الثقافة وحاجاتنا الثقافية
أصدرت وزارة الثقافة هذا العام مجلدين يضمان أعداد مجلة (الثقافة) التي صدرت في دمشق بين نيسان 1933 وحزيران 1934 وهي عشرة أعداد. والغرض من إعادة طبع أعداد هذه المجلة هو تعريف قراء اليوم على لمحة مهمة من الحياة الثقافية في بلادنا، تميزت بنشاط نهضوي تحديثي عقلاني، فهذه المجلة ـ على قصر حياتها ـ أسهمت مع غيرها في دفع الحركة الثقافية العربية إلى الأمام.
أعدّ المجلدين وقدّم لهما الأديب والباحث المتميز الدؤوب محمد كامل الخطيب. وقد أشار في تقديمه إلى الدور الكبير الذي لعبته مجلات المقتطف والجنان وروضة المدارس والهلال والجامعة والمنار والضياء في تكوين الوعي العربي بمختلف تياراته منذ سبعينيات القرن التاسع عشر.
يضع محمد كامل الخطيب في المقدمة فكرتين مهتمتين، الأولى تتعلق بظهور المجلات المذكورة في مصر، وتأخر ظهور مثيلاتها في سورية (بلاد الشام)، ويعيد الكاتب ذلك إلى سببين، أولهما هو هجرة الموجة الأولى من الكتاب والمفكرين السوريين إلى مصر، وثانيهما هو إعدام الموجة الثانية منهم عام 1916. وهذان عاملان، بل حدثان أثّرا فعلاً في تأخّر صدور المجلات والصحف النهضوية في بلاد الشام.
أما الخلفية التي أدّت إلى العامل الأول، أي الهجرة، فهي الاختلاف الواقعي بين مصر وبلاد الشام، من ناحية المناخ السياسي، أي هامش الحرية، والمناخ الثقافي أي مدى التأثر بالتيارات الفكرية الحديثة.
لقد اجتذبت مصر قسماً كبيراً من مثقفي بلاد الشام ومفكريها لأنها أمّنت لهم الحق في الكتابة والبحث والتعبير عن الرأي أكثر مما كانت تتيحه القبضة العثمانية في بلاد الشام، ويؤكد ذلك العاملُ الثاني، الذي هو إعدام عدد من المفكرين العرب عام 1916.
أما الفكرة الثانية التي تضمنتها مقدمة محمد كامل الخطيب فهي أن للمجلات الثقافية العربية نسبها وأشجار عائلاتها، وقد أصاب الكاتب وأحسن حين ذكر أن (الآداب) هي خليفة (الرسالة)، وأن (الدهور) هي خليفة (العصور)، وأن (الطليعة) هي خليفة (الدهور)، وأن (الطريق) هي خليفة (الطليعة).. ويدلّ ذلك على الترابط العميق بين الحركة الثقافية في كل من مصر وبلاد الشام، بل يدلّ على أنهما في الحقيقة حركة واحدة، ظهرت في وقت واحد تقريباً، لكنها نمت في مكان أكثر من نموها في مكان آخر، للأسباب التي ذكرت سالفاً. ولعلّ ما يدل على ذلك هو ما أكده محمد كامل الخطيب حيث وصف سامي الكيالي ومجلة (الدهور) بأنهما الامتداد السوري للتيار الليبرالي المصري وما يؤكّد ذلك أيضاً هو أن المجلات التي صدرت في مصر، والمؤلفات النهضوية الكثيرة لكبار مفكري مصر وآدبائها، من أمثال أحمد أمين وسلامة موسى وطه حسين والعقاد والحكيم وخالد محمد خالد وغيرهم كانت مصدراً ثقافياً عظيم التأثير في عقول المثقفين السوريين ووعيهم.
صدرت مجلة (الثقافة) الدمشقية تلبية لحاجة المثقفين السوريين وحاجة القرّاء وطالبي الثقافة، إلى منبر يقدم لهم معرفة حديثة. وتعاون في إصدارها أربعة كتاب شباب هم: خليل مردم بك وجميل صليبا وكاظم الداغستاني وكامل عياد، وأسهم في الكتابة فيها خيرة الأقلام الشامية والعراقية في تلك الفترة، الذين ينتمون إلى تيارات فكرية وثقافية متنوعة، من أمثال: شكيب أرسلان والزهاوي ونقولا فياض وماري عجمي ووداد سكاكيني وعبد الرحمن الشهبندر وعيسى إسكندر المعلوف ومنير العجلاني وسواهم، إضافة إلى كتاب غربيين ترجمت مقالاتهم مثل غابرييل نوفور وجان غولميه وتوماس مان وغيرهم. وبهذا حققت المجلة، كما يشير محمد كامل الخطيب، التوازن بين الغربي الجديد الوافد والعربي التقليدي، وربما نستطيع أن نضيف العربي الطامح إلى الحداثة، متجاوبة بذلك مع احتياجات تحديث ثقافة المجتمع العربي وعقلنتها وإخراجها من التقوقع الذي أصابها في عصور الانحدار ودفعها في فضاء التفاعل مع الآخر والتأثّر بمنجزاته.
والعودة إلى أعداد المجلة العشرة تبيّن أنها ترتكز على مبدأ التعدد الثقافي والفكري، في إطار العقلانية والحداثة، فتنوعت موضوعاتها ونزعات كتابها التي تمتد من نزعة علمانية واضحة (قصائد الزهاوي ومقالات عديدة) إلى نزعة دينية منفتحة نيرة، إلى نزعة ليبرالية تؤمن بحرية العقل والفرد.
إن الدور التنويري الكبير الذي لعبته المجلات العربية الصادرة في أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، وفراغ، أو شبه فراغ، ساحتنا الثقافية الراهنة من مثل تلك المجلات يؤكدان أمرين أساسيين هما.
1ـ حاجة الثقافة العربية بمختلف ساحاتها إلى مجلات ثقافية وفكرية ذات اتجاه علماني عقلاني ديمقراطي. وضرورة التعاون بين الكتاب والقوى السياسية والمؤسسات الثقافية على إصدار مثل هذه المجلات وفتحتها أمام النزعات الفكرية والسياسية العقلانية المتنوعة.
2ـ أهمية حرية التفكير والتعبير، وضرورة تعزيز الموقف النقدي من الواقع والتراث، وتعميق ثقافة نقد الذات والآخر، وهذا ما كانت بداياته متوفرة إلى حد كبير على امتداد النصف الأول من القرن العشرين، وهو ما أثمر تطوراًَ كبيراً على مستويات الفكر والثقافة والممارسة اليومية.
إن ترسيخ نزعة النقد أمرٌ أساسي في بناء الثقافة الحديثة، من نقد السلطة والمسؤولين، إلى نقد التاريخ والتراث والفكر العربي، إلى نقد الآخر المختلف حزبياً أو فكرياً، إلى نقد الذات ، وهو الأهم والأنفع.
ما أحوجنا إلى ذلك كله! وما أحوجنا إلى منابر ثقافية وفكرية تحتضنه وترسخه في حياتنا، منابر تتسع للجميع، ولا تجعل التحزّب عائقاً للموضوعية، والأيديولوجيا قيداً على الفكر، والمؤسسة الأمنية رقيباً على الرأي ولاجماً للتعبير.