كمال ناصر في الأعمال الشعرية الكاملة: (يا ايها الشعب لا تيأس ولا تنم)
كمال ناصر في الأعمال الشعرية الكاملة: (يا ايها الشعب لا تيأس ولا تنم)
نجيب البعيني
صدر عن دار العودة كتاب (كمال ناصر في الأعمال الشعرية الكاملة) * تقديم د. سهيل سليمان...
كمال ناصر، شاعر من شعراء الطبقة الأولى، وسياسي عريق بين السياسيين، ومناضل من مناضلي الوطن السليب، أحبّ الحياة من كل قلبه لأنه كان يراها طبيعية بلا رتوش أو زيف. عاش ثائراً ومات شهيداً. وكان صحافياً كلِّف بعددٍ من المهمات فأتمّها على أكمل وجه. كان يرى الحياة استمراراً ومتابعة وانها لا تكتمل إلاّ بالنهوض بالمهمات الصعبة.
تمثلت أعماله بالإشراف على تكوين (اتحاد الكتَّاب والصحافيين الفلسطينيين). ففي 28 حزيران سنة 1972، أصدر العدد الاول من مجلة سماها (فلسطين الثورة).
ولادته ونشأته:
هو شاعر فلسطيني من قرية (بير زيت) في قضاء رام الله، حيث بدأ النضال القومي في ايام الشباب، فقد ولد في العاشر من شهر نيسان سنة 1924 في (غزة) حيث عاشت الأسرة هناك بحكم العمل. بدأ مناضلاً وهو صغير السن لم يتجاوز العاشرة من عمره يوم كان يقود رفاقه في مظاهرات كانت تنادي برحيل الإنتداب البريطاني عن فلسطين.
كان والده قائمقام المدينة. دخل مدرستها صبيّاً.. وفي هذه المدرسة أكمل دراسته الابتدائية والاعدادية والثانوية، ونظم الشعر باكراً. فنشر في جريدة (الاهرام) في عام 1937 قصيدة وطنية كان عنوانها (فلسطين الأبية).
وفي عام 1941 - 1942 التحق بالجامعة الاميركية في بيروت ونال شهادة B.A. في الأدب العربي والعلوم السياسية في عام .1945 وفي الجامعة تفجرّت شاعريته حيث نال اول جائزة أدبية كانت له حافزاً على الاستمرار في هذا النشاط الأدبي. عاد الى القدس وانتسب الى كلية الحقوق وكان في الوقت نفسه يمارس مهنة تعليم الادب العربي في كلية (صهيون العربية). كما كان يعمل محرراً في جريدة (الوحدة الفلسطينية). وفي سنة 1946 أخذ يطوف القرى والبلدات الفلسطينية داعياً الى قيام حركة ثورية يوقظ الهمم ويدعو الناس الى التحرير والحذر والتنبه للمؤامرة التي تحاك ضدّ العرب. وكانت صحف ذلك الزمان تنشر قصائده امثال: الدفاع، والوحدة، وفلسطين. فأخذ اسمه يتردّد ويتألق في صفوف المثقفين والمتنورين.
وبعد النكبة في سنة 1948 أصدر مع اخوان له جريدة (البعث) اليومية ولكنها تعرّضت للتعطيل والمصادرة والملاحقة. ثمَّ عاد فأصدر مجلة (الجيل الجديد) الأسبوعية.
انتُخب نائباً عن منطقته رام الله في سنة 1956 في المجلس الوطني الذي الغى المعاهدة الاردنية – البريطانية.
دواوينه الشعرية:
أصدر عدداً من الدواوين الشعرية. كما أصدر عدداً من الكتب النثرية. وكان ذا أسلوب سلس سهل لا تعقيد فيه. عبّر في كتبه وقصائده عن أحاسيسه وعواطفه مفضلاً ان ينظم الشعر على بحر (الخفيف) يظهر ذلك من مجموعاته الشعرية. أمّا دواوينه فهي:
1 - (بواكير)، قصائد طغى عليها الحب والغزل. ولكنه نظم في الرثاء ايضاً متأثراً بأمير الشعراء أحمد شوقي وإيليا أبو ماضي والأخطل الصغير.
2 - (خيمة في وجه الأعاصير). وهي مجموعة شعرية سياسية تنضح بشعر التجوال والحنين والغربة.
3 - (انشودة الحقد)، وهي اربعة عشر مقطعاً وقصيدة على وزن الخفيف. وموضوعها الثأر لقضية فلسطين.
4 - (جراح تغني) صدرت في ديوان سنة 1960.
5 - (أغنية النهاية). قوامها ثماني عشرة قصيدة نظمت بعد سنة 1963.
وقد نشر د. سهيل سليمان في (هذه الأعمال الشعرية الكاملة) عدداً من القصائد التي لم تكن نُشرت في حياة كمال ناصر، وهي قصائد نظمت في مناسبات مختلفة حصل عليها الدكتور سليمان من عدة مصادر من (ارشيف مركز الابحاث الفلسطينية) وغيرها من المراجع الموثقة.
مفهومه للشعر:
يقول كمال في مفهومه للشعر:
(لست ممن يؤمنون بالتقعر والجهد العظيم للوصول الى شيء ما، ولست أعلم لماذا أتوخى السهولة وأبحث عنها في كل شيء، فأنا أبحث عنها في العيش والتحصيل، حتى وفي الحب أحياناً. وهكذا فقد رضي عني عقلي المتواضع وحاول ان يسعفني في تعليقي السهل عن الشعر كما أفهمه وكما أحسه، وكما يتراءى لي. ولكم ان تعتقدوا ما شئتم في تسلسل تفكيري ومنطقي، ولقد تعجبون ويعتقد البعض الآخر انني أُحدث نظريات في الشعر، وانني أتفوّه الدرر وأنقضُ كل ما قاله المفكرون والشعراء في الشعر... ولكنني أؤكد لكم انني لست بالباني ولا بالهادم، وإنما أنا شخص أتكلم عمّا يختلج في ذهني من مدلولات تعبر عن رأي نزيه كلّ النزاهة. بعيد كل البعد عن التطرف والإسراف).
وفي تحديده لمفهوم الشعر يقول متسائلاً:
ما هو الشعر؟.. لو تعلمون كم من إنسان حاول ان يعرّف الشعر ويحدّده، وكم من إنسان حاول ان يهوّل من الأمر، ويتقعر فيه. فمِن قائل ان الشعر هو هذه الأحاسيس التي تختلج في قلب الشاعر فيعبّر عنها بالشعر. إن الشعر حاسة خاصة بالشعراء فقط ينفردون بها
دون غيرهم من الناس. وأنا بهذا لا أعرّف الشعر كما قد يتبادر الى أذهان البعض، وإنما أعيد وأقول إنه حاسة سادسة خاصة قائمة على الشاعر، والحاسة في حدّ ذاتها لا تعرّف.. ان الشعر حاسة فطرية في الشاعر لا يمكن ان نعرّفها التعريف الوافي لأن تعريفنا لها يكون ناقصاً أشدّ النقص. وهكذا يبقى الشعر لفظاً نحسُّه. واقول في نهاية الحديث عن الشعر هذين البيتين:
الشعر صعبٌ وطويـل سلَّمُه إذا ارتقى فيه الذي لا يَعلمُـه
زلّتْ به الى الحضيـض قَدَمُه يريـدُ أن يُعربَـه فيعجمُـه
ويقول الناشر (دار العودة) عن اسباب طبع هذه الأعمال الشعرية الكاملة: (قبل استشهاده بأيام قليلة طلب الى الناشر - الذي كانت تربطه به صداقة - أن يقوم بطبع ديوانه بعد موته، وقال له: إيّاك ان يكون أقلّ حجماً او اقلّ مستوى من ديوان محمود درويش أو السيّاب... وسأله الناشر ان يكتب شيئاً عن تجربته الشعرية على غرار ما طلب من سائر الشعراء الذين طبعت أعمالهم الشعرية الكاملة. فرد كمال: لقد كتبت مقاله بعنوان (كيف أفهم الشعر؟).
وبعد أيام استشهد كمال ناصر بايدي (الكوماندوس الاسرائيلي) في محلّ سكنه في شارع فردان. وقد أفرغوا رصاصهم الآثم في جسده الطاهر، ثم جعلوه على شكل صليب، وأطلقوا رصاصات على فمه كأنهم يقولون انهم أسكتوه الى الأبد.
دار العودة، من قبيل واجبها ووفاء بوعدها للشهيد، ترى ان تطبع (أعماله الشعرية الكاملة). وقد أضاف الدكتور سهيل سليمان الكثير من (الشعر المجهول) غير المطبوع أصلاً، الى هذه الطبعة، وبالتقديم لها باعتباره قد تابع اعمال الشهيد الشعرية والنثرية عبر أوسع ميادينها وأوفى مصادرها ومراجعها. وله في سيرة كمال ناصر كتاب: (كمال ناصر الإنسان والاديب والشاعر والسياسي) مؤلف قيم ونفيس).
نعود الى الديوان...
يقول كمال ناصر المناضل في قصيدة (بعيداً عنك يا وطني):
بعيداً عنك يا وطني
بعيداً لا يؤرقني سواك
وليس سواك يشغلني
إذا عصفت جراحاتي
أطوف على خيالاتي، وليس سواك يحملني ويدفعني
إلى أمسي،
الى ذاتي
فألمح فيك مأساتي،
وأحرق دونها سفني
وقال في (مخاطبة الشعب):
يـا أيها الشعب لا تيأس ولا تنمِ
إنَّ البطـولة أن نحيا من العدمِ
فثورة الشعب ما سارت طلائعها
إلاّ على الجوع والحرمان والألمِ
وهكذا يمكننا القول في كمال ناصر انه كان شاعراً في الطبقة الأولى، فنظم بوجدانه أعذب الشعر، وخاصة الوجدانيات والاخوانيات والرثاء وكان فيها مجلياً بصورة رائعة. كان المنبع فيه عميقاً.
وصف النكبة فكان فيها مميزاً وكان لها اهميتها الواضحة أدبياً وانسانياً واخلاقياً. كانت الوحدة تسري في عروقه ايماناً مطلقاً. ولقد عبّر عن مكنونات صدره ومشاعره الفياضة بصدق وأمانة وشفافية.
وهو القائل وقد فهم الشعر فهماً صحيحاً:
يا شعر فيك ارقتُ ماء شبابي
لا في الغرام بزينب وربابِ
حسنُ المعاني لا الغواني شفَّني
وأحال في العشرين لون خضابي
أنا من عرفت الشعر أول مرّةٍ
قد بتُّ أعرف ذلتي وعذابي
وفي العاشر من شهر نيسان سنة 1973، عند الساعة الاولى بعد منتصف الليل، أطلقت عليه رصاصات الغدر من قبل كوماندوس اسرائيلي، وصحَّ بذلك ما قاله عن نفسه بأن العدو سيغتاله برصاصه:
ولدت أحمل جثماني على كتفـي
ولدت وا أسفي
لا شأن لي بمجيـئي أو بميلادي
انا ضحيـّة تاريـخي وأصفادي
اللعنة، اللعنة الكبرى تطـاردني.
* الاعمال الشعرية الكاملة، لكمال ناصر، تقديم د. سهيل سليمان، دار العودة، بيروت، في 490 صفحة، من القطع الصغير، جلّد تجليداً فخماً.