دودة القزّ وشرنقة الحرير - حول مجموعة وليد معماري القصصية «أختي فوق الشجرة»

د. عبده عبّود قرأها 6
 

دودة القزّ وشرنقةالحرير

حول مجموعة وليد معماري القصصية «أختي فوق الشجرة»

د. عبدهعبّود

أعرف، مثلما يعرف كثيرون، أن وليد معماري كاتب قصة قصيرة، فاز بصفته هذه بجائزة مجلة (العربي) الكويتية، وقد ورد في (تراجم أعضاء اتحاد الكتّاب العرب) سبعة عشر مؤلَّفاً أدبياً لهذا الكاتب، معظمها مجموعات قصص قصيرة وقصص للأطفال. وأعرف أيضاًأن شهرة وليد معماري قد تخطّت الإطار المحلّي إلى الإطارين العربي والعالميّ، فقدتُرجمت بعض قصصه إلى اللغات الأجنبية، وكتب المستشرق الألماني (غونتر أورت) رسالةماجستير حول أدبه القصصي. إلا أن ما كان يفاجئني باستمرار هو أنه كلما سألت عن كتبهفي المكتبات، كان الباعة يعبّرون عن أسفهم لعدم توفر أيٍّ منها.‏

إنهالإحدى المفارقات في حياتنا الأدبية أن «يحرس» المحل بعض الكتب لعشرات السنين دون أن يباع منه سوى عدد قليل من النسخ، وهذا كاتب يسأل القرّاء عن مؤلفاته ولكنهم لايجدونها في المكتبات.‏

إلاأن القاص وليد معماري قرر أخيراً أن ينشر مجموعة قصصية جديدة ضمن منشورات اتحاد الكتاب العرب، وقد صدرت هذه المجموعة حديثاً بعنوان لافت للانتباه هو: «أختي فوقالشجرة»، وبغلاف أنيق صمّمه الفنان يوسف اسمندر. و«أختي فوق الشجرة» هو أيضاً عنوان إحدى قصص المجموعة، وهو يتضمّن إشارة إلى فيلم مصري قديم عنوانه «أبي فوق الشجرة»بطله «العندليب الأسمر» المطرب الراحل عبد الحليم حافظ، وكان هذا الفيلم الاستعراضيقد حظي بشعبية كبيرة في ستينيات القرن العشرين، ونرجح أن القاصّ وليد معماري قدتعمّد الإحالة إليه عندما اختار لقصّته ومجموعته عنوان (أختي فوق الشجرة).‏

شيءمن السيرة الذاتية:‏

إلاأن المجموعة لا تبدأ بهذه القصة بل بما سمّاه وليد معماري «ما يشبه سيرة ذاتية»،وبالفعل فإن هذا الفصل الذي يبلغ عدد صفحاته زهاء خمس وعشرين صفحة، يحوي معلوماتسيريّة وفيرة حول مختلف مراحل حياة الكاتب، وهي معلومات بعضها جديد لم يُنشر من قبل،كمعلومة أنّ وليداً الطفل كان مع أبيه في الأردن أيام الملك (عبد الله) الأوّل. أما المعلومات الأخرى، كإقامة الكاتب في دير الزور «مدّة تقرب ربع قرن» (ص 24)، فهيمعلومات نعرفها من مقالات وليد معماري وزواياه التي تنشرها جريدة (تشرين). ومن الأمور المهمّة التي وردت في هذا الفصل ما قاله الكاتب عن فنّه القصصي: «إن كتابةقصّة تشبه صنع دودة قزّ لشرنقة من حرير حولها... القصة ليست ابتكاراً من خيال، بلهي إعادة الشغل على الواقع... أي خلق واقع مركّب من واقع كائن.. من دون تضحيةبالتخييل، ولكن دون اقتباس من الخيال البحت» (ص 32)، وهذا تعريف مبسّط وجامعللأسلوب الواقعي في الكتابة الأدبية.‏

صبغةمحلية:‏

وليدمعماري كاتب من بلدة (دير عطية) القلمونية، التي تقع في منتصف الطريق بين دمشق وحمص، من الطبيعي أن تتجلى السمات الاجتماعية والبيئية لهذه البلدة في كثير منقصصه. وعلى الرغم من أن الكاتب قضى سنوات كثيرة في دير الزور ودمشق، فإن الصبغةالديرعطانية غالبة على معظم قصص مجموعته (أختي فوق الشجرة)، وهذا أمر غير مفاجئ فيحالة كاتب واقعي كوليد معماري. ترى ألا تجعل تلك الصبغة المحلية هذه القصص غيرمفهومة أو غير مستساغة لقرّاء لا يعرفون تلك البيئة؟ أرى شخصياً أنّ عكس ذلك صحيح. فالصبغة المحلية في أدب القصة والرواية يمكن أن تطلع القارئ على بيئة لا يعرفها،وأن يكون ذلك مصدراً إضافياً للمتعة الجماليّة.‏

زمنعكروت:‏

تبدأالقصص بقصة عنوانها (رجل العليّة)، وهي قصة طويلة نسبياً، تعددت فيها الشخصيات والأزمنة والأمكنة وزوايا السرد، مما جعلها نواة مصغّرة لرواية. إنها قصة «زمن عكروت» تمكّنت فيه الأخت (منيرة) من أن تحمل أخاها (عبد الهادي) على أن يسجّل البيت باسمها في السجل العقاري الذي يعمل فيه، ثم واصلت الضغط عليه إلى أن غادر البيتولجأ إلى «علية» جدّه في الضيعة. إنها قصة المثقف الزاهد في الجوانب المادية للحياة إلى درجة تشبه التصوّف، مما سهل على أخته أن تطرده من البيت وتعيش فيه مع زوجهاالتاجر الجشع. في «زمن عكروت» كهذا لا يتمكن المثقف النظيف النقي من أن يصمد أمامجشع التاجر وغيره من حيتان المجتمع. أهي دعوةٌ إلى عدم التماهي مع هذا النوع الزاهد البريء من المثقف، أم هي دعوة لإدانة ذلك النمط الجشع من الناس الذي تمثّله الأخت وزوجها التاجر، ذلك النوع الذي يتنكّر للأخوة وغير ذلك من القيم النبيلة؟‏

البدوي وابنته:‏

«أغلفة مجلات ملونة» هي قصة البدوي (زحيمان) وابنته (شيحه) التيمرضت ولكن أباها الفقير عجز عن أن يؤمن لها العلاج، فاستعان بالأولياء بدلاً من الأطباء. اختفت (شيحه) واعتقد أبوها أن الملائكة قد أخذتها، ليتبيّن فيما بعد أنهافرّت إلى لبنان، حيث أصبحت راقصة معروفة تنشر المجلات صورها الملوّنة على أغلفتها. في هذه القصة صاغ وليد معماري شخصية البدويّ ذي العقلية السحرية صياغة شديدةالواقعية، مستخدماً بصورة ذكية تفصيلات من الحياة اليومية. إنها قصة اتخذت من السحري موضوعاً لها، ولكن الواقعي انتصر في آخر الأمر على السحريّ.‏

الفونوغراف:‏

الدراسة الجامعية وعلاقة التخلّف بالتقنية والهجرة هي موضوع قصة (الفونوغراف) التي تنطوي على عناصر سيرية لا تخفى على كل من يعرف سيرة وليد معماري. ومرّة أخرى يهرب الحفيد من المدينة ويلجأ إلى جدّه في القرية. ومع أن الجدّ شبه أمّي فإنه رجل مستنير، نجا بنفسه من التجنيد العثماني وعاد من (العريش) ومعه جهاز (فونوغراف) وبعض (الكوانات). لقد كان من المتوقّع أن يتمكن الحفيد من إصلاح هذاالجهاز المعطوب. كيف لا وهو يدرس هندسة الميكانيك، ولكنه لم يفلح في ذلك، لأنه يدرس الهندسة بصورة نظرية لا علاقة لها بالممارسة التطبيقية النافعة. إنها حالة نموذجيةلمجتمع كثر فيه المهندسون ولكنّ علاقته بالتقنية ظلّت على حالها.‏

أختالمحتضرين‏

والهجرة هي أيضاً موضوع قصة «أخت المحتضرين»، التي تدور حول رجل هاجر إلى إفريقيا وأمريكا الجنوبيّة، ثُمّ عاد إلى الوطن ومعه علب كرتونية تحتوي على ورق ملأه بكتاباته. وبعد أن مات هذا الرجل في بلدته بيعت أوراقه في «سوقالحراميّة». في هذه القصة استخدم الكاتب تقنية سردية جديدة هي المذكرات أو اليوميات. وككثير من قصص مجموعة «أختي فوق الشجرة» فإن موضوع هذه القصة يصلح لأنيُتخذ موضوعاً لرواية.‏

دجاجات عمتي‏

تعيدنا قصة «دجاجات وديك» إلى أجواء القرية في خمسينيات القرن العشرين، حيث كان تاجر الدجاج والبيض يتجول في الأزقة وينادي: «مين عنده جاجات، مينعنده بيضات»، ولكن العمة بسيمة رفضت بعناد شديد أن تبيع دجاجاتها وديكها. إنها قصةحقق فيها القاص درجة عالية من التكامل الفني. أما قصة «صاحب سوابق» فهي تنقلنا إلى المركز التجاري لمدينة دمشق، حيث تجري عمليات نصب واحتيال، لا يفلح رجال الأمن فيالقبض على فاعليها الحقيقيين، فيقبضون على مدرّس اللغة العربية (نايف جهجهان) الذيكان في الطريق إلى منزل طالبته (سوسو) ليعطيها درساً خصوصيّاً، ولكنه وقع في كميننصبه رجال الأمن للنشالين، وتحوّل بذلك إلى «صاحب سوابق».‏

أمّناالأرض‏

الأراضي الزراعية في منطقة الفرات وما يتعرّض له تأجيرها للفلاحينمن بيروقراطية وتعسّف هي موضوع قصة «الهبوط نحو أمّنا الأرض». في هذه القصة تخوض فلاحة توفي زوجها نضالاً عنيداً من أجل أن تستأجر قطعة أرض زراعية من الدولة، ولكنالموظف (الأستاذ مؤنس)، يحرمها من تلك الفرصةمتذرّعاً بأعذار واهية، كعدم إبراز الهوية الانتخابية!! إنها قصة جمعت موضوع المرأة إلى موضوع الأرض، وقد كُتبت بقلمقاص يعرف موضوعه جيداً، ويعرف كيف يصوغه أدبياً بأسلوب مؤثّر.‏

الفتاة والقطّ‏

فيقصة «أختي فوق الشجرة»، التي جعل القاصّ منها عنواناً للمجموعة بأكملها، يعيدالكاتب قارئه من منطقة دير الزور إلى بلده دير عطية، حيث تدور قصة حبّ بريء بين (هدلا) و(فادي)، إلا أن هذه القصة لا تكلل بنهاية سعيدة، فقد سافر فادي، الذي حصلعلى الشهادة الثانوية بتفوّق، على بلاد بعيدة للدراسة، ثم عاد إلى الوطن ومعه زوجةأجنبية، بينما حافظت هدلا على حبها ووفائها له وسمّت قطتها باسمه. إنها قصة حبحزينة استخدم فيها الكاتب تعدد زوايا القصّ بمهارة.‏

المهندسة الأبيّة‏

فيقصّة «معطف أول الليل» تبحث المهندسة المثقفة (زينب) عن عمل يتلاءم مع مؤهلها الجامعي، وعندما تذهب ليلاً لمقابلة مدير شركة لهذا الغرض، يقدّم لها المديرالدونجوان عرضاً يسيء إلى شرفها وكرامتها، فترفضه بكل كبرياء. تبين ما تتعرّض له المرأة المثقفة المؤهلة علمياً من معاملة مذلة غير لائقة عندما تبحث عن عمل شريف.‏

تنتهيمجموعة «أختي في الشجرة» بخمسة نصوص قصيرة لا يسمّيها الكاتب قصصاً بل «ما يشبه القصص»، إنها نصوص يغلب عليها الطابع الذاتي الوجداني، وهي تشبه ما يكتبه وليدمعماري ضمن زاوية (آفاق) بجريدة (تشرين) من نصوص.‏

وبعد:‏

فإنقصص مجموعة «أختي فوق الشجرة» قصص واقعية مأخوذة من حياة الناس في دمشق ودير عطيةودير الزور، صيغت بأسلوب جميل، أبرز سماته تلك السخرية اللطيفة واللقطات التفصيلية البارعة، وهذا المزج الجميل بين الواقعي والخيالي. وفي واقعيّتها الصادقة فإن هذهالقصص انتقادية، لا تجمّل الواقع القبيح ولا تتصالح معه. فالواقعية الساخرة أو السخرية الواقعية شكل من أشكال النقد الاجتماعي. ومن حيث الشخصيات والحدث والفضاء الزماني والمكاني يصلح بعض هذه القصص لأن يكون روايات، ولكن وليد معماري اختار القصة القصيرة شكلاً فنياً «لإعادة الشغل على الواقع». إنه خيار فني على الناقد أن يحترمه مع الاحتفاظ بحقه في أن يشير إلى خيارات فنية أخرى. وعلى أية حال فإن «أختيفوق الشجرة» مجموعة قصصية جميلة نأمل أن يستمتع بقراءتها عدد كبير من القراء.

الأسبوع الأدبي‏