الكَوْنُ مِنْفَضَةٌ وَكِبْريتُ الحُرُوبِ سَجائِرُ ..

مصطفى مَـلَـحْ قرأها 5
 

الكَوْنُ مِنْفَضَةٌ وَكِبْريتُ الحُرُوبِ سَجائِرُ ..

مصطفى مَـلَـحْ *

1 – الكَوْنُ مِنْفَضَةٌ غَائِرَةٌ

الكَوْنُ مِنْفَضَةٌ ، وَكِبْرِيتُ الحُرُوبِ سَجَائِرُ

وَالشَّمْسُ حُورِيَةٌ ، وَأَسْرَابُ النُّجُومِ ضَفَائِرُ

وَأَنا أُسَمِّي الرِّيحَ زَيْتُوناَ

أُسَمِّيها عُيُوناَ

كَيْ تَرى جَسَدي الذّي يَتَقَاطَرُ

وَتَرى وُرَيْقَاتي الّتي تَتَناثَرُ

مَاذا أُسَمّي النَّارَ ؟

- بْرُومِيثْيُوسُ !

لا تَحْلُبْ سِوى ثَدْيِ الجِبَالِ ..

إذَنْ ، لِماذا أَنْتَ حَائِرُ ؟

خُذْ لَهيبَكَ وَانْصَرِفْ

وَدَعِ الفَراشَاتِ الصَّغيرَةَ

حَوْلَ وَرْدَةِ جُثَّتي تَتَطايَرُ ،

وَاتْرُكْ كِلابَ الحَيِّ

شَرْقَ عِظَامِها تَتَكاثَرُ ...

* * * *

الكَونُ حَقْلُ جَماجِمٍ سَوْداءَ

يَحْرُثُها رَصَاصٌ خَاسِرُ ..

- ماذَا جَرى ؟

- لا شَيْءَ .. جُثَّةُ شَاعِرٍ فَوْقَ الحِجَارَةِ

سَوْفَ يَغْسِلُها غُبَارٌ مَاطِرُ ..

- مَاذَا جَرى ؟

- لا شَيْءَ : مَاتَ الشَّاعِرُ !

2 – الطوفان

رَأَيْتُ دَماً ،

فَهَلْ مَاتَتْ عَصَافيري ؟

* * * *

رَأَيْتُ مَدينَةً : حيْثُ الحِصَانُ يَجُرُّ العَرَبَةْ

وَحَيْثُ الحُبُّ مَذْبُوحٌ على حَجَرٍ قَديمْ ..

رَأَيْتُ الرَّأْسَ يُشْعِلُهُ بَيَاضُ الثَّلْجِ ،

قُلْتُ : مَضَى قِطَارُ العُمْرِ ،

وَانْدَفَنَتْ طُيُورُ طُفُولَتي تَحْتَ الغُبَارِ ..

سَأَلْتُ أَميرَةً :

في أَيِّ عَصْرٍ نَحْنُ ؟

قَالَتْ : مَاتَ مَقْتُولاً أَبي

عِنْدَ اغْتِيالِ الشَّمْسِ ،

عِنْدَ تَشَرُّدِ الرُّوحِ الغَريبَةِ

فَوْقَ صَحْراءِ الجَحيمِ ..

سَأَلْتُها : أَبَكَيْتِ سَاعَةَ مَاتَ ؟

قَالَتْ : ماتَ كَالعُصْفُورِ في كَفِّي ،

كأَلْفِ حَديقَةٍ ذَبُلَتْ ،

كَدُمْيَةِ طِفْلَةٍ يَغْتَالُها النِّسْيَانُ .

مَاتَ أَبي

فَلَمْ يَتْرُكْ بِعَيْني أَدْمُعاً

لأَنُوحَ .. دَاخِلَ هَذِهِ الصَّحْراءْ .

واصَلَتْ : دَفَنُوهُ تَحْتَ المَاءِ ،

حَيْثُ يَذُوبُ كَالوَشْمِ القَديمِ عَلى الجَليدْ ..

رَأَيْتُ دَماً ،

فَهَلْ مَاتَتْ عَصَافيري ؟

* * * *

رَاَيْتُ المَوْتَ يَحْفِرُ

فِضَّةَ الأَبَدِيَّةِ المُلْقَاةِ فَوْقَ الرَّمْلِ ،

كَالجُثَّةْ ..

وَتَحْتَ الثَّلْجِ أَكْفَانٌ ،

وَفي قَلْبِ الطَّبيعَةِ بَسْمَةٌ سَوْدَاءُ

يَجْرَحُها الطَّيْرُ بِظِلِّهِ ..

وَرَأَيْتُ مَائِدَةً فَوْقَها وَرْدَةٌ مَخْنُوقَةٌ ،

هِيَ وَرْدَتي وَحْدي

أَنا المَوْعُودُ دَوْماً

بِالدُّمُوعِ أَبَاتُ أَحْلُبُها دَماً ..

هِيَ وَرْدَةٌ خَشَبِيَّةٌ مَزْرُوعَةٌ بَيْنَ القُبُورِ ؛

تَزْرَعُها امْرَأَةٌ عَجُوزٌ كُلَّ عيدٍ

حَيْثُ تَقْذِفُ فَوْقَها مِلْحاً

وَتَرْقُدُ تَحْتَها .. كَمَدينَةٍ مَحْرُوقَةٍ .

هِيَ وَرْدَتي :

لَيْلٌ ،

شُقُوقٌ في المَشَاعِرِ ،

عيدُ مِلادِ الرَّصَاصَةِ ،

مَقْتَلُ الأَشْجَارِ ،

تَابُوتٌ ،

بَنَادِقُ في كِتَابِ الرَّسْمِ ،

كَهْفٌ في خَرائِطِ جُثَّتي ..

هِيَ وَرْدَتي :

هِيَ وَرْدَةُ الشَّاعِرِ المَرْمِيِّ في النَّارْ ..

رَأَيْتُ دَماً ،

فَهَلْ مَاتَتْ عَصَافيري ؟

* * * *

سَأَلْتُ فَتىً يُخَطِّطُ لانْقِلابٍ ضِدَّ لاشَيْء ٍ !

- مَتَى رَحَلُوا ؟

أَجَابَ : قُبَيْلَ مُنْتَصَفِ الخَسَارَةِ ؛

مَزَّقُوا كُتُبَ البَلاغَةِ وَالرِّثَاءِ

وَأَشْعَلُوا النِّيرانَ في صُوَرِ الزَّفَافِ ،

كَأَنَّهُمْ مَسَحُوا دَمَ المَاضي وَرائِحَةَ التُّراثِ ،

كَأَنَّهُمْ ، قَبْلَ الرَّحيلِ ، تَعَاهَدُوا

أَنْ يَدْفِنُوا زَيْتُونَةَ التَّاريخِ في النِّسْيَانِ ..

هُمْ قَوْمٌ قُسَاةٌ ، رُبَّما

وُلِدُوا هُنالِكَ : حَيْثُ أَعْشَاشُ الجَحيمِ

وَحَيْثُ تَنْمُو صَرْخَةٌ في فُوهَةِ البُرْكَانْ .

سَأَلْتُ مُجَدَّداً :

هَلْ يَرْجِعُونَ إِذا أَنا أَشْعَلْتُ قِنْديلاً لَهُمْ

وَقَصيدَةً لِنِسَائِهِمْ ؟

هَلْ يَرْجِعُونَ ؟

أَجابَ في يَأْسٍ يُعَاتِبُني :

لَقَدْ مَاتُوا !

وَفي الغَدِ أَقْبَلَ الطُّوفَانُ ،

فَضَ الكَأْسُ فَاضَ العُمْرُ ..

في الغَدِ قُطِّعَ

الحَبْلُ

الذّي

رُبِطَتْ بِهِ الدُّنْيا ،

فَزُلْزِلَ حِينَها جَسَدي ،

رَأَيْتُ دَماً

فَهَلْ مَاتَتْ عَصَافيري ؟

3 - اِنْقِلابٌ

عَجِبْتُ لِقَوْمٍ أَضَاعُوا بِلَيْلِ الحَداثَةِ

قُمْصَانَهُمْ .. وَقَناديلَهُمْ ،

وَعَرائِسَ طُفُولَتِهِمْ ،

وَأَضَاعُوا شُمُوعَ قَرابينِهِمْ ،

وَأَتَواْ ،

يَتَجَرْجَرُ آخِرُهُمْ خَلْفَ أَوَّلِهِمْ

بَاحِثِينَ

عَنِ الخُبْزِ وَالمَاءِ في لُغَتي ..

مَنْ بِإِمْكانِهِ الآنَ أَنْ يَتَحَرَّرَ مِنِّي ؟

فَأَنا شَاعِرُ الرِّيحِ سَاكِنُ أَرْحَامِها ،

كُلُّ بَرْقٍ صَباحي ،

وَكُلُّ دَمٍ تَاجُ مُلْكي .

لِوَحْدي أَقُودُ انْقِلاباً بِغَاباتِ مَمْلَكَتي :

سَأُغَيِّرُ لَوِنَ الحِدادِ

لأَحْمِيَ بابِلَ مِنْ رَمْزِها ،

وَأَنامُ قَريراً كَتِمْثَالِ بُوذَا ،

وَأَحْلُمُ مِثْلَ المُحَارِبِ لَمَّا يَرى الثَّلْجَ ،

ثُمَّ أُغَنِّي

كَبَحَّارَةٍ يَضْرِمُونَ المَوَاجِعَ تَحْتَ جُرُوحِ المَوَانِىءِ ،

حَتَّى إِذا اكْتَمَلَ الاِنْقِلابُ صَرَخْتُ

فَغَيَّرْتُ تَاريخَ كُلِّ القَبائِلِ .

لا أَحَدٌ يَسْتَوي فَوْقَ نَعْشِي ؛

لأَنّي ، وَحيداً هُنا ، أَتَلَقَّى نِظَامَ الكِتَابَةِ ،

لا شَاعِرٌ سَقَطَتْ رُوحُهُ في الهَواءِ

فَغَطَّى يَدَيْهِ بِأَجْنِحَةٍ وَاسْتَرَدَّ مَخَالِبَهُ ،

وَإِذا اقْتَرَبَتْ خُطْوَةٌ مِنْ غَرائِزِها

كَمُلَتْ بِالّذي ظَلَّ يَنْقُصُها ،

هَكَذا النَّارُ تَصْحُو

إِذا حَفَرَ الشِّعْرُ أَعْمَاقَها المَيِّتَةْ ..

وَإِنْ أَعَدَّ قَراصِنَةُ الشِّعْرِ نَارَ بَنَادِقِهِمْ ،

وَاحْتَسَواْ لَيْلَ قَهْوَتِهِمْ بَارِداً بَارِداً ،

ارْتَمَيْتُ بَعيداً وَأَوَّلْتُ ما يَحْدُثُ :

عُزْلَتي سَقْفُ مَمْلَكَتي ،

فَاتْرُكُوا لُغَتي تَتَوالَدُ مِثْلَ الشَّتَائِلِ ،

وَالنَّاسِ ،

وَالمَطَرِ المُتَهَامي ،

فَلاَ شَيْءَ يُوقِفُني أَبَداَ !

السيرة الذاتية للشاعر المغرب

مصطفى ملـَّح