متحف الياس أبو شبكة في زوق مكايل - استعادة لنبض القديم وورشة ثقافية متجددة لمواكبة العصر والحداثة
متحف الياس أبو شبكة في زوق مكايل
استعادة لنبض القديم
وورشة ثقافية متجددةلمواكبة العصر والحداثة
ألين فرح
اليوم يفتتح بيت الشاعر - متحف الياس أبو شبكة في زوق مكايل في مهرجان ثقافي. في حياته كان منزل الياس ابو شبكة مقصداً للشعراء والأدباء والسياسيين، وبعد مماته أرادت بلدية زوق مكايل أن تحوّل بيته متحفاً يقصده الشعراء والأدباء والمثقفون، وأيضاً تلامذة المدارس وطلاب الجامعات لينهلوا من هذا الارث الثقافي، وليطلعوا على أعمال الشاعر... فكيف تمّت هذه الورشة؟
زوق مكايل كلها ورشة ثقافية قائمة في ذاتها: من الطابع العمراني المميز والبنى التحتية الثقافية في البلدة، الى السوق القديمة والحفاظ على التراث العمراني والثقافي... ويأتي متحف الياس أبو شبكة ليشكّل دعامة للمباني الثقافية الموجودة، اضافة الى "بيت الشباب الثقافي" الذي بنته البلدية وسيضم نادياً للانترنت يكمل المكتبة البلدية. وسيكون في المبنى مسرح تجريبي، وحالياً توضع اللمسات الأخيرة عليه، اضافة الى قصر المسرح والرياضة وهو مشروع طويل الأمد والأول من نوعه في العالم العربي.
الزوقيون جميعهم، كما أهل الثقافة والشعر والأدب انتظروا طويلاً يوم افتتاح هذا المتحف الثقافي. حتى اللحظات الأخيرة قبل التدشين، بقي البيت – المتحف ورشة حقيقية. على المدخل صورة كبيرة للشاعر. وفي الداخل، عمال ومتخصصون ينجزون اللمسات الأخيرة على الوثائق والصور المنتشرة في ارجاء المنزل، صوره مع أبيات شعرية بخط يده وصور حبيبتيه "غلواء" و"ليلى" ووالديه... سريره وخزانته وحتى غرفة الجلوس التي كانت في بيته أعيد تأهيلها واستعمل النول عينه الذي حيكت به الكراسي. أعمال مستمرة في الداخل والخارج... حتى ان الحديقة المحيطة به ترمم ويعاد تأهيلها، اذ انها ستنضم الى المتحف عبر توزيع بعض مقاطع من كتاب "الألحان" في الحديقة...
علاقة حب وعشق
الياس ابو شبكة عشق بلدته فغنّاها في شعره؛ تعلق بها وبطبيعتها، فبادلته الحب، لذا كانت خطوة تخليد البيت والمحتويات وأعماله في متحف مفتوح أمام الجميع. يقول رئيس "المركز الثقافي البلدي" في زوق مكايل الزميل أنطوان سلامه في كتابه "زوق مكايل، أزمنة الحضور في تاريخ لبنان": "كان حريصاً ان يعود ولو في منتصف الليل الى المنزل القرميد المشرف على البحر في الزوق...". وكان عندما تخطر في باله أي فكرة أو قصيدة يكتبها حتى على جدران منزله.
يروي ابو شبكة تفاصيل يومه الذي يبدأ من الزوق: "أنهض من الفراش الساعة الخامسة صباحاً فأتناول قليلاً من الطعام، ثم أشعل النارجيلة وأضع أمامي ركوة قهوة كبيرة وأنصرف الى الكتابة.
أما الموضوع فأكون قد فكرت به في الليلة الفائتة. (...) عندما أنتهي من كتابة موضوعي أفتح النافذة وأضع قدميّ الاثنتين على منضدتي بين الاوراق والمحابر والاقلام، وأسند ظهري الى الحائط، وأنطلق في قراءته بصوت مرتفع جداً جداً حتى ان عابري الطريق لا يسعهم الا الوقوف تحت النافذة ليستمعوا الى صراخي، وكثيراً ما يخيّل اليهم ان هناك خصاماً شديداً، فيتسلقون أغراس التوت المنتشرة حول البيت ليروا جيداً من النافذة ما يحدث في الغرفة. وكثيرا جداً ما تحدثني النفس بتمثيل مقالتي فأقف أمام المرآة وأصفّ حولي عدداً من الكراسي أجلس عليها تماثيل من الجبس الأبيض تمثل عشتروت وأبولون وأدونيس، وصوراً فوتوغرافية وزيتية نزعتها عن الحائط تمثل جدي وجدتي ووالدي واقربائي المتوفين. ولا أهادن حتى تدخل علي والدتي صارخة بصوت أرفع من صوتي: "العمى، أيش هل أخوت هيدا! ردّ الكراسي الصور والشخوصه لمطرحن!". ولا أخرج من البيت حتى يكون الرواة من عابري السبيل قد بدأوا ينشرون في الزوق بعض عبارات من مقالتي".
ان التطرق الى حياة أبي شبكة "يتم من زاوية الكتابة عن تاريخ الزوق، ويبدو منطقياً إلقاء الضوء على حضوره في هذه البلدة وتفاعله مع محيطها وبيئتها وقد شكّلت محوراً اساسياً في حياته وثقافته وعشقه وعطائه الادبي..."، كما يقول سلامة في الكتاب عينه.
معلم تاريخي
التفاعل والارتباط العميق بالبلدة دفعا رئيس بلدية زوق مكايل نهاد نوفل والمجلس البلدي الى تحويل البيت متحفاً.
ونوفل الذي انخرط في العمل البلدي عام 1963، يعتبر ان القانون البلدي "اذا مارسناه يعطينا صلاحيات واسعة من أجل الحفاظ على هويتنا التاريخية والثقافية والاجتماعية. فكان لا بد من الحفاظ على أحد معالم زوق مكايل، أي منزل الشاعر اللبناني العربي الكبير الياس أبو شبكة. في أعوام السبعينات، شاءت الصدف ان يتمّ اعلامي ان إحدى الجرافات تباشر هدم البيت الذي تمّ بيعه لتشييد بناء مكانه، فعاجلت الى توقيف عمل الجرافة وباشرت بقرار بلدي، تمّ بإجماع المجلس آنذاك، تحويل منزل الشاعر متحفاً".
بدأت العملية باستملاك البيت كمعلم تاريخي أولاً لأنه يجسد العمارة الزوقية اللبنانية، وثانياً معنوياً اذ انه بيت الشاعر الياس أبو شبكة وهو من أهم شعراء عصره، وقد عاش فيه وأحبه وكانت في هذا البيت ابداعات فكرية وشعرية مهمة يجب الحفاظ عليها وتخليدها.
يضيف نوفل: "بدأت الحرب فسكن فيه مهجرون بحماية قوى الأمر الواقع وتحوّل البيت مسكناً وبيتاً لبيع الأحذية، فكان أمراً مخزياً. لم نستعد البيت الا أواخر الثمانينات، بعدما تعرّض لعملية تشويه لبعض معالمه، وخصوصاً أبيات شعرية كان الشاعر كتبها على جدران المنزل. باشرنا عملية طويلة من الترميم، لا سيما ان البيت كان بدأ يتداعى كلياً وبعض الابيات التي كتبت على الحائط كنا فقدناها، لكن بقيت رسوم كثيرة. فعمدنا أولاً الى نسخ الرسوم والوثائق، ثم الى اعادة رسمها كما هي الآن، وتم التنسيق مع جامعة الروح القدس – الكسليك لإعادة تأهيل الوثائق، ضمن مشروعها الحفاظ على الارث اللبناني".
أشرف على ترميم المنزل من حيث الهيكلية رئيس البلدية والفرع الهندسي في المجلس البلدي بمعاونة خبراء. "لكن من اجل الابقاء على روحيته استعنّا بالمهندس الشهير جان لوي مينغي، الذي أشرف على ترميم عدد كبير من البيوت والمواقع الأثرية في لبنان، فوضع الدراسات والخرائط وأشرف على المتحف والمحتوى من دون اي مقابل. ان عمله لا يقدّر بثمن، ولو لم يكن عمله تطوعاً لكنا دفعنا مبالغ طائلة ولم نكن لنحصل على النتيجة التي حصلنا عليها الآن"، كما يقول نوفل.
كذلك ثمة رعاية معنوية كبرى حصل عليها المجلس البلدي في زوق مكايل من هيئة مجلس امناء المتحف التي تأسست فور مباشرة العمل "وخصوصاً من الاستاذ غسان تويني الذي تابع مراحل ترميم البيت، وكان يأتي في شكل متواصل للاشراف على نهاية العمل، ويعطي توجيهاته، اذ انه قيمة ثقافية كبرى وله خبرة في الحفاظ على التراث اللبناني والهوية الثقافية اللبنانية"، بحسب نوفل.
قصة البيت
لكن ما قصة هذا البيت وارتباطه بالعمارة الزوقية؟
يقول أنطوان سلامة لـ "النهار" ان بيت الياس أبو شبكة "يعتبر احدى عمارات زوق مكايل التي تعود الى القرن التاسع عشر. وقد صمم هذه الحارة مهندس مصري، كما قيل لنا، والنقوش الموجودة على السقف لفنانين نمساويين كانوا يستريحون في جبل لبنان بعدما كانوا يعملون في قصور السلاطين في تركيا. وأثناء استراحتهم، طالبت عائلة أبو شبكة الغنية والتي تعتبر من حيث التراتبية الاجتماعية "عائلة خواجات"، ونقصد بها الطبقة البورجوازية، التي كان أفرادها من أصحاب مشاغل النول والمهن الحرة والتجار، الفنانين برسم النقوش على جدران المنزل".
أما البيت فبناه معماريون زوقيون، وخصوصاً ان البلدة تشتهر بالمعماريين الذين استدعوا للمشاركة في بناء قصر بيت الدين، واستشارتهم في بعض أمور البناء الصعبة.
عمل "المركز الثقافي البلدي" بالتعاون مع مجلس الامناء وبعض الاصدقاء، "فجمعنا أغراض الياس أبو شبكة من زوجته "غلواء" (أولغا ساروفيم) التي أعطتنا طاولته وبعض أغراضه الشخصية كالنظارات وقلمه. في حين أعطتنا ليلى العضم، حبيبته، بعض الأغراض الشخصية التي حافظت عليها، مما شكل لنا نواة انطلقنا منها. كما أوصت "غلواء" بإعطائنا بعض كتبه التي كانت في مكتبته. وبعد عمل مضنٍ وبحث لمدة 3 سنوات وجدنا سريره في عجلتون واشتريناه. كما وجدنا خزانته التي كان يضع فيها أغراضه الخاصة واشتريناها أيضاً. كمركز ثقافي بلدي نوجه نداء الى كل من يملك وثيقة أو غرضاً كان يخص الشاعر الياس أبو شبكة ان يسلّمنا اياه من اجل وضعه في المتحف والحفاظ على هذا الارث الثقافي الكبير. علماً ان الشاعر جوزف ابو ضاهر قدّم لنا بعض الوثائق التي في حوزته، كذلك فعل الشاعر هنري زغيب الذي وهب ما يملك عن الشاعر في مكتبته،"، كما يقول سلامة.
لكن ماذا بعد هذه المرحلة؟
بعد الحفاظ على البيت من الهدم والاشراف عليه ليصبح متحفاً، ثمة عمل لزرع الحركة الثقافية فيه واعطائه الروح المطلوبة، اضافة الى المتابعة في البحث عن وثائق اخرى تخص الشاعر. عن هذه المرحلة الثانية. يقول سلامة "نحن اليوم على اتصال بأحد أقربائه في نيويورك في محاولة لاقناعه بإعطائنا الوثائق التي في حوزته، وخصوصاً ان المجلس البلدي قرر عدم دفع المال مقابل أي شيء".
***
غداً سيكون يوم جديد في منزل الشاعر الياس أبو شبكة. سيستعيد الحركة التي عرفها أيام كان يستقبل فيه صاحبه الشعراء والأدباء. والمتحف سيكون مفتوحاً في شكل منظم في السنة الدراسية المقبلة، وستتم الزيارات وفق موعد يحدد بعد الاتصال بالبلدية.
مجلس أمناء المتحف
ضمّ مجلس أمناء المتحف منذ تأسيسه:
الرئيس الراحل شارل حلو (رئيساً فخرياً)، النائب غسان تويني، الوزيرة نايلة معوض، الوزير ميشال اده، الوزير مروان حمادة النائب بهية الحريري، الوزير الراحل جورج افرام، السيدة رباب الصدر، النقيب محمد بعلبكي، السيدة زلفا الهراوي بويز، السفير فؤاد الترك، الشيخ بيار الضاهر، الأستاذ طلال سلمان، الدكتور كميل أسمر، المفكر منح الصلح، الاستاذ رفيق خوري، الدكتور لطف الله ملكي، الفنان منصور الرحباني، الشاعر الراحل جورج غريّب، الأب الدكتور أنطوان خليفة والأب الدكتور فرنسوا عيد.
افتتاح بيت الشاعر
دعا مجلس أمناء المتحف و"المركز الثقافي البلدي" في زوق مكايل الى افتتاح بيت الشاعر – متحف الياس أبو شبكة، السادسة مساء اليوم الاربعاء 11 حزيران 2008، في المدرج الروماني قبالة القصر البلدي، زوق مكايل.
وفي البرنامج كلمات لكل من: رئيس مجلس الامناء غسان تويني، أدونيس، فينوس خوري غاتا، جوزف حرب ورئيس المجلس البلدي نهاد نوفل.
ثم قصيدة "الناسكة"، شعر الياس أبو شبكة ولحن جوزف خليفة وأداء جمانة مدوّر. يدير الاحتفال الشاعر هنري زغيب.
بعد ذلك، يتمّ الانتقال الى بيت الشاعر - المتحف لتدشينه.