الفكر العربي والتغيير الديمقراطي
الفلسفة والتغيير:
برغم تأكيد المعلم الأول أرسطو أن الفلسفة هي صناعة حرة توجد من أجل ذاتها فقط, وبرغم أن معظم الفلسفات التي ظهرت في مختلف العهود كانت تتناول هواجس الإنسان الوجودية (الإنطولوجية) وتمد ذراعها إلى ما وراء الطبيعة (الميتافيزيك) متجاوزة المجتمع من حيث هو تشابك علاقات ومصالح ونزعات, ومن حيث هو قوى متصارعة وموحدة, ومن حيث هو صيرورة وحاصل تطور تاريخي, وبرغم أن تلك الفلسفات كانت – إذا قاربت القضايا الاجتماعية – لا تتعدى الرؤى والمفاهيم الأخلاقية, فاصلة الأخلاق عن مرتكزاتها ومكوناتها الاجتماعية والتاريخية...
برغم ذلك كله, فإن الفلسفة, على مر العصور, لم توجد من أجل ذاتها, ولم تكن حصيلة نشاط الفلاسفة العقلي مجرد تهويمات تتناول علة الوجود ومصير الإنسان وما بعد الموت وغير ذلك, بل أسهمت في دفع الوعي إلى الأمام وإنارة الطريق أمام الفعل الإنساني.
مر هذا الإسهام الإيجابي الفعال عبر ثلاثة مسارب, أولها, أن الفلسفة بوضعها نشاطاً عقلياً كانت المولدة لبذور العلوم والمعارف والحاضنة لها والراعية لنموها, كانت حقاً أم العلوم, فالفلسفة أسهمت في تحول التجربة التي هي أساس العلم إلى خبرة لا يكتفي الإنسان بتخزينها واستحضارها عند الحاجة, بل يربط بعضها ببعض, ويحللها ويستنبط منها ويبني عليها ويقوننها, لقد تحولت من تجريب يتراكم كمياً إلى منظومات ومنابع يتفاعل فيها المنطق والتجربة, غذتها الفلسفة إن لم نقل إنها من صنع الفلسفة أصلاً.
أما ثاني هذه المسارب فهو أن الفلسفة سلحت الإنسان بأدوات البحث والاستقراء والاستنتاج والتي لم تبق مقتصرة على مجالات البحث الوجودي والماورائي, بل تدرجت شيئاً فشيئاً إلى مجال العلوم الإنسانية والدراسات الاجتماعية, أي إن الفلسفة تخلت عن ترفعيّتها وغمست أدواتها في ميادين الحياة الاجتماعية بنسب متباينة.
وثالثها, هو أن الفلسفة أسهمت في حماية منظومة القيم الإنسانية الأخلاقية والسلوكية, ولعبت في كل المراحل والأمكنة, دوراً عظيم التأثير في ربط الممارسة البشرية بالقيم, وذلك عبر ثنائيات الخير والشر, والمطلق والنسبي والقوة والضعف وغيرها.
فالفلسفة , كغيرها من نشاطات الإنسان المعقلنة, ليست نشاطاً ترفياً سلبياً منفصلاً عن الواقع – بل هي- والفكر عامة- ذات دور فعال ومؤثر.
ولعلنا نستدل على ذلك من أمرين اثنين:
- الأول هو خوف الزعماء والمتسلطين والحكام, في كل مراحل التاريخ, من الفلاسفة, ومحاربتهم كل نشاط فلسفي "يتجاوز الحدود", هذا الخوف الذي غدا مع الزمن أساساً من أسس التناقص بين الثقافة والسياسة.
- والثاني هو أنه ما من حركة سياسية أو اجتماعية, ثورية أو غير ثورية, يمينية أو يسارية, لا تكون الفلسفة قاعدة لها بشكل من الأشكال. ولتأكيد ذلك نشير إلى فلسفات العقل والأنوار ودورها في ظهور الحركات السياسية التغييرية على أعتاب الثوريين الإنكليزية والفرنسية وما بعدهما.
الفلسفة نشاط تغييري إذاً, لكنه نشاط ينطوي على التباس محدد في طبيعته, غامض في تجليه. فالفلسفة التي تسهم في التغيير في مرحلة ما, قد تتحول إلى لاجم له في مرحلة أخرى,
ولا يرتبط ذلك باتجاه من يستخدمونها ويستندون إليها ومصالحهم فقط, بل إن له علاقة بطبيعتها ذاتها, وجوهر علاقتها بالقوى الاجتماعية والسياسية, ولا سيما بعد أن نزلت الفلسفة من برجها العاجي, فكما أن الذين يسعون إلى التغيير في العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية يستندون إلى الفلسفة فإن الذين يسعون إلى تثبيت تلك العلاقات يستندون إلى الفلسفة أيضاً, ويجدون فيها ما يسوغ سعيهم وينسجم مع أهدافهم.
علاقة الفكر بالواقع: أساس الدور التغييري للفلسفة:
يقودنا ما تقدم إلى التطرق لعلاقة الفكر بالواقع, وهي مسألة تناولها الفلاسفة والمفكرون والسياسيون, وبرزت بشأنها تناقضات وتباينات تتراوح بين جعل الفكر أساساً ومنطلقاً للفعل والتغيير, أي لصنع الواقع, من جهة, وجعل الفكر نتيجة للواقع وصورة مطابقة له, أي جعله تابعاً لحركة الواقع من جهة أخرى.
وفي الرؤيتين المذكورتين كلتيهما تنتفي استقلالية الفكر. ففي الرؤية الأولى نجد أن الواقع لا يستطيع أن يستقل عن الفكر, فالأفكار هي التي تحدد النشاطات وتولد التغيرات وتصوغ الواقع كما ترغب النخب أو كما تقتضي الأفكار الرائجة. وفي الرؤية الثانية نجد أن الفكر لا يستطيع أن يستقل عن الواقع لأنه انعكاس للأصل مشروط به ومحدد.
وسبق لي أن تناولت علاقة الفكر بالواقع من منظور ماركسي, وتوصلت إلى صياغة أراها أكثر دقة من مقولة: الفكر انعكاس للواقع, وهي مقولة: مصدرية الواقع وسبقية الفكر. هنا تنتفي فكرة الانعكاس دون أن تنتفي أولية الواقع, أي دون الخروج على المنطق الأساسي للنزعة المادية في الفلسفة. فالواقع هو المصدر, لكن الفكر الفعال الذي هو أحد مظاهر الواقع لا بد أن يسبق الواقع, و إلا لما أثر فيه وأسهم في تغييره, أي لما كان ثمة أي دور تغييري للفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية, بل إن السياسة تفقد طابعها العام المرحلي والاستراتيجي وتغدو مجرد فعل يومي وإدارة للحياة اليومية دون سياق معروف.
انطلاقاً من ذلك, يمكن أن نحمل الفكر العربي مثلاً قسطاً كبيراً من مسؤولية تردي الأوضاع العربية عامة, ومن المسؤولية عن حال (الديمقراطية) البالغة السوء في المجتمعات العربية بوجه خاص.
مسؤولية الفكر العربي:
كثيراً ما يرد الباحثون والسياسيون غياب الديمقراطية في المجتمعات العربية, وفشل بعض تجاربها أو انقطاعها, إلى الواقع العربي, فيقولون إن هذا الواقع المتخلف, بعلاقاته والاقتصادية التقليدية وما فيه من اصطفافات وولاءات قبل مدنية, لا يمكن أن ينتج نظاماً سياسياً ديمقراطياً. ويرى قسم من هؤلاء الباحثين والسياسيين أن التيار الليبرالي الذي ظهر في الفكر العربي أوائل القرن العشرين كان ضعيف التأثير شعبياً, لأنه مستورد غريب عن واقع مجتمعاتنا, ولأن الحوامل الواقعية والاجتماعية لما طرحه كانت معدومة, ويعيدون فشله على المستوى السياسي وانقطاعه على المستوى الفكري إلى ذلك الواقع.
في هذا الرأي شيء من الصحة, لكنه ليس مطلق الصحة. وأول ما يوحي به هو أن طارحيه يلقون مسؤولية كل فشل على الواقع ويبرؤون الفكر و السياسة ورجالهما, ونحن وإن كنا لا ننفي دور الواقع المتخلف اقتصاداً وعلاقات وثقافة وتكويناً نفسياً, فإننا سنضع على هذا الرأي ملاحظتين:
الأولى: إن التجربة الإنسانية ملك مشاع, والفكر الإنساني للجميع, ولا أحد يستطيع أن يبدأ في كل شيء من نقطة الصفر. وبالتالي, فإن ما يسمى باستيراد الأفكار ليس عيباً, بل إنه كان وما يزال عاملاً من عوامل التطور وواجباً على المفكرين في كل مكان, وهو يحمي فكر أي مجتمع وثقافته من التقوقع والضحالة والضمور.
أما الملاحظة الثانية, فهي أن التسليم بعدم قدرة المجتمع العربي على تقبل الديمقراطية أو إنتاج نظام سياسي ديمقراطي, ينطوي على نوع من الجبرية التي تلغي دور إرادة الإنسان, ودور المفكرين والمثقفين التنويري الرائد, أي إن هذا التسليم يجعل الفكر مجرد انعكاس سلبي للواقع عاجز عن التأثير فيه.
إن الفكر العربي, ولا سيما الفكر السياسي, يحمل قسطا من المسؤولية عن غياب الديمقراطية أو ضعفها, بسبب ما فيه من مشكلات بنيوية تاريخية, أهمها:
اليقينية:
وهي قناعة المفكر أو الباحث بصحة الفكرة التي يتبناها على سبيل الإطلاق لا سبيل النسبية والاحتمال. وهذا ما ينقله من حالة التفكير إلى حالة الإيمان, ومن قلق الشك إلى طمأنينة التسليم. وتشكل اليقينية الأساس الفكري والنفسي لرفض الآخر, فاليقيني يقول: الآخر على خطأ دوماً لأنني على صواب دوماً. ولعل أول نتائج ذلك هو إفساد الحوار. فإذا انطلق اليقيني من أن الآخر على خطأ, يصبح هدفه من الحوار تعليم الآخر وهدايته لا تبادل التأثير معه, وهذا ما يدمر العلاقة الجدلية بين الأفكار في المجتمع, والأخطر من ذلك أن اليقيني ينظر إلى أفكاره بوضعها مطلقة الصحة, تتجاوز الزمان والمكان وبالتالي فهي أكثر صواباً من الواقع ذاته. وبهذا يفقد الفكر أهم مولدات تطوره, وهو جدل الفكر- الواقع بعد أن فقد جدل الفكر- الفكر, فيكف عن التأثير ويفقد د وره التغييري الرائد.
إن الإيمان المطلق بصحة فكرة ما يعني إخراجها من دائرة النقد والشك, وبالتالي عدم القدرة على تصحيح ما فيها من خطأ أو ما سيظهر فيها من خطأ بفعل تبدل الظروف, فالفكرة تدخل منذ لحظة ظهورها في مختبر الواقع, أي في مختبر الظروف المتبدلة, ويستمر اختبارها إلى أن يتبين عدم صحتها, وعند ذلك تخرج من المختبر.
إننا نلح على عدم الصحة أكثر من إلحاحنا على الصحة, فالصحة هي مرحلة قصيرة في حياة الفكرة, هي لحظة لا تلبث الفكرة بعدها أن تتناقص مع الواقع, لأن الواقع متغير أما الفكرة فهي تصاغ في عبارات, تدخل سجن النص, والنص هو تجسيد لها في لحظة اتفاقها مع الواقع, والواقع يتبدل لحظياً, لذلك تأخذ الفكرة بالتناقص معه منذ أن تصاغ, فتبدأ بالانتقال من حيز الصواب إلى حيز الخطأ.
من هنا, فإن العقل النقدي الكاشف للخطأ والمبعد له, هو وسيلة الإنسان للتأثير في الواقع, وهذا نقيض اليقينية.
أما المشكلة الثانية التي أضعفت دور الفكر العربي, فهي مشكلة:
التقابل:
فاليقينية قادت الفكر العربي إلى التمرس في خنادق متقابلة, ونقلت المشكلة إلى حالة أكثر خطورة. فبعد مقولة: إن الآخر على خطأ دوماً, في اليقينية, نجد مقولة: إن الآخر عدو’ في الخنادق المتقابلة, وبعد صيغة: إنني أتجه إلى الآخر وأحاوره بهدف تعليمه, في اليقينية, نجد صيغة:
إنني أفعل ذلك بهدف إلغائه, في الخنادق المتقابلة.
ولقد أسهم في تعميق مشكلتي: اليقينية والتقابل, عاملان أساسيان:
أولهما: طغيان الإيديولوجيا على الفكر وتغليب الجانب الإيديولوجي في الفكر على الجانب المعرفي فيه.
وثانيهما: خضوع الفكر للسياسة وتضييق حيز استقلاليته النسبية. ومع الزمن تحول هذان العاملان من عاملين معززين للمشكلتين المذكورتين آنفاً, إلى مشكلتين قائمتين بذاتيهما, فغدت مشكلات الفكر العربي الحديث الرئيسية أربعاً, هي: اليقينية والتقابل والخضوع للإيديولوجيا والخضوع للسياسة. وأربع المشكلات هذه, بطبيعتها, معوقة لدور الفكر في مقاربة العلاقات السياسية والثقافية مقاربة مثمرة في مجتمعاتنا العربية.
الفكر العربي والتغيير الديمقراطي:
سأكتفي هنا بطرح فكر رئيسية, أراها نقاطاً معيارية منهجية أدعو الفكر العربي إلى الحوار حولها.
أول ما اعتقده ضرورياً عند بحث مشكلة الديمقراطية في بلداننا العربية هذه الأيام، هو وضع ما تطرحه الولايات المتحدة الأمريكية جانباً" وذلك لسببين : أولهما هو أن الطرح الأمريكي حول دمقرطة المنطقة ليس أكثر من غلاف يخفي أهدافاً أخرى، وثانيهما هو أن مشكلة الديمقراطية في البلدان العربية هي مشكلة تاريخية، موجودة قبل أن تفطن إليها الولايات المتحدة، أو قبل أن تكون لها مصلحة في إثارتها.
أبدأ بهذه النقطة ، لأننا كثيراً " ما نسمع من يقول إن إلحاح عدد من المفكرين أو السياسيين على الديمقرطية في أيامنا، ما هو إلا تجاوب مع الضغوط الخارجية أو تلاق مع سياسة الإدارة الأمريكية.
كما تكال التهم لمن يسمون بالليبراليين الجدد على الساحة العربية, بأهم استفاقوا بعد سبات، على قرع طبول الجيش الأمريكي الذي غرز مخالبه في منطقتنا ولن ينزعها حتى يرتب كل شيء وفق مصالح القوى النافذة في الولايات المتحدة، وإن هؤلاء الليبراليين الجدد يختلفون عن أسلافهم من أجيال الليبرالية العربية الأولى الذين كانوا على درجة عالية من الوطنية والصدق، وتمثلوا الفكر الليبرالي الغربي ومزجوه بتطلعاتهم التحديثية.
ولعل الأمر لا يحتاج إلى كثير من النقاش، فإذا كانت السياسة الأمريكية تطرح اليوم شعار نشر الديمقراطية عربياً، مراوغة وتضليلا، فهذا لا يعني أن الديمقراطية عندنا بخير، وإن المجتمع العربي يعيش في نعيمها.
إن غياب الديمقراطية أو ضعفها الشديد في الأقطار العربية، يكبل المجتمع ويشله، ويمكن الحاكمين والمتنفذين من الإمساك بعنقه والتحكم بأنفاسه وخلجاته، وفي ظل ذلك تتسع المجالات أمام الفكر التسليمي ، وتترسخ خارطة التموضع الاجتماعي على أسس ما قبل المدنية، وهي المشكلات التي تجعل الطوائف والعشائر أقوى من الأحزاب، والمؤسسات اللاسياسية تكاد تتحكم بالمؤسسات السياسية وتنتهك دورها التنويري الحضاري.
ولا نبالغ إذا قلنا أن مشكلة الديمقراطية هي أهم المشاكل في المجتمع العربي وهي الحلقة الرئيسية التي تستحق أن يتجه الباحثون لمناقشة وضعها الراهن وأسبابه، واتجاهات نشر الديمقرطية وعياً وممارسة، للسير بالبلدان العربية في طريق النهوض.
استطاع المفكرون العرب في عصر النهضة التفريق بين السياسة الاستعمارية للغرب والثقافة الغربية التي أقبلوا عليها وتلقفوا منجزاتها في مجالات الفكر والأدب والسياسة ولعل من أهم ما يفيدنا اليوم أن ننهج النهج ذاته فنفصل بين السياسة الأمريكية العدوانية ذات المكاييل المختلفة، وبين دمقرطة المجتمع العربي استناداً إلى تجربة الديمقراطية في الغرب.
ولا أظن أن ثمة بديلاً لذلك فنحن العرب ليس لدينا تجربة ديمقراطية نعتمد عليها أساساً لنستغني عن تجارب الآخرين أو لنعتبر تراث الإنسانية الديمقراطي مرجعاً استشارياً فقط نأخذ منه على هوانا. إن تراث الغرب في مجال الديمقراطية وتجربة الحكم والإدارة هو مرجع لنا وللشعوب كلها، وليس في هذا عيب أو انتقاص من سيادتنا وشخصيتنا ، فتراث الإنسانية واحد وتجربة أي شعب هي من كل الشعوب .
هنا يمكن أن نؤكد ضرورة التوفيق واقعياً بين طرفي معادلة الديمقراطية. فالطرف الأول هو الأخذ بثوابت الديمقراطية والتمسك بها وأهمها حرية التفكير والتعبير، والإقرار بالتنوع الحزبي والفكري عبر قوانين عصرية للأحزاب والتشكيلات السياسية وضمان حقوق الأقلية أياً كان نوعها في التعبير عن ذاتها، والإقرار بحق المعارضة في الوجود والنشاط والسعي إلى السلطة بالوسائل السلمية والقبول بمبدأ تداول السلطة عن طريق الانتخابات, وتطبيق مبدأ فصل السلطة وحماية استقلال القضاء عن الإرادة الحزبية والسياسية .
هذه هي الثوابت الديمقراطية التي ترسخت في الغرب ,ودفعت الشعوب ثمنها الكثير من الدماء والتضحيات ,
أما طرف المعادلة الثاني فهو كيفية تطبيق هذه الثوابت في مجتمعاتنا العربية المتفاوتة في تخلفها، والتي تفصلها عن المجتمعات الأوربية هوة عميقة تجعلنا عالماً " ثالثا" أو عاشراً" أي غير مشابه للعالم الأول في معظم السمات والملامح.
التوفيق بين طرفي المعادلة هو الجوهري في بحث مشكلة الديمقراطية عندنا، لأن الثوابت معروفة، ولا يمكن لديمقراطي أن يتنكر لها، لكن الأمر يتعقد عند البحث في تطبيقاتها العملية.
وعلى الرغم من كثرة ما كتب وقيل، فإن المسألة لا تزال غير مستوفاة لدى الباحثين، ولا هي ناضجة في برامج الأحزاب والحركات السياسية. ويحتاج إنضاجها إلى حوار واسع مفتوح تسهم فيه كل قوى المجتمع جماعات وأفراداً، بحرية كاملة، بعيداً" عما سمي بالثوابت، وخارج ظلال قوانين الطوارئ والأحكام العرفية .
في هذا المجال، أشير إلى عدد من النقاط التي أرى أن يأخذها الحوار على محمل الجد:
1-لا يجوز تحميل الديمقراطية فكراً وأسلوباً في الحكم والإدارة وتنظيم العلاقات السياسية والثقافية والاجتماعية وزر السياسة العدوانية الأمريكية.
2-من الضروري الإقلاع عن فكرة كثر ترويجها في مواجهة الدعوات الديمقراطية, وهي أن مجتمعنا غير مؤهل لممارستها, لأنه مجتمع تسوده علاقات ما قبل الرأسمالية, وتتحكم به العقلية العشائرية والطائفية.
إن التخلف الاجتماعي الذي نعيشه يتعزز ويتعمق في ظروف القمع وغياب الحياة السياسية العصرية, لأن تضييق مجالات الحراك السياسي, ولجم حرية الرأي, وتحجيم النشاط الحزبي تدفع بالناس إلى اصطفافات غير سياسية, كأن يلوذ الفرد بعشيرته أو طائفته ويفصل أفكاره على مقدار مصالحها الضيقة.
ومجتمعنا. برغم منهج التفكير التسليمي الانقيادي السائد , لا يخلو من حركة فكرية وثقافية تقدمية وعلمانية, تعاظمت في بعض المراحل (بين ثلاثينيات القرن العشرين وسبعينياته) وهي تتفاوت قوة وضعفاً بين فترة وأخرى, وقطر وآخر, لكنها ذات حضور مؤثر, ويمكن لها, في ظل حرية التفكير والتعبير والنشاط, أن تكون عتلة المجتمع في تجاوز العشائرية والطائفية والحد من نفوذ العقل التسليمي.
3- كثيراً ما يقال إن الديمقراطية السياسية مرتبطة بقوة البرجوازية, وهذا غير متوفر في المجتمعات العربية وبالتالي فإن الديمقراطية عندنا هدف معلق بالهواء, بلا حوامل اجتماعية واقتصادية.
وفي هذا المجال يمكننا تأكيد فكرتين:
الأولى هي أن مبادئ الديمقراطية اكتسبت مع الزمن نوعاً من الاستقلالية النسبية عن النظام الاقتصادي الرأسمالي, وغدت ثوابتها قابلة للتطبيق وفق الشروط الواقعية للمجتمعات.
والثانية: هي أن غياب الرأسمالية في مجتمعنا ليس مطلقاً, والفئات الوطنية من البرجوازية العربية يمكن أن تقوى في ظروف الديمقراطية السياسية وشروطها.
4- لا يحق لنا رفض الديمقراطية التي يسميها بعضنا (غربية) انطلاقاً من نقاط ضعفها ونواقصها فنحن لم ننعم بإيجابياتها كي نرفض سلبياتها, وليست لدينا بدائل أفضل, والحوار حول أشكال تطبيقها مضافاً إلى الممارسة الواقعية.يجعلنا قادرين على تلمس ما هو سلبي
5- من الضروري رفض فكرة الفصل بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية,’ فهذا الفصل وهم وقعت فيه الحركة السياسية اليسارية في القرن العشرين, والديمقراطية الاجتماعية, أي العدالة في الفرص وتوزيع الثروة, لا يمكن أن تتحقق إلا تدرجاً, وبالنضال الشعبي الذي تشكل الديمقراطية السياسية حاضنته الملائمة.
6- الانطلاق من مبدأ قبول الآخر , ولهذا المبدأ ثلاثة مستويات,
أولها: الإقرار بحقه في الوجود والعمل.
وثانيهما: البحث عن نقاط التلاقي معه.
وثالثها: تمكينه من ممارسة حقه في السعي بالوسائل الدستورية والحضارية للحصول على تأييد شعبي يوصله إلى السلطة.
كانت تجارب العرب في القرن العشرين مريرة, فاليميني يقمع اليساري يلغي اليميني, فعاد المجتمع إلى الوراء, وماتت فيه الحركة السياسية أو كادت, وابتلعت العشائرية والطائفية السياسة والمبادئ والمشاريع التي طرحت على بساط المجتمع بين العشرينيات والسبعينيات.
7- الربط بين الديمقراطية السياسية والتربية العقلانية والعلمانية, لأن نشر الفكر العلماني والنزوع العقلاني في المجتمع, هو الضمانة الأهم للممارسة الديمقراطية الحقيقية, وهذه التربية هي المهمة الأولى للقوى السياسية العلمانية, الليبرالية والقومية والاشتراكية التي عليها أن تبدأ بتربية أعضائها تربية جديدة تقوم على مبدأ قبول الآخر, وتعميق نزعة الشك في عقولهم, وتدريبهم على تناول كمل القضايا, ومنها قرارات أحزابهم ورموزها, تناولاً نقدياً بعيداً عن التسليم والتقديس, وهذا ما يجعل تلك القوى قادرة على الإسهام في نشر النزعة العقلانية والعلمانية في المجتمع.
هذه بعض النقاط التي أرى أن تكون صوى على طريق الحوار حول الإصلاح السياسي الديمقراطي في بلداننا العربية.