهار نفورها من اللون الواضح والقوي والمألوف، كما أنَّ اللوحة لا تبحث عن إثارة الفضول الغرائزي على حساب المناخ المموَّه والمنصرف الى التلوين الباهت الذي يرفض محاولات الإغراء البصري الصرف. يبقى الفنان واعياً ويبتعد عن الثرثرة ويستنجد بالروحانية لكي نصغي اليه ونصمت.
حضور بول غيراغوسيان في هذه المجموعة يعيدنا الى أيام سعيدة في الحياة التشكيلية اللبنانية. ورغم أنَّ اللوحتين المعلَّقتين محضُ مائيتين وليستا من الحجم الكبير، فإنهما تؤرِّخان تشكيلياً لانشغال الفنان الكبير برسم الأمومة في شعريتها اللونية، وفي خطوطها المستقيمة والمتعرجة، وفي تقنياتها الشكلية، القوية والأثيرية، والتي تغرف من الجروح الدفينة ومن المآسي ومن حبّ الحياة وسلطان الأمل، لتقدم أطروحة موسيقية تُسمَع بالعين المغمضة. حتى لكأن الفنان كان يَرسم ما يَرسم بغريزة مَن يصل الى الشكل قبل أن تراه عيناه ويعيه العقل، بإملاء حدسي وروحي، يختزن من الخبرات والطاقات والبداهات العبقرية ما كان يؤهله على الدوام ليكون شاعر اللون والشكل والموضوع. هنا، في اللوحة الأولى، الأمومة ظاهرة بكل حذافيرها، لكنها لا تفرج عن دقة ملامحها بل تكتفي بعرض خطوطها العريضة من دون أنْ تترك فجوات تضعف انطواءها على نفسها، وليس قبل أنْ تكون الأم قد لفَّت ذراعها حول كتف الطفل. أما الأمومة الثانية فلا تفسر حضورها بل توهم به. وهذا هو بول غيراغوسيان الذي كانت تنتظره لوحات وخبرات مقبلة لو لم يمت قبل الأوان. لا ننجح في سلخ عيننا عن هذه الضربات السريعة والشفافة والشاعرية التي تؤلف الجسد الانثوي من دون أن تظهر كل مفاتنه وكنوزه. وها هنا يضيف بول غيراغوسيان الى المكان هالة ترفع من معنوياتنا في هذه الأيام الصعبة.
تقدم لوحة سمير خداج الثنائي الطائر المتحرر من قوانين الجاذبية، المتهاوي من دون أن يقع، والممشوق والممتد صعوداً حتى رأس اللوحة. كم نشعر بحنين لرؤيته يعلو وينطح السماء. هذا الزوج لا يطير ولا يبدو مستعداً للتحول الى حركة ديناميكية تزود اللوحة طاقة تدب فيها حياة دافئة. الحبيبان ينحنيان الى الأمام كأنهما يبحثان عن اتِّزان داخلي. لا يقيمان وزناً للذبذبات من حولهما. يتجاهلان اللون والمناخ والعالم ويركنان الى وحدتهما عند عتبة المونوكرومية التي تحجز لهما غطاء يحميهما من عيون الغرباء ويبسط أرضاً مجردة من كل حركة. كأن خداج يترك الشعر ينكسر على حافة البوح أو عند حدود الانفصال.
صحيح أن معرض حسن موسى، الذي انتهى أخيراً، قدم لنا مروحة كبيرة من خبرات الفن السوداني الممزوج بالحداثة، إنْ في الاسلوب أو التقنيات أو التلوينات، غير أنَّ عودته مع هذه المجموعة لا تزعج بل تريح، وخصوصاً أنها تتمتع بمساحة خاصة بها مما يظهر رونق ازهارها وزخرفة القماشة التي طبعت عليها والحياكة المميزة التي اكتسبت مهارة واحتملت تزاوج الكتابة والتطريز والنقش من دون أنْ يطغى عنصر على آخر فيها.
لوحة واحدة للمصري محمد عبلى ولوحتان للفنان المصري الآخر عادل السيوي، في كل منهما رأس مصري ممغوط عمودياً ومغطَّى في وسطه بغشاوة تفصله عن التصوير الواقعي العادي.
علي مقوَّص يحادثنا من خلال تجمعاته البشرية التي تستظل شجرة منفلشة في شكل فطر يخيف ويفاجىء ويترك علامات استفهام عن كيفية تشكيله فوق رؤوس الجميع. لوحة لسبحان آدم في داخلها رجل له قامة مذهَّبة وفوقها رأس مُدمى ويلتوي كأنه كان مقطوعاً وعاد ليرمَّم كالتماثيل.
عن صحيفة النهار