الياس أبو شبكة، مواطناً في لبنان الشعر

أدونيس قرأها 6
  

الياس أبو شبكة، مواطناً في لبنان الشعر

أدونيس

نشأت في مناخ كتابيّ أسّس له الياس أبو شبكة والشعراء الذين جايلهم، خصوصاً ما اتصل منه بجمالية التساؤل، وإعادة النظر، جذرياً في المسلّمات والمسبقات، الدينية والثقافية، على نحو أخصّ.
عندما أستعيد نتاجهم، على الرغم من التفاوت الكبير بين آفاقهم والأفق الذي أسير فيه اليوم، أجد في شعرهم مادة غنية يجدر بالعقول والقلوب ان تستضيء بها – وأشدد هنا، بخاصة، على شعر الياس أبي شبكة. ذلك انه لا يلتمس وعيه لذاته في التقليد، أعني في الدين بحصر المعنى، او في السياسة، بحصر الدلالة، وإنما يلتمسها في الشعر. إنها مادة تؤكد على ان شعر الياس أبي شبكة يمثل الآن لحظة وعي عمودي، وهي لحظة عميقة من الغبطة العميقة.

فهي تذكرنا بأن جيله من الشعراء كانوا في بلدهم الصغير لبنان، رمزاً كبيراً لهذه الأرض الشعرية العربية، ولأرض الحلم العربي. وكانوا بين أعمق وأعلى ما عرفته طاقاتها الإبداعية في تلك المرحلة. فقط أعطوا هوية لبنان الشعرية لهذه اللغة العالية.

حتى على مستوى الكم العددي، كان لبنان الصغير في عدد سكانه، كبيراً في عدد شعرائه. ففيما كنا نستطيع ان نعد اثنين او ثلاثة بين الشعراء الكبار في أكبر بلد عربي، كنا نستطيع بالمقابل ان نعد عشرة شعراء كبار او أكثر في لبنان.

اقرأوا الآن في هذه اللحظة من تاريخ لبنان، شعر أبي شبكة وشعر رفقائه، وسوف ترون ان نحّات هذه الألماسة اللبنانية، هوية لبنان، لا نجده في الطائفة، ولا التجارة، ولا السياسة، وإنما نجده في الابداع الثقافي فكراً وفلسفة، أدباً وشعراً، تصويراً ونحتاً، موسيقى وغناء. فهؤلاء المبدعون في هذه الميادين المختلفة هم الذين حفروا ويحفرون اسم لبنان في جسد اللغة نفسها، أعني في الأبدي من تاريخ الإنسان. وهم على تفاوت بينهم، أنبياء الذاتية، لا ذاتية الانعزال والانغلاق، بل ذاتية التأمل والانفتاح والاستشراف. وهم في هذا، أسّسوا لهوية لبنان المنفرد المتضامن. وهكذا خرجوا به من حدوده في الطائفة والمذهب، وفتحوا هذه الحدود على الانسان، بحيث بدا لبنان في هذا الشعر كأنه مسكون بالكون كله.

وكان هؤلاء يعرفون ان الصخور في مداراتهم اكثر عدداً من السفن، وان الحواجز قد تكون أكثر عدداً من العابرين. غير أنهم كانوا دائماً يبحرون ويعبرون.

لالياس أبي شبكة ولجيله من الشعراء ندين نحن الذين جئنا بعدهم، وفي هدي مناراتهم، بأمثولة شعرية هي ان الآيديولوجية تضمّ الرؤوس بعضها الى بعض في سرب او جماعة، غير أنها تفصل الفرد عن جسده، اي عن اعمق ما في شخصه وفي نفسه. الجمع هنا اذاً، يتمّ باسم التخلي عن الذات. خصوصاً ان الايديولوجية انما هي وريثة أدنى ما في الذهنيتين الدينية والعصبية. او هي راسب تقليدي بلباس متعصرن. والانخراط فيها يمثل تنازلاً عن الذاتية وعن البحث والنقد والاعتراض. انها "عبودية مختارة"، او امّحاء يتم دينياً باسم السماء، ويتم سياسياً باسم الارض. وليست الايديولوجية للشاعر، بهذا المعنى، وفي هذا الضوء، الا اختناقاً او حشرجة في حنجرة الشعر.

هؤلاء الشعراء، والياس ابو شبكة في طليعتهم، يعلموننا كيف نرفض التجانس القطيعي الذي يلغي الخصوصية والتفرّد، ويؤسس لهيمنة العام المشترك المبتذل.

انهم، على تفاوت في ما بينهم، عرّافو الذاتية الجذرية العالية. ولئن تعثّرت الذاتية في لبنان، بدءاً من النصف الثاني من القرن المنصرم، فقد غابت في المجتمعات العربية، لا في الشعر وحده وانما في الثقافة العربية كلها بفعل انتقال مقولات الآيديولوجيا والتوتاليتارية الى الدين والنظام والمؤسسة. لا الفرد اليوم هو الذي يفكّر او يكتب – بل الجمع، الذي يتمثل حيناً في السياسة، والقضية، والأمة، وحيناً في الدين والنظام. وفي هذه الحالات جميعاً، يتحوّل الانسان الى مجرّد آلة.
ان حياة الفرد الخلاّق، مفردة لا شبيه لها، ولا يمكن ان تعوّض عنها حياة اي فرد، او جماعة. وحضوره راية في سرب، او يداً في جماعة، او رأساً في قطيع، ليس إلا غياباً.

من هذه الشرفة، وفي هذا الإطار، يمكن القول بيقين، انلبنان الشعر هو الذي ابتكر الهوية الشعرية العربية الحديثة للعرب جميعاً. وكان على لبنان المعنى، ذلك الضوء الخلاّق المدهش المختبئ وراء لبنان الشعر، ان يبتكر كذلك، استكمالاً، الهوية المدنية التي يتساوى فيها الأفراد، في ما يتخطى اي انتماء ديني او إتني. غير انه اضطرب، وانحسر. من جهة بفعل رجّة تاريخية – حضارية، هي أكثر من ان توصف بأنها نكبة، او كارثة. فهي نوع من اقتلاع البشر من جذورهم ومن القذف بهم في مهب الضياعز

ومن جهة ثانية، بفعل قوى تخنق فيما تعانق، وتمزّق فيما ترتق.

مع هذا كله، يعلمنا الشعر ان الانسان ليس عاجزاً الا أمام بطش أعمى واحد هو الموت. والموت هنا يذكرنا بما يقوله الشاعر المتنبي، ذلك المقيّد العظيم والجامح الأعظم:

اذا ما تأمّـلتَ الزمـان وصـرفه      تيقّنت ان المـوت نوعٌ من القتـل

اسمحوا لي في هذا الاطار ان أستعيد كلمة للمحامي الفرنسي الشهير لوستالو  Loustalot، إبان الثورة الفرنسية، تقول:

"لا يبدو لنا الكبار كباراً، الا لأننا اأمامهم جاثون علىركبنا. فلننهض!!".

يكفي اذاً، ان يتبرّع بعضهم باختراع العجز واليأس والرضوخ لما هو قائم كما لو انه مفروض طبيعة وطبعاً. غير ان ما يحتاج اليه لبنان حقاً، ليس غضب فرد على فرد، او جماعة على جماعة، وانما هو الغضب الجامع الشامل على نظام اجتماعي – اقتصادي – سياسي يفسد الأفراد، والجماعات، والعلاقات، والقيم، والفكر، والعمل، ويفسد الحياة ذاتها.

ان رفض الوحشية، في مختلف أشكالها، سواء جاءت من الداخل او من الخارج، دون العمل على اجتثاث جذورها، انما هو خطر آخر: ذلك انه يكتفي بالبحث عن مجرم او مجرمين، بدلاً من العمل للتخلص من الشروط والأوضاع التي تنتج هؤلاء المجرمين.

لقد خلق لبنان للعرب كلهم عالماً آسراً من الدهشة والفرح وكل ما هو عجيب وفتّان. والغريب هنا هو ان قادته يعملون بطرق تقول عملياً ان لبنان لا يقدر ان يكون كينونة مستقلة، وانه عاجز عن ادارة حاضره، وعن التخطيط لصيرورته.

هكذايتمثل لي الياس ابو شبكة نهراً جوفياً في تاريخ لبنان الحديث. ينبع من غور له عمق الأسطورة، ويتدفق في مجرى يبدو كأنه جرح صديق لذلك الجرح (الاول) القديم في لبنان نفسه: موت ادونيس قتلاً بأنياب خنزير بري، هنا، غير بعيد في أحضان نهر ابراهيم، الاسم الحديث الذي حل محل الاسم القديم: نهر ادونيس.

وربما يكون في شعر ابي شبكة، وبخاصة في مجموعته الشعرية "أفاعي الفردوس" صدىً ما لتلك الأنياب الوحشية، اشارة الى ان الواقع لا يحيا الا بأجنحة المخيلة. كأن الأسطورة واقع آخر داخل الواقع – يمنحه في آن، الضوء والدفء، تصديقاً لقول الشاعر الفرنسي باتريس دولاتور دوبان:

"البلاد التي لا أساطير لها تموت من البرد".

يأخذنا شعر ابي شبكة في اتجاه عتبة الأسطورة، الى الدفء والضوء. ولئن كان القارئ اللبناني لا يعرف هذا الشعر المعرفة اللائقة به، مكانة وإبداعاً، فإنه يظل محضوناً بالرمز في سرير المخيلة وفي أحضان الواقع.

ولعل هذا المتحف الذي يُقام لكي يحتضن فنّه، ورسالته، ان يكون علامة من علامات الهجس بلبنان الشعر، وتلبية انسانية فنية لذلك النداء العميق الذي يتصاعد من أعماق التاريخ اللبناني، متوجهاً الى أبنائه جميعاً، احتفاءً بلبنان المستقبل.

                                  Elyas%20Abu%20Chabaki%2001.jpg

                                  Al%20Nahar.JPG