صافي يا لبـانـا

جماليا قرأها 5
 

صافي يا لبــانا

جماليا

مبروكٌ للبنان عودته إلى حياته الطبيعية..

ومباركة نهضته من كبوة طالت وطالت معها فترة حالة الحزن والخوف من استمرارها.

نهضة لم يكن منها بدٌ.. انتظرها بفارغ الصّبر لبنانيو لبنان ومعهم محبّو لبنان، وعيونهم معلـّقة بسماء لبّدتها غيوم تجاذب المصالح الفردية والكتلية البعيدة عن الصدق الوطني.. وقلوبهم تنبضُ خوفاً من مصيرٍ مجهولٍ أو قولوا تجاهلوا صوَره وبقاياها في ذاكرتهم، بدل أن تنبض حياةً ومحبّة وتفاؤلاً وفرحاً وسلماً بنـّاءً..

نهضة انتظروها وأياديهم على أسلحتهم (من كان منهم مسلّحاً) تهديداً أو خوفاً من تهديد، أو مرفوعة إلى السماء راجية حنانها والعون بدل أن تتأبط فؤوس تطويعِ صخورهم بناءً للمساكن والمعامل والمدارس ومعاولَ تحفيزِ أراضيهم استغلالاً للحنطة والفاكهة والخضرة والورود..

انتظروها يجرّون حقائب السّفر هرباً من الواقع المخزي والمخجل والكئيب مودَّعين بدموع الحزن والانكسار بدل أن تتلألأ وجوههم وهم يستقبلون أخوة لهم وأبناء أو أحفاد هجّرتهم شروط مماثلة سبقت فترة العنف الأخيرة التي أمضاها لبنان انتكاساتٍ متتالية لا نقاهة تنشيطية.

نهضة من سوقٍ سياسية مستديمة التوتّر تحوّل فيها الكلام – أيّ كلام إلى معزوفاتٍ شيطانية من الشتائم والرّد عليها والاتهامات وتبادلها والتهديد والوعيد، حتى خلتَ بأن أي حبل للود انقطع تماماً وما عادت أمام (تزاحم الأضداد) أيّة فرصة لأيّ شكل من أشكال الالتقاء.. ولقد يخال للمرء إذن أن لا حلّ بعدُ لهذه المعضلة الشديدة التعقيد ولهذا التوتّر العميق سوى قضاء أحد المتجابهَين على الآخر وفق صيغة غالبٍ قضى نهائياً على مغلوبٍ ما بقي له أثر!

لقد كانت حالة الانحدار والتراجع الحضاري الشامل شديدة القسوة عميقة الألم عصيةً على الحلّ.. حالة لم يعرف مثلها لبنان من قبل.. وتُوّج هذا الانحدار بمواجهات استخدم فيها سلاحٌ أخرق فتكَ بصدور الأبرياء أو المغرّر بهم وكادت الحالة البغيضة تنتشر متحولة إلى حربٍ مازالت ذاكرة اللبنانيين تحتفظ بصور مؤلمة لما يشبهها منذ سنوات خلت، لولا استنفار قوى الخير والعقل والحكمة استعجالاً لجمع شمل المتخاصمين وضبط الأمور في أوسطها لمصلحة لبنان واللبنانيين.

استفاق زعماء المجموعات اللبنانية بعد أن أدركوا مما أجابتهم به السّاحة، التي لم تقبل ما تصوّره البعض لعباً بإمكانهم التحكم بحدوده، أدركوا بأن زمام الأمور ستفلت من أياديهم إن هم تمادوا في الاستهتار وسيتحول التراشق بالكلام إلى رصاص يقتل ويدمّر ويعيد الوطن إلى الوراء سنواتٍ بل عقودا.

وباستفاقتهم صينت مصالحهم، التي أثبتت الأيام أن لعبة الشدّ في حبالها لن تكون لمصلحة أحدهم دون الآخر بل سيخسر الجميع ويخسر الوطن. وباستفاقتهم عادت للبنان فرصته للنهوض من كبوة ثلاثة عقود وعادت معه صورة لبنان المشرق، لبنان الديموقراطي، لبنان القوي المنتج الحاضر في أرقى المحافل العالمية نموذجاً بل نماذج رفيعة للعلوم والآداب والفنون والاقتصاد ومجالاته وللبناء وإبداعاته وللسياحة وثقافاتها وللمحبة معياراً للسلام والتآخي.

وباختيارهم رئيساً بمواصفات ميشال سليمان المعروفة يكونون قد اختاروا طريقاً سليمة المنحى سهلة السلوك واعدةً مضاءةً بشموعٍ أشعلها اللبنانيون بصدقٍ وإيمانٍ وأملٍ بأن تـُلقى خلفهم، ومنذ اللحظة، سجلاتٌ لأيام عصيبة وذكريات لحالاتٍ مخزية.

وبتصالح من أخطأوا بحق بعضهم البعض علناً وأمام شاشات الأقنية الفضائية على مرأى ملايين العالم وبحضور شخصيات رسمية من مختلف البلدان، يكون سياسيو لبنان قد أعادوا توجيه دفّة الإبحار في الوجهة الصحيحة..

وهم يتبادلون قبلات التصالح والتعاهد على الانتقال من حالة الموالاة للحكم ومعارضته إلى حالة الموالاة للبنان اللبنانيّ، نراهم يهتفون بالعبارة الشعبية التالية (محوّرة للضرورة): صافي يا لبـانـا..

بقي أن نقرّ بأنّ للوطن وللشعب حقوقاً أخرى تلي الفرحة بالسلم الأهلي وخطط إعادة البناء واستعادة اللبنانيين حريّتهم الحقيقية، وهذا ليس بترفٍ إنما هو ضرورةُ امتحانِ المصداقية في الإخلاص، وهو أن يتقدم كل من أخطأ بالاعتذار للبنان واللبنانيين مما اقترف من ذنوب ومما ارتكب من أخطاء بحق وطنه وشعبه.. وكعادتهم، لن يكون لبنان وأناسه الطيبون قليلي الرحمة أو ضيقي هوامش التسامح، لأنهم عاشوا، ولداً عن أبٍ وأباً عن جدٍّ، يؤمنون بأن:

"لبنان حلوة معو العيشة طبيعيّة"..