ألواح أوغاريت تكشف الحياة الفكرية والثقافية والدينية في الساحل السوري

سـانا قرأها 5
  

ألواح أوغاريت تكشف الحياة الفكرية والثقافية والدينية في الساحل السوري

سـانـا

الحضارة الأوغاريتية أهم الحضارات الإنسانية وأشهر الممالك السورية. يعود تاريخها الى الألف السابع قبل الميلاد إذ أظهرت نتائج التنقيب الأثري أن أهم اكتشاف هو النصوص الكتابية المخطوطة على ألواح من الطين الحجري التي تسطر العلاقات الدولية ورجال الحكم والملاحم والأساطير والحياة السائدة في النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد في هذه المنطقة من العالم. وتعد هذه النصوص من أهم مصادر المعرفة عن الديانة خلال الألف الثاني قبل الميلاد.
تأثرت العبادات في أوغاريت بنمط الحياة إذ كانت مرتبطة مباشرة بالأرض والنبات والمناخ والنشاط البشري للمجتمع الأوغاريتي ويمكن أن نحدد تصورات الشعب الكنعاني الأوغاريتي الدينية في مبدأين أساسيين أولهما عملية الخلق الكوني من قبل رب واحد وثانيهما الإنجاب والخصب وما يرافقهما من ظواهر طبيعية، إذ كان لهذه المعتقدات انعكاس مباشر على الفنون الأوغاريتية. فقد عشق الإنسان الأوغاريتي الجمال الأنثوي فصنع آلهة الحب والحرب والخصب وجسدها بالتمثيل وبنى لها المعابد. وقد تعددت الآلهة على اختلاف مظاهر الطبيعة.

تقدم نصوص أوغاريت وثائق مهمة عن الحياة الفكرية والثقافية. هذه النصوص المكتوبة تناولت موضوعات تتعلق بمختلف جوانب الحياة السياسية والميثولوجية والأخلاقية والفلسفية والفنية والاقتصادية والحقوقية والعلمية وهناك الرسائل المتبادلة بين ملوك أوغاريت ومعاصريهم ملوك كركميش وجبيل وآمور والحثيين ومصر وقبرص وغيرها ما يدل على علاقات دبلوماسية متطورة شهدها عصر أوغاريت.

وهناك نصوص تتحدث عن عالم الآلهة الكنعانية التي تجسد قوى الطبيعة وهي تحمل فكراً ميثولوجياً ذا طابع إنساني. وتذكر الأرباب إيل وآثير وبعل والرب موت الذي يجسد الجفاف وعنات ربة الخصب وكونار اله الصناعة ورشف وحورون ودجنو وغيرهم، إضافة الى نصوص تدل على فكر أخلاقي وإنساني تتعلق بالتعليم والمعلمين والتواضع والكرم ونصائح أخلاقية منها "أطعم اليتيم وأنقذ المظلوم"، وما يتعلق باحترام الأم والأسرة والزواج والحرية، والدعوة الى الرحمة والعطف.

وكان الأوغاريتيون يعتقدون بتعدد الأرباب الذين يرأسهم اله واحد يدعى "أيل". وتلك الأرباب هي بعل وهو رب الطقس ودجن وهو الرب الحامي واهب الأرزاق والربة عشتار واهبة الخير والخصب وكانت تضاهي بمكانتها الى حد كبير الأرباب ايل والآلهة سحر وسالم وهما آلهة الفجر وغروب الشمس والالهة كوثار رب الحرف والفنون.

كما عرف الساحل السوري خلال فترة ازدهار أوغاريت أرباباً آخرين هم الرب يم اله البحار والرب نهر رب الأنهار وكانت لكل تلك الأرباب معابد في أوغاريت لتقديم الأضاحي والنذور لها وعبادتها كما أظهرت المكتشفات الأوغاريتية عدداً من المعتقدات الأسطورية لمملكة أوغاريت وكان أهمها أسطورة الملك دانييل واقهت وأسطورة الملك كرت.. وتحكي أسطورة دانييل واقهت أن دانييل كان ملكاً عادلاً ليس لديه ولد ذكر فابتهل الى الالهة التي رزقته ولداً أسماه اقهت أصبح صياداً ماهراًَ وفي إحدى رحلاته الى الصيد طلبت منه الربة عنات قوسه وسهامه مقابل مقدار كبير من الذهب وان تمنحه الحياة الأبدية. لم يوافق اقهت على طلبها فغضبت منه الربة عنات وذهبت إلى يفطان المقاتل السكير تطلب منه ان يقتل اقهت للحصول على قوسه وسهامه حيث وعدها بتنفيذ طلبها فحوّلته عنات إلى عقاب وطار إلى مدينة عبليم حيث يصطاد اقهت الطرائد ويقدمها أضاحي للرب أيل. وانقض يفطان على اقهت وقتله وجاءت عنات فأخذت القوس والسهام وحاولت ان تعيد اليه الحياة من جديد فلم تستطع لانها لم تعثر على قلبه الذي أكلته العقبان فاطلقت النواح نادمة على قتله لانه في موته ستجف ثمار الحقول وعندما سمع دانييل بموت ولده اقهت أطلق صراخاً مدوياً اختلط مع نعيق العقبان ثم بكاه سبعة أعوام وقررت بجت -اخت -اقهت الانتقام له فذهبت الى مدينة عبليم وقابلت يفطان وقدمت له الخمر الكثير حتى فقد وعيه فانهالت عليه بالسيف وقتلته وعلمت الربة عنات بموت يفطان وفرحت كثيراً وطلبت الى الاله ايل ان يعيد الحياة إلى اقهت فاستجاب لها وأعاد اليه الحياة شريطة ان يُمضي النصف الأول من كل عام مع الأحياء يقدم لهم المطر والخير. أما النصف الثاني فيقضيه مع الاله موت ليحل الجفاف ثانية وهكذا.. وتقول الأسطورة ان النبات والحيوان والبشر فرحوا كثيراً بعودة الحياة اليهم مع اقهت من جديد.

وتشير المصادر الأثرية الأوغاريتية ان الميثولوجيا الأوغاريتية اهتمت بمسألة الموت والبعث من جديد كما تتحدث عن ذلك قصة الالهان بعل وموت وتناوب فصول الجفاف والخصب والموت والولادة.
وأهم المعابد التي كانت موجودة لا تزال آثارها باقية الى الآن وأهمها معبد كرس لعبادة الرب بعل والثاني لعبادة الرب دجن. وتعود إقامة هذين المعبدين الى عصر البرونز الوسيط في الفترة ما بين 2100-1600 قبل الميلاد لكنهما بقيا قائمين حتى دمار مملكة أوغاريت بمطلع القرن الثاني قبل الميلاد، وتدل البقايا الموجودة داخل المعبدين من المراسي الحجرية لمراكب الصيد على أن البحارة كانوا يقدسون معبد بعل بشكل خاص ويقدمون له النذور كونه باعتقادهم يحميهم من أخطار البحر إضافة الى معبد دجن، وهو الاله المعروف عند الأوغاريتيين باله الحصاد والحبوب وواهب الأرزاق، لذلك كانوا يقدمون له النذور والأضاحي. 

ugarit%2001.jpg      

    Baal_Ugarit.jpg