سوسنة جماليا - في ذكرى إيريس نهري

جودت عيد قرأها 7
 

سوسنـة جمـاليـا

جودت عيد

       في تلك الليلة... لم تتسع ذاتي لعتمة حزني فلفظتني في شوارع المدينة الباردة... أحاطتني بالغضب، بالشتات ولم أستطع تمييز تلك الكلمات التي تعلن رحيلك... رحيل الـ "ايريس" مع كل العطر وكل الكلمة... كأن حواكير الزنبق ذبلت في تلك اللحظة، واختزل الـ "مستحيل" دروب الحياة والمنطق والورد والفرح وكلماتك... وكان سيد الموقف وسيد الكلمات، قرأت رحيلك حين اعتدت أن أقرأ حضورك سوسنة في بستان جماليا...

 لم أصدق! 

حالة من "إنكار" "فْرويديَّة" مارسَتْها ذاتي التائهة دون هوادة...

أأنتِ هناك؟ ما زلتِ هناك؟ أكنتِ هناك؟ رغم المسافة وساحات التيه، كانت كلماتك دائما هناك... رسائلك هناك... وما زالت حية...هناك...

لم أصدق!

جلست اليوم وقلمي وأدركت الواقع... اليوم فقط، اعترفَ قلمي بكل الكلمات التي أعلنت رحيلك... اليوم فقط، استطاع أن يقوم من الذهول وضباب الإنكار والتأجيل... اليوم فقط، أدركتُ أن قلَمك لن يفوح عطراً بعد اليوم!

لكن... أتعلمين؟ أن حاكورة جماليا ما زالت ترسمك، تذكرك شموعاً، حباً، وفاءً وسوسناً يزين معالم الكلمات بروح الفرح، بروح الإصرار...

... وأن "الفتاة الحافية" قد دخلت البحر ومعها كل الرسائل ومعها كل الكلمات لتجد مساحة لكل الحب، لكل الوجع... مساحة لكل الورد... لقد تركَت الشاطىء والشمس والرمل... تحمل بيديها سوسنا، يفوح عطره ويرتفع في أثير الأبدية البيضاء...

... وأن الشمس تشرق بإصرار كل صباح وتحمِّم العشب، والقمر يسهر مع النجوم كل ليلة والشجر يداعب الريح أو يستفزها... كل شيء... كل شيء كما كان ويكون ويستمر الكون في الدوران! والبستان... يدور في متاهات الزمكان... وهديل الحمام "يدندن" في ممرات الحزن صدى... وسط أثير الصمت المحيط بسياجات السوسن حول كلماتك التي لا تنتهي، تماماً كما الكون، ولا ينتهي شذاها "المعربش" فوق جدارات الذات والدمع والانسان...

لك ايريس... أرفع هذه الكلمات...

الناصرة