أرهقني هذا الشاعر

ريم نجم قرأها 5
 

أرهقني هذا الشاعر

 ريما نجم


من عادتي حين يستوقفني كتاب أو كاتب، ويتمكن من استدراجي الى عالمه الغرائبي الخاص، أن أسْتَلّ أقرب قلم، لأنقل تفاصيل رحلتي على أقرب ورقة، لأُشركها وقارئيها من ثمُّ، بما اقترف القلب من جمال!

ويوم تكون نُزهتي او استجمامي او معركتي مع شاعر أو مجموعة شعرية يختلف الأمر قليلاً او كثيراً، تكون الوتيرة أعلى والاستنفار في أوْجِهِ... وتغدو الأحاسيس مُدبّبة متأهبة للحبّ أو للحصار... آنذاك، أنقل ما أمكن نقله من تفاصيل أو مداخل رئيسية، من ورق ملتبس الى ورق متلبّس... أصغي الى إيقاعات الروح وأعزف انطباعاتي الخاصة، وما قد يَنطبع في مخيّلات ذوّاقة الشعر مطلع القرن الواحد والعشرين! أضيء جوانب ونواحي، وأظلّل أخريات... أحاول الوصول الى القّاع، والمشاركة في القراءة والاستقراء، إعادة القارئ الى لحظة الخَلق، بتوقيت صائِب أو ربما يمكن أن يكون، أو بشبيه له، أو ببديل منطقي على الأقل! ومن عادتي أن أقتطف أو أقطف أو أغرف ما أحسبه الأجمل والأشدّ وقعاً وإيقاعاً كشواهد وشهادات على ما قُلت أو يُمكن أن أقول...

غير أنّي مع الدكتور منيف موسى، أو مع (كتاب أميرة) أو ما سبق هذا الإنشاد، أجدني أخرج عن عادتي وعليها، بل أخرج عن طوري... ذلك أنني أمام حالة شعرية مختلفة، جديدة، مباغتة، متداخلة في الزمان والمكان... لا مكان فيها للتدخل الخارجي أو للمداخلات... العطاء الشعري عند منيف موسى جمر مشتعل في حركة الشعر الحديث، وعطاؤه الشعري عبر دواوينه المتلاحقة المتتابعة الصدور، له مذاقه الخاص وسِمَتُه المتفرّدة، له لغة شعرية من الجمال والبهاء لا تختلط بغيرها، تتميّز بمعجمها الشديد الخصوصيّة، ونبضها الحار المنسكب، وإيقاعها الآسر والقوي والمؤَثّر، فللشاعر طقس كامل متكامل لا يمكن تجزيئه أو تبويبه أو تفريعه، اذ تنغلق دائرته الشعرية على شعاعات من شمس الأفق البعيد، نقاربه ولا نصل اليه أبداً، ونغمس فيه الروح والأشواق...
ولا أحسبني أُبالغ اذا قلت إنّ النقّاد الأدبيين سيعانون كثيراً يوم يقرّرون تحليل شعر (موسى)، ووضعه على كرسيّ النقد، أو كرسيّ الاعتراف أو الإنكار!! بفعل فاعل... بسحر ساحر بشعر شاعر، يملك منيف موسى أن يُقُلِّكَ بِعربة الحدس الى عالمه الشعري الشديد التكثيف والتركيز مع معجم تندى كلماته بأرواح العشاق الكبار، ويمضي بك الشاعر وأنت هائماً ومرفرفاً دون ان تعارض او تعترض، يُسمعك ما كنت تودُّ سماعه من زمن أو ما كنت تحلم بسماعه! يستعرض أمامك فروسيته اللغوية والحسيّة. ينقلك بين العشق والتاريخ... يُقنِعُكَ بأسطورة على أنها واقعة موثّقة، وبالواقعة على أنها أسطورةٌ من نسج ملتبس، أو مُعَافَى باذن الله!

يَبوح، ويحدثك، كأنه يعرفك من قديم الزمان، بلا تكلّف أو حيطة او حذر... يروي لك ما جرى معه من أحداث وهو مستغرق في نَشوَته، فتظن بادئ الأمر، انها لا تعنيك من قريب أو بعيد...

وفجأة تَنْشدُّ وتتدخل، وتحاول الاستفسار أو حتى الهجوم وربما الانحياز! وهو لما يزل يتمتم!! تحسّه عاشقاً حيناً، متصوّفاً أحياناً، ساخراً هنا، وأكثر سُخرية في مواقع أخرى... وهنا تكمن رصانة الشعر وجدّيَتِهِ وجِدَّتِه! فهو يطرح فلسفته في الحياة.

الحالم القاطع في قلمه، كمن يطرح رقماً من رقم يواجه، كأنه يتهم ابنه الصغير بأنه أخفى ورقة امتحانه قد تُحس انك تخالفه في الرأي، لكنه لا يُنصت اليك اذا أردت الكلام، فالأمرُ محسوم وما كُتبَ كُتبْ...

منذ (الديوان) حتى (كتاب أميرة)، ليس في شعره قصائد مستقلّة منفصلة، وإن فُصِلتْ بعناوين شكلية! فشعره قصيدة واحدة، بل ملحمة واحدة بلا مقاطع ولا تقطيع! من هنا تأتي الصعوبة، بل الاستحالة في اقتطاع شواهد من نَصّه، لان في ذلك تجنياً على النص وتعدياً على الشعر وظلماً للشاعر!
د. منيف موسى ضرورة شعرية، ولم يَكتب يوماً لضرورة الشعر!...

وللشاعر المنيف أقول:

تغنيـه بــوحا ولا تدّعـي           بجـوهر شعر الى الأوسـع

وصلتَ وخيّمتَ  ذات شفـقٍ           وكان سِـواك  يجدّ السعـي

قرأتك  والأفق نَبضُ شعـاع            كأن البـلاغة  تَلْهَجُ معـي!

 

* لمناسبة صدور كتاب شعري جديد للدكتور منيف موسى بعنوان (كتاب أميرة)

عن صحيفة الأنوار اللبنانية