"الــيوم الأخير" في حياة سمير قصير - فيلم ليحيى جابر
"الــيوم الأخير" في حياة سمير قصير ليحيى جابر
الـقبض على جمرة الزمن
شادي علاء الدين
حين يغادر الصحافيون، تغدو المدينة بلا زمن، فتدخل في صراع قاس مع الأحداث بغية استرجاع زمنها المهدور. زمن المدينة هو زمن كتابتها، لذلك غالباً ما يكون ثمة في لحظة سلطة الأمن والمخابرات وتفشي القمع، زمن غير متاح ولا بد من صناعته وخلقه.
بلا مقدمات ينتقل بنا يحيى جابر، مخرج الفيلم عن "اليوم الأخير" في حياة سمير قصير (الذي اغتيل في مثل هذا اليوم عام 2005)، وكاتب نصه، من لحظة استرخاء ونجومية كان عليها سمير قصير في مقابلة صحافية مع جيزيل خوري في صدد كتابه عن الحرب اللبنانية، إلى لحظة الإغتيال.
يخلط المخرج بين الرجلين ويدمجهما في لقطة سريعة خاطفة لا تترك لنا مجالاً لكي نلتقط الخبر ونعايشه. فكأنه يقول لنا إنه لم يحدث أصلاً وإن اللحظة التي بدا فيها الرجل واثقاً مبتسماً أمام الكاميرا هي اللحظة الأصل وليس ما عداها سوى مجازات مرعبة مطرودة من حقل التصديق.
لا يسرد الفيلم حياة بقدر ما يحاول تثبيتها وتأكيدها، فليس هناك من يوم أخير في حياة سمير قصير بل دائما ًهناك يوم آخر. بذلك، يكون الإغتيال مجرد ذريعة للتأكيد أن الحياة تستقر في لحظة الإغتيال بصيغة موقف مستمر لم يعد قادراً على الظهور مباشرة في هيئة رجل، فيفضّل التحول إلى أثر. هكذا لا يكون اليوم الأخير زمناً بقدر ما يكون سيرة تستطيع أن تضمّ هؤلاء الذين كانوا مشاركين مع سمير قصير في صناعة زمن البلاد والذين تبعوه في مسار انتشاره وصاروا مثله، ماثلين في الأثر.
ثمة مسرد متسرع ونزق يعرضه الفيلم، فكأنه يخشى أن يخدش حقيقة عواطف الناس ومشاعرهم الحقيقية تجاه هذا الرجل. لذلك كتتخفف تدخلات الكاميرا وتعديلات المونتاج من التأليف وتتجه إلى الالتقاط المباشر لحركة العين والتركيز على الطابع العفوي لتعبيرات الوجوه وحركات الأيدي. يقول السياق إن الكاميرا ميتة وإن الصورة تصنع نفسها بنفسها وإن الفيلم يعرضها وكأنها بلا مصادر، أو كأنها بعض من إفرازات الناس والأمكنة والعيون.
توليف الفيلم بلا أفكار أو ذاكرة، ليبدو كأنه دوماً دفقٌ حرّ لا يمكن التحكم به ولا حصره في بنية تصميمية او إخراجية. لذا نجد أنفسنا ونحن نحْضر الفيلم كأننا إزاء صورة تريد أن تعانق بطلها وأن تستردّه وان تحتويه، لا ان تكرّسه نجماً لنسيانٍ هو ضروري لصناعة الأعمال الأرشيفية المتقنة.
يدخل المشاهد في الفيلم ويحضر المخرج فيه بصفته صديقاً وشاعراً، كما ان المادة المصورة هي صيغة لهذه العلاقات الحميمة وانتصار لها.
تتفشى موسيقى أغنية "إنت عمري" لأم كلثوم التي تمثل المادة الموسيقية المنتشرة على امتداد فترة الفيلم. تربط هذه الأغنية بين الزمن والحب، فتجعل زمن الحب هو الزمن الوحيد الممكن.
حب سمير لهذه الأغنية يمثل مدخلاً لقراءة حياته نضالاً وعشقاً، وهي تكثيف معمّق وواسع لخلاصة شخصيته المتنوعة والتي كان يمارس العيش من خلالها بوصفها عمراً للحب وفي الحب. لذلك يمكننا أن نلاحظ أن كل الذين يتحدثون عنه في هذا الفيلم لا يعمدون إلى تبيان مدى أهميته ككاتب وصحافي، بل يتحدثون عنه من خلال التكثيف الجامع والمختصر المتمثل في العاشق.
يبدو سمير رجلاً قادراً على تحويل كل ما يمسّه إلى مادة مكهربة بالحب، لذلك يحضر دائماً في يومه الأخير وليس من الممكن تصور حياة له خارج دائرة يومه الأخير هذا. فأهل الحب أهل الخطر، وهم دائماً يصنعون زمن الحب العام في لحظة عبورهم الخاطفة ولكن المستقرة.
سمير قصير في هذا الفيلم هو الرجل الذي نشتهي أن تشبه البلاد صورته لكي تصبح صالحة للعيش فيها والموت، من أجل صناعة زمنها السيد والحر والمستقل، كما هو جسده المتناثر في الجهات والمتجمع في القلوب.