الثقافة والتجربة
الثقافة والتجربة
عطيّة مسُّوح
ليست العودة إلى مناقشة المفاهيم الأساسية ترفاً أو إضاعة للوقت، أو تكراراً مملاً منفّراً، ولاسيما إذا كان فيها إضافة صغيرة أو كبيرة لما كتب وقيل، أو إذا كان فيها تذكير وتأكيد وتوضيح. ولعل مفهوم (الثقافة) من المفاهيم التي تستوجب العودة إليها والبحث فيها، خاصة في الظروف التي لا يكون المجتمع فيها ناهضاً ولا تكون الثقافة رائداً للنهوض، كما هي حال مجتمعاتنا العربية، وهي مجتمعات تتّسم، من جملة ما تتّسم به، بأنها لا تدرس تجاربها ولا تستفيد منها، ولا تحوّلها إلى ثقافة تؤسس لخوض تجارب جديدة.
دراسة التجربة هي الثقافة ذاتها. وموهبة المثقف تتجلى بجانبين متكاملين، الأول هو القدرة على فهم التجربة بكل أبعادها وإيحاءاتها، والثاني هو القدرة على التعبير عن هذا الفهم تعبيراً ثقافياً، أي بإحدى صيغ الثقافة المتنوعة، كالأدب والرسم والسينما والمسرح والموسيقا أو البحث الفكري والدراسة التاريخية، أو الأبحاث العلمية وغيرها.
وهنا يمكن أن نضع مؤشرين أساسيين لتحويل التجربة إلى ثقافة:
الأول: هو أن التجربة التي يخوضها الإنسان، فرداً أو جماعة، لا قيمة ثقافية لها إذ لم تُدرس وتحلَّل، وتغدو الاستخلاصات التي يصل إليها الدارسون والمحللون إضافة جديدة إلى ثقافة المجتمع.
والثاني: هو أن الأفكار الجديدة التي يصل إليها المفكرون والباحثون والمثقفون والمبدعون لا تغدو جزءاً من ثقافة المجتمع الحقيقية إذا لم تجرّب في التطبيق العملي وتمارَس في الحياة الاجتماعية.
وإذا كانت التجربة هي محكّ الأفكار، كما يتفق الكثيرون، فإن دراسة التجارب والوقائع هي المصدر الأساسي لتوليد الأفكار، وبالتالي فإن القدرة على دراسة التجربة هي أهم خصائص المثقف، وهي مفتاح التفريق بين الثقافة والمعرفة، والمثقف والمطّلع.
المعرفة الواسعة، قاعدة لا بد منها للثقافة، وسمة ضرورية للمثقف، لكن التراكم المعرفي يجب أن يتحول إلى روح تدبُّ في التجارب التي يخوضها الفرد أو الجماعة أو المجتمع عامة، فتتبادل المعرفة والتجربة التأثر والتأثير، وتكون المعرفة دليلاً للتجربة، والتجربة مقوِّماً للمعرفة ومطوّراً ومغنياً. وبغير ذلك لا تكون المعرفة ثقافة، ولا تكون التجربة واعية، ولا تتراكم خبرة الفرد أو المؤسسة أو المجتمع.
ثمة قيم إنسانية خالدة تدخل في تكوين الثقافة، وكلما كان حضورها في الثقافة أعمق وأشمل كانت الثقافة أرقى وأكثر إنسانية. وإذا كانت القيم هي أهم ما يميز المجتمع الإنساني من المجتمعات الحيوانية الأخرى، فإن تجليات هذه القيم وانعكاساتها في الثقافة والممارسة هي ما يمنح المجتمع درجته في سلم الحضارة والتقدم.
من هذه القيم ما يتصل بالتجربة ذاتها، أي بمصدر الثقافة الأهم، وأعني خاصة قيمتي الحرية والشجاعة.
فدرجة الحرية فيالمجتمع هي أحد أهم مقاييس ثقافته. ودفقة الحرية الموجودة في عقل الفرد وقلبه هيأحد أهم مقاييس إنسانيته. ومن معايير الحضارة الرئيسة الاعتراف للإنسان فرداً أو جماعة منظمة، بحقوق التفكير الحر والتعبير عن الرأي، والممارسة السياسية والاجتماعية، والمبادرة في مجالات عمله وحياته، على أن يكون ذلك في إطار قانوني لايلحق الأذى بالآخر فرداً أو جماعة.
إن تقييد الحرية في الأمور المذكورة يلحق أفدح الأضرار بالثقافة وتطوّرها، وبالنشاط الاجتماعي البنّاء، ويمنع من تنوّع التجارب وتعدّدها ويلجم المبادرات، ويعيق دراسة التجربة الإنسانية بهدف استيلاد الأفكار وإغناء الثقافة من جديد.
ونحن في غنى عن القول إن هذا التقييد يمارَس في مجتمعاتنا العربية على نحو كبير واسع ويكاد يشمل كل مجالات الحياة. ولعلنا ندرك أن هذا التقييد هو أهم عوامل التأخر والهشاشة لدينا نحن العرب الذين نعيش ـ نظرياً ـ في القرن الحادي والعشرين.
هذا التقييد يُمارس في الأسرة، وفي المدرسة، ويعانيه المرء في حياته الاجتماعية وصلاته بالآخرين، وتمارسه الحكومات على الأفراد، وعلى الجماعات والأحزاب والصحف والمؤسسات الأهلية، ويمارسه الأعلى على الأدنى في كل الجهات والمستويات، وهو يولّد العجز الدائم ويجعل (الحداثة) التي نظن أننا بدأنا نلامس منجزاتها، سطحية لا تستطيع النفاذ إلى الأعماق.
لكن اتساع نطاق هذا التقييد، ولأنه متأصل في تاريخنا وراسخ في بيئتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لا يعني أنه غير قابل للمعالجة، ولا يجوز أن يدفع بنا إلى الاستسلام له والتسليم به.
أذكر هذا لأننا نسمع دائماً مَن يسوِّغ تقييد حرية التفكير والتعبير والنشاط السياسي والفكري، بالقول إن المجتمع هكذا، وإن البنية العربية لا تولِّد إلاّ القمع ولا تفرز سياسيين ومسؤولين ديمقراطيين إلا في أضيق الحدود.
إن ربط الفكر والسلوك بالواقع هو أمر صحيح في جوهره، لكن الفكر والسلوك هما وسيلة تغيير الواقع، ولا بد من الدعوة الدؤوبة إلى حرية التفكير والتعبير، ورفع القيود الموضوعة عليهما وعلى النشاط السياسي السلمي. كما لا بد أيضاً من أن تُعالَج مسألة الديمقراطية وحرية التفكير والتعبير داخل المؤسسات السياسية والتعليمية. وأخصّ بالذكر هنا الأحزاب التي تحمل الأفكار العلمانية وتدعو إلى تحديث المجتمع وتطويره وتؤمن بالعقل والإرادة الحرة ودور الجماهير الخلاّق. هذه المؤسسات السياسية والتربوية، ولا سيما الأحزاب التي ينبغي أن تضم نخباً واعية، مدعوة لدراسة تجاربها ووضع اليد على ما خلَّفه استصغارها لحرية التفكير والتعبير والنقد من آثار ضارة عليها وعلى المجتمع عامة.
أما القيمة الثانية المتصلة بالثقافة، فهي الشجاعة. والشجاعة ينبغي تعزيزها على ثلاث مستويات.
أول هذه المستويات هو الإقدام على دخول التجارب، والخوض في غمراتها، والمبادرة إلى أعمال جديدة. فالتجربة الجديدة تعبير حقيقي عن شجاعة ووعي، وكلما قل التهيّب من دخولها ازدادت احتمالات الكشف والتطوير والنهوض.
وثاني هذه المستويات هو دراسة التجارب بروح نقدية، بغية تحويلها إلى ثقافة كما ذكرنا. وعلى هذا المستوى، أجد من المفيد أن أذكّر بما يعرفه الجميع، وهو أن للنقد مستويين: نقد الآخر، ونقد الذات.
أما نقد الآخر، فهو حق ينبغي صونه لكل مواطن أو حزب أو جماعة، وينبغي أن تصونه الحكومة للمعارضين لها ولكل مواطن أو حزب، وكلما كان هذا النقد واسعاً، حقاً وممارسة، كانت التجارب أكثر فائدة والأخطاء أقل وأبسط.
أما نقد الذات، فهو النقد الذي تقوم به الأحزاب والحكومات، والأفراد داخلها، وهو أحد أهم مقاييس الشجاعة.
إن للحركة السياسية في البلدان العربية، ومنها بلدنا، مآثر ومنجزات لا تنكر، لكنَّ لها أخطاءها، وهي كبيرة حقاً، ولا مناص من دراستها بعمق وجدية. ولعل كل واحد منا، يتساءل: لماذا كل هذه الهشاشة في مجتمعاتنا العربية؟ ولماذا لم نستطع النهوض، أو متابعة النهضة التي بدأناها منذ بدايات القرن العشرين؟ ليصل إلى تحديد نواقص وأخطاء كثيرة وكبيرة، ومنها ما تتحمله الحركة السياسية ذاتها، أحزاباً وقادة.
النقد أحد مظاهر الشجاعة، والشجاعة من أهم القيم الإنسانية، وهي جزء من ثقافة عامة، ومن الضروري أن يحرص القائمون على المؤسسات السياسية والتعليمية والتربوية على نشرها وتعميقها في العقول والنفوس.
الحرية والشجاعة، قيمتان كبريان، تحدّدان طبيعة الثقافة، ودرجتها، وفاعليتها.