أما الحلُّ الجذريّ..

عطية مسوح قرأها 5
 

أما الحلُّ الجذريّ..

عطيّة مسُّوح

ما أكثر أزماتنا ـ نحن عرب العصر الحديث ـ وما أشدّ تعقيداتها، وما أبسط الحلول! تظهر الأزمات، وتتعقّد، ثم تنحلّ، بعد زمن طويل أو قصير، فيفرح الحزين ويطمئن القلق ويهدأ المضطرب، ويعود كل إلى ما كان عليه، ونفتح صفحة جديدة، كأن شيئاً لم يكن.

ما أجمل الراحة بعد التعب، والطمأنينة بعد القلق والخوف!

في أوقات اشتداد الأزمة، يسعى المخلصون جميعاً إلى تجنب الانفجار، والوصول إلى انفراج يحفظ الناس والأرض والعمران، والمخلصون هم ـ بلا شك ـ الغالبية العظمى في المجتمع، وهم ـ بلا شك أيضاً ـ كل من يعمل وينتج في مختلف المجالات المادية والثقافية والروحية، إنهم من يقدّمون للمجتمع ما ينفعه ويصونه، ويدافعون عنه حين يدهمه خطر أو عدوان.

ويُوفَّق هؤلاء المخلصون في كثير من الأحيان إلى السير بالأزمات نحو الحل والانفراج، ويلعب الزعماء والنافذون أدوارهم في الوصول إلى الحل والانفراج، كما لعبوه في الوصول إلى التأزيم والتعقيد، ثم يرجع كل منهم إلى مكانه المعتاد، معتزاً بإسهامه في حل الأزمة التي صنعها وعقّدها، ومؤكداً أهمية وجوده بين علية القوم ونخبة المجتمع، وكأنه، هو وأمثاله، صمّام الأمان.

ثم لا يكلّف أحد نفسه عناء التفكير العميق، بأسباب هذه الأزمات التي يتكرّر حدوثها في مجتمعاتنا العربية، معرضة إياها للتصدّع والخراب، إنساناً وثروة وثقافة.

نعم، إننا نتناول الأزمة، أية أزمة كانت ـ وما أكثر أزماتنا نحن عرب العصر الحديث ـ بكثير من السطحية، وقليل من العمق. ونادراً ما يضع العرب، ما عدا قلّة من المفكرين المتنوّرين، اليد على أسباب الأزمات الحقيقية والعميقة، التي تُبقي مجتمعاتنا على هذه الحال من القابلية الدائمة للتأزم والانفجار.

قلت في مقالة كتبتها في هذه الزاوية بعنوان (بين الهشاشة والمتانة) إن المجتمع العربي ضعيف وهشّ البنية، وذكرت أن أهم عوامل هشاشة بنية المجتمع العامة صلابة البنى الجزئية التي تكوّن هذا المجتمع. فشعور الانتماء إلى البنية الجزئية الصلبة قد يفوق شعور الانتماء إلى المجتمع، والبحث عن مصالح البنية الجزئية يترافق مع إغفال مصالح المجتمع ويأتي على حسابها.

يحصل الشيء ذاته عند البحث في الأزمات، والسعي إلى حلها. فلا يكون الحلُّ مقبولاً إلا إذا راعى، بل انطلق من المصالح المباشرة للبنى الجزئية التي صنع الواقفون على قممها الأزمة والحل. ولا يفكرون، بل قد يمنعون التفكير في عمق أزمة المجتمع، وفي الحلول الجذرية التي تعالج العمق ولا تكتفي بعلاج السطحي الظاهر.

إن أزمات مجتمعاتنا العربية ستظل تكرر ظهورها وتعقدها، وقد تتفاقم أكثر مما عرفناه حتى الآن، وقد تتفجّر وتلحق بالمجتمع أفدح الأضرار، إذا بقينا على هذه الحال في التعامل معها، أي إذا عالجنا الظاهر ولم نعالج الباطن، وإذا اكتفينا بالمهدِّئ والمسكِّن دون أن نعالج أسباب الدّاء.

التناقضات والصراعات موجودة في كل مجتمعات الدنيا، والعدو الخارجي عنصر دائم الوجود بين عناصر كل الأزمات. والعدو الخارجي لأمتنا العربية قوي وحاضر، وهو يتمثل بإسرائيل والصهاينة، وبالولايات المتحدة الأمريكية والإمبريالية عامة. وهو يسهم في صنع أزماتنا وتعميقها، وله دور كبير في هشاشة مجتمعاتنا العربية وضعفها، لأنه يدرك حق الإدراك أن ثروات أرضنا، وسوقنا، وموقعنا الاستراتيجي لن تكون في قبضته وتحت تصرفه إلا حين نكون على درجة كبيرة من الهشاشة والضعف.

لكن مسؤولية العدو الخارجي لا تقلّل من مسؤوليتنا ـ نحن عرب العصر الحديث ـ عن كل الهشاشة والضعف والتمزق، ولا حلَّ إلا في الإقرار بهذه المسؤولية، والبحث عن سبل معالجة أزمتنا التاريخية العميقة.

سنظل نعاني، وسنبقى ضحايا لأزماتنا، ولقمة سائغة للطامعين بنا، ما لم نبدأ السير نحو ترسيخ العقلانية والعلمانية والديمقراطية في مجتمعاتنا العربية.

هذه المرتكزات الثلاثة التي تقوّي بنية المجتمع العامة، وتجعل البنى الجزئية مرنة قابلة للتكيّف مع مصلحة البنية العامة والخضوع لها.

كنا نتساوى مع غيرنا في الهشاشة، وفي صلابة البنى الجزئية، المذهبية والعشائرية والإقليمية وسواها، منذ قرون. وكان غيرنا في ذلك الوقت، كما نحن اليوم، بؤرة للأزمات والتوتر والانفجارات، لكنه غيّر الواقع حين قدّم مبدأ المواطنة العامة على الانتماءات الجزئية الضيقة، وقدّم مصلحة الوطن على مصالح الطوائف والعشائر والأحزاب والكتل، وجعل العقل حكماً وصاغ القوانين والنظم على أساس ذلك كله.

المواطنة هي التساوي بين الناس، في حقوقهم الطبيعية وفي الفرص المتاحة، بغض النظر عن انتماءاتهم الموروثة، كالعشائر والطوائف، وانتماءاتهم المختارة، كالأحزاب والأفكار.

وهي لا تتحقق إلا إذا ترسّخت في المجتمع، في عقول الناس وممارساتهم، العلمانيةُ التي جوهرها البحث عن حلول لمشكلات المجتمع والوطن بمساعي أبنائه كلهم دون إقحام للانتماء الديني أو الطائفي في ذلك، ودون التداخل بين الدين والسياسة، وبالخلاص من مبدأ تقسيم المجتمع على أساس هذا الانتماء، والإقرار بمبدأ (المواطن)، وهو مبدأ الحداثة والتحديث، ومنه يبدأ كل سعي للنهوض بالمجتمع.

إن الديمقراطية التي تقوم على تقسيم المجتمع إلى طوائف تتعايش، وتتقاسم الحصص في المجالس والدوائر، ليست ديمقراطية صحيحة، ولا حداثية، فالديمقراطية مفهوم سياسي أساسه حقوق المواطن والإنسان دون تصنيف انتمائي أضيق من حدود الوطن.

العقلانية والعلمانية والديمقراطية، هي التي تخلِّص مجتمعاتنا من الهشاشة، وتحميها من الخطر الخارجي، وتنتشلها من التخلف المخيف. إنها الحل الجذري، الذي على المتنوّرين أن يشيروا إليه ويعملوا على السير باتجاهه دون ملل، وفي كل وقت.

مفيدٌ أن نفرح لانفراج الأزمات، وجيّدٌ تجنيبُ المجتمع الفتن والاضطرابات، أما الحلُّ الجذري العميق والراسخ فهو المطلوب.