أدب المهجر الروسي

أمل حنَّا قرأها 6
  

كان عام 1917 حاسماًً في تاريخ روسيا. ففي شباط (فبراير) قامت الثورة البرجوازية وبذلت السلطة الجديدة، خلال أشهر عديدة، كلَّ جهدها لتثبيت أقدامها وترسيخ تلك القيم الليبرالية التي نادت بها، ولكنها لم تستطع ذلك فانهارت في تشرين الأول واستلم البلاشفة زمام السلطة.

أحدث مجيء البلاشفة تغييراً هائلاً في البناء الاجتماعي مما أدى إلى تحطيم أسلوب حياة كل فئات الشعب. ولم تستطع هذه التغييرات إلا أن تترك أثرها العميق على مصير المثقفين الروس وعلى كل الأدب الروسي.

قامت السلطة السوفييتية برئاسة لينين بإبعاد (بالمعنى الحرفي للكلمة) كل من اعتبرت وجودهم غير ضروري للنظام الجديد, فأبعدت مثلا الفيلسوفين إيليين وبيرديايف والكاتب أسورجين وغيرهم. هذا بالإضافة إلى أن الوضع بعد قيام ثورة البلاشفة واندلاع الحرب الأهلية كان صعباً ومعقداً مما اضطر العديد من ممثلي الفئة المثقفة إلى السفر خارجاً هرباً من الجوع  والدمار، من جهة، ولمعارضتهم السلطة الجديدة، من جهة أخرى. أما من بقي فلم يكن آمنا إلا في حال القبول والتعاون، وإلا فليس هناك أمامهم سوى طريقين، إما الإعدام أو المعتقل .. فأعدم الكتاب غوميليوف وبابل وقضى الشاعر مندلشتام وعالم الوراثة فافيلوف نحبَهما في المعتقلات.  لم يكن هناك طريق آخر ومن ليس معنا فهو ضدَّنا حسْب الشعار الذي اطلقه  مكسيم غوركي. وإذا كانت حياة من بقي بعد الثورة في روسيا من الفئة المثقفة قاسية مأساوية فإننا لا نستطيع أن نصف حياة من هجرها بالسهولة والدعة.

كان معظم من غادر روسيا السوفييتية من مهاجري "الموجة الأولى" من أولئك المثقفين الذين اكتمل نموهم وقوي عودهم على صعيد الإنتاج الفني. كانوا قد اصبحوا كتَّابا وشعراء معترفاً بهم في وطنهم, يتمتعون بالشهرة وتتنازع على مؤلفاتهم المجلات والصحف ودور النشر وبالتالي يعيشون استقراراً مادياً واجتماعياً. أما هناك في المهجر فهم لا شيء، هم ليسوا أحداً كما أنهم لا يمكلون شيئا ... بهذا الصَّدد كتب الشاعر المهاجر إ. إيفانوف مقالة في عام 1931 تحت عنوان "بدون قراء" وهذا صحيح فهم أدباء بلا جمهور. وكل ما كتبه الأدباء والشعراء الروس في المهجر كان موجها لحفنة من زملائهم هناك ولجماعة محدودة جداً من القراء المهاجرين أيضا. ويكفي أن نذكر أنه في عام 1931 صدر 500 عدد فقط من المجموعة الشعرية "الورود" للكاتب المذكور إيفانوف، وكان هذا يعتبر نجاحاً كبيراً. فهناك  لا أحد يعرفهم أو يقرأهم أو يهتم بأمرهم, ويفصل بينهم وبين جمهورهم في روسيا هوة ساحقة تزداد عمقاً واتساعاً يوماً بعد يوم. وإذا ظهرت بين حين وآخر أسماء هؤلاء في الصحف السوفييتية فبشكلٍ ساخرٍ وسلبي: "إن كان البعض مثل إيفانوف أو أدويفسكي يكتبون أو لا يكتبون فالأمر لدينا سيان".

ومع ذلك وعلى الأدق بالرغم من ذلك يمكننا ابتداءاً من 1921 تمييز عدد من المراكز التي تجمع حولها المهاجرون الروس ففي أوروبا كان هناك مركز في باريس وبرلين وبراغ وبلغراد وصوفيا. احتلت باريس ومنذ البداية مركز الصدارة بين هذه المدن لتكون عاصمة المهجر الثقافية. ويشكل ميريجكوفسكي حلقة تحمل اسم "المصباح الأخضر" تناقش ليس فقط الشؤون الأدبية بل والفلسفية- الدينية ايضاً. بالإضافة إلى هذه الحلقة كان هناك عدد من ما يمكن أن نطلق عليه اسم المدارس الفنية أهمها- "مذكرة باريس"، التي ترأسها الكاتب أداموفيتش وهي استمرار لمدرسة شعر بيتربورغ. والملاحظ في تلك الفترة أنه على الرغم من تواجد الكتاب والشعراء والمفكرين في مدينة واحدة وفي جو ثقافي واحد فإن صحافتهم في تلك الفترة كانت تمتليء بالأتهامات والمهاترات التي توجهها فئة إلى أخرى فلم يستطع المثقفون الروس في المهجر من التجمع الحقيقي. إيفانوف وخداسيفيتش كانا لا يتوقفان عن محاولة الطعن أحدهما بالآخر في كل مناسبة أو حتى بدونها. كما أن موقف المهاجرين من أولئك المثقفين الذين عادوا إلى روسيا لسبب أو لآخر كان معادياً ومتشدداً بشكل لا يخلو من مبالغة. فذكرى الوطن المفقود كانت ترتبط في أذهانهم دائماً بالكراهية للنظام الجديد ولروسيا السوفيتية. وهكذا تفقد الذكريات يوماً بعد يوم قوتها وتغرق تحت ضباب الزمن وتصبح أكثر ابتعاداً وغموضاً، أما ما يجري خارج الوطن وحيث يقيمون فقد كان لا يعنيهم ولا يهزُّ مشاعرهم ولم يكونوا يجدون فيه مادة ولا مواضيع تحرض طاقاتهم الإبداعية. وبقيت روسيا للعديدين منهم بلد الحياة الآمنة بنبلائها وعزبهم الفسيحة التي تحيط بها البحيرات والحدائق وبيوت الفلاحين المتفرقة على مساحات شاسعة من الأراضي التي تمتد بلا نهاية. أما التغييرات التي أحدثتها الثورة في كل هذا فلا أحد يريد أن يسمع عنها شيئاً فالحقيقة تعني أن هذا لم يعد وطنهم الذي عشقوه.

كانت هناك، بالإضافة إلى مصاعب العمل الأدبي التي يعاني منها الأدباء والشعراء،  مصاعب أخرى ليست بأقل أهمية وهي المصاعب المادية، إذ كان عليهم أن يفكروا بقوت يومهم. الشاعرة مارينا تسفيتايفا التي كانت تقيم في مدينة براغ عانت من فقر مدقع وعادت إلى روسيا, وهنا لم يكن حالها بأفضل من هناك, فمات أحد أطفالها جوعاً مما اضطرها أن تتخلى عن ابنها وابنتها الآخرين فأدخلتهما ملجأً للأيتام حيث تتكفل الدولة بهم وذلك إنقاذاً لهما من موت محتم. كما عاش جيورجي إيفانوف وإيرينا أدويفتسيفا في ملجأ للعجزة. أما الكاتب غايتو غازدانوف فقد اشتغل فترة طويلة جداً من الزمن(عشرون عاما) سائق تاكسي. وكان فلاديمير نابوكوف يعطي دروساً في التنس.

وبالرغم من كل ذلك فإن أدب الهجرة الأولى بقي حيَّاً. غايتو غازدانوف الذي كتب بالروسية فقط بالرغم من إتقانه الفرنسية جيداً نشر في عام 1930 رواية " أمسية عند كلير"- وهذه الرواية وبالرغم من أن تأثير مارسيل بروست يبدو واضحاً فيها إلا أنها رواية روسية بحتة من حيث طبيعة المشاعر والخصوصية التي يرى فيها البطل العالم المحيط.  يعيش بطل الرواية في فرنسا وتعيده ذكرياته باستمرار إلى روسيا التي فقدها إلى الأبد ولكنها تظل دائماً حية في ذاكرته. وفي المهجر أيضاً يكتب الشاعر جيورجي إيفانوف وفي آخر سنوات حياته أفضل قصائده، وإيفان بونين ينشر مجموعته "الدروب المعتمة". وفي عام 1929 ينشر الكاتب الشاب سيرين روايته "دفاع لوجين"، وهي تحكي قصة لاعب الشطرنج العالمي لوجين وفيما بعد سينتقل الكاتب للكتابة باللغة الإنكليزية ويعود إلى اسمه الحقيقي فلاديمير نابوكوف وستترجم روايته لوليتا إلى كل لغات العالم لتحدث ضجة وتثير فضيحة.

وجد ممثلو الأدب الروسي، في المهجر وفي ظل ظروف قاهرة، الشجاعة الكافية ليس فقط للحفاظ على اللغة الأم والتقاليد الثقافية القومية، بل لمتابعة المسيرة الثقافية بمؤلفات تعطيهم كل الحق لإدخال أدب مهجر " الموجة الأولى" في قائمة روائع الأدب الروسي واعتبارها جزءاً لا يتجزأ منه.

موسكو – خاص بجماليا