الذاكرة وأهمية التوثيق

د. نزار عيون السود قرأها 6
 

الذاكرة وأهمية التوثيق

د. نزار عيون السود

مقدمة:

قبل الحديث عن نكبة 1948، وعن ذاكرتها الجماعية ذات الأهميةالحيوية بالنسبة للشعب العربي عامة والشعب العربي الفلسطيني خاصة، والتي تعنيالمحافظة على الحقوق واستحضارها، وحفظها وتذكرها ونقلها من جيل لآخر، لا بد منالحديث، ولو بصورة موجزة، عن الأداة التي تمكننا من المحافظة على الذاكرة الجماعيةللنكبة، وعن وسيلة نقلها من جيل لآخر، ألا وهو التوثيق، وعن الذاكرة الجماعيةومفهومها وأهميتها، وتحديدا ذاكرة النكبة.‏

التوثيق – نشأته، تعريفه وأهميته:‏

-      الدراسات الفلسطينية للذاكرة الجماعية:‏

رغمصدور عدد كبير من الدراسات الفلسطينية، وغير الفلسطينية التي تتحدث عن الذاكرة الفلسطينية، وتحديداً، ذاكرة النكبة، غير أن المكتبة الفلسطينية لا تزال تعاني نقصاملحوظا في هذا المجال، لا سيما أن قسماً كبيراً من هذه الدراسات الصادرة اقتصر علىالمقالات والسير الذاتية والأعمال الوصفية التي تناولت حياة الفلسطينيين قبل اللجوءوفي المخيمات. غير أن هذا لا ينفي أبداً وجود دراسات علمية وتاريخية فلسطينية هامةتسجل الذاكرة الجماعية الفلسطينية للنكبة من خلال الرواية الشفوية للاجئينالفلسطينيين سواء أكانوا في الوطن أم في الشتات، وفيما يلي أهم هذه الدراسات:‏

1.                تعد دراسة نافر نزال بعنوان «الخروج الفلسطيني من الجليل في العام 1948» دراسة رائدة في هذا المجال. فقد حاول الباحث التعرف على الأسباب الحقيقية التي دفعتالفلسطينيين في منطقة الجليل إلى مغادرة مدنهم وقراهم، وذلك ردا على الروايةالصهيونية الملفقة التي ادعت أن القادة العرب هم الذين أمروا الفلسطينيين بالخروج. وقد حاولت هذه الدراسة تسجيل الذاكرة المتعلقة بلحظة الخروج من منطقة الجليلوالظروف والمتغيرات والقوى التي أدت إلى تهجير الفلسطينيين من قراهم (12).

2.                ‏مشروع «توثيق القرى الفلسطينية المدمرة» وهو المشروع الذي أسسه مركز أبحاث جامعةبيرزيت، بإشراف الدكتور شريف كناعنة، وقد صدر عن المركز عدد من الكتيبات التي حاولتاسترجاع ذاكرة (24) أربعة وعشرين قرية فلسطينية مدمرة. وتتكون محتويات هذه الكتيباتمن «مواد أولية قدمها رواة من أهل هذه القرى وتم تدوينها وتبويبها وربطها بطريقةعلمية، تحفظ للأجيال القادمة صورة حية ومباشرة عن أسلوب الحياة في القرى الفلسطينيةفي النصف الأول من القرن العشرين». وقد كان الهدف الأساسي من هذه الكتيبات، ومن هذاالمشروع تسجيل الذاكرة الجماعية لهذه القرى المدمرة، وتسجيل وتوثيق تاريخ شفوي لهذهالقرى المدمرة التي لم يعد لها أي وجود أو آثار مادية تدل عليها، وكما قال د. كناعنة: «فبعد سنوات قليلة سيكون السكان الذين هجروا من تلك القرى وهم في سن النضج،قلة نادرة وسيصعب العثور عليهم، ومع هذا الجيل ستضيع المعلومات عن تلك القرى وستصبحمجرد أسماء على الخرائط القديمة». وقد ساهمت هذه السلسلة من الدراسات والكتيبات «القرى الفلسطينية المدمرة» في زيادة الاهتمام بالرواية الشفوية من أجل توثيقالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في فلسطين في سنوات النكبة وما قبلها،وتوثيق الأحداث العسكرية التي واكبت النكبة وأدت إلى اقتلاع الفلسطينيين منديارهم.

3.                  دراسات الباحثة روز ماري صايغ عن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وبخاصة دراستهاللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان عام 1980: «الفلاحون الفلسطينيون: من الاقتلاعإلى الثورة»، ودراستها للنساء الفلسطينيات بعنوان: «نساء المخيمات الفلسطينية: رواةللتاريخ». وتقول الباحثة في معرض شرحها للهدف من هذه الدراسات: «يمكن اعتبار كتابةتاريخ القرية والمدينة والمخيم في السنوات الأخيرة محاولة لاستعادة هذه الأمكنةالتي اختفت فعلياً بسبب الهدم أو النسيان ولو استعادة نصية. وهذه المحاولة تخلقمكانا لتجارب اللجوء التي كان من الممكن أن تمحى كليا مع التركيز على أهمية دورالنساء في رواية التاريخ بصفتهن عنصرا غنياً في التاريخ الوطني وحذفه سيترك تاريخناناقصاً وعاجزاً عن شرح استمرار نضال الشعب الفلسطيني بالرغم من كل شيء».‏

4.                  بعض الكتب والدراسات التي صدرت عن بعض أبناء القرى المدمرة، كأن يكتب الباحث عنقريته. ومن هذه الدراسات دراسة الباحث يعقوب أبو غوش عن قريته «عمواس»، التي صدرتضمن سلسلة القرى المدمرة، التي يصدرها مركز دراسة وتوثيق المجتمع الفلسطيني فيجامعة بيرزيت، ودراسة محمد أبو فضة عن قريته «عجور».‏

5.                  الدراسات التي يصدرها مركز اللاجئين والشتات الفلسطيني (شمل) ضمن إطار سلسلةالتاريخ الشفوي الفلسطيني. ومن بين هذه الدراسات نشير إلى دراسة الباحث عبد الفتاحالقلقيلي بعنوان «الأرض في ذاكرة الفلسطينيين: اعتماداً على التاريخ الشفوي في مخيمجنين». وقد حاول الباحث في هذه الدراسة تسجيل الذاكرة الشعبية عن الأرض الفلسطينية،بالاعتماد على ذاكرة الرواة الذين قابلهم. ونشير هنا أيضا إلى الدراسات التي أجراهاالباحث د. عادل يحيى التي اعتمدت هي الأخرى على الرواية الشفوية الفلسطينية .‏

6.                  دراسات تتعلق بالحركة الأسيرة: صدرت مجموعة من الدراسات والمقالات حول الحركةالأسيرة، العربية عامة والفلسطينية خاصة، في سجون الاحتلال الإسرائيلي. ولعل من أهمهذه الدراسات، الكتاب الذي أصدره الأسير السوري سيطان نمر الولي بعنوان «سلالالجوع: الخيارات في صراع الإرادات»، وقد نشر الكتاب في رام الله، كمخطوط، وقدم لهد. المتوكل طه، وعرف به الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، وسيصدر قريبا عن وزارةالثقافة السورية. والكتاب هذا فريد من نوعه، فهو أولاً بقلم أسير سوري أمضى- ولايزال – في السجون الإسرائيلية أكثر من عقدين من الزمان، وهو يجسد وحدة الحركةالأسيرة العربية، للقابعين في السجون الإسرائيلية من مختلف الأقطار العربية. ويتناول الكتاب بالسرد والتحليل العلمي الإضراب عن الطعام الذي قام به الأسرىالعرب، والفلسطينيين خاصة، عن الطعام في شهر آب 2004، في عدة سجون إسرائيلية. ويتناول المؤلف أحداث الإضراب، يوما بيوم، ومقدماته ودلالاته ونتائجه، والقمعالوحشي لهذا الإضراب من قبل إدارة السجون الإسرائيلية، ولجوئها إلى القوة والخديعة،والكذب والدهاء، والحرب النفسية، من أجل إفشاله وإنهائه ووضع حد له. كما يقومالمؤلف بتحليل عملي للأسباب التي أدت إلى فشل هذا الإضراب.‏

7.                  الرسائل الجامعية ورسائل الدراسات العليا للطلبة وطلبة الدراسات العليا الفلسطينيينفي الجامعات العربية والفلسطينية، وبخاصة طلبة أقسام علم الاجتماع، التي سدت ثغرةكبيرة في الدراسات الفلسطينية العلمية الجادة لذاكرة النكبة. ونشير بهذا الخصوص إلىدراسة طالب الدراسات العليا في جامعة بيرزيت – قسم علم الاجتماع الباحث تيسير محمودعيسى عمرو بعنوان «قرية بيت جبرين في الذاكرة الفلسطينية (2007). وقد كان الهدف منهذه الدراسة هو الوقوف على مخزون الذاكرة الجماعية عند ثلاثة أجيال من اللاجئينبدءا بجيل الآباء أو ما يعرف بجيل النكبة ومرواً بجيل الأبناء ثم جيل الأحفاد،وقياس أثر بعض المتغيرات المستقلة على مخزون الذاكرة الجماعية عند اللاجئين كمستوىالتعليم، والفئة الاجتماعية، ومكان السكن، والتعرف على الأطر والقنوات التي تتم منخلالها عملية انتقال وتوريث الذاكرة الجماعية من جيل إلى آخر وأثر بعض المتغيراتالمستقلة على عملية الانتقال والتوريث هذه والقنوات المستخدمة في ذلك. وقد أظهرتنتائج هذه الدراسة أن الرواية الشفوية كانت هي القناة المركزية من بين القنواتالأخرى التي يجري من خلالها انتقال الذاكرة بين اللاجئين. كما أظهرت هذه النتائجأثر القنوات الأخرى – وإن كان بدرجة أقل من الرواية الشفوية – في انتقال الذاكرةالجماعية بين أجيال اللاجئين الفلسطينيين مثل التراث الشعبي، وزيارة القرية برفقةالآباء، والإطلاع على الكتب التي تتحدث عن القرى المدمرة، ووسائل الإعلام، واقتناءبعض الوثائق وخاصة المتعلقة بملكية الأرض (الطابو). كما أظهرت نتائج هذه الدراسةوجود فروق جوهرية بين الأجيال الثلاثة (الآباء والأبناء والأحفاد) في غالبية محاورالذاكرة الجماعية التي جرى التركيز عليها، حيث تميز جيل النكبة بمخزون كبير منالذاكرة الجماعية مقارنة بالأجيال اللاحقة. وقد انطوى هذا المخزون على الكثير منالقصص، والصور، والدلالات، والمعرفة، والتسلسل في سرد الأحداث، وفي المقابل تراجعهذا المخزون بشكل ملحوظ، كما ونوعاً، بين اللاجئين من الجيل الثاني (الأبناء)، وانخفض مخزون الذاكرة الجماعية عند الأحفاد، بحيث ظهرت فروق جوهرية بينهم وبينالأبناء (15).‏

لقدبينت هذه الدراسات، والدراسة الأخيرة بصورة خاصة ،أهمية إجراء الدراسات العلميةالمنهجية المنظمة التي تتناول مخزون الذاكرة الجماعية لدى أجيال اللاجئينالفلسطينيين والأطر والقنوات التي تنتقل من خلالها هذه الذاكرة عبر الأجيال. كمااتضحت من خلال هذه الدراسات الأهمية الكبيرة لأن تشمل هذه الدراسات اللاجئينالفلسطينيين في مختلف مناطق اللجوء والشتات وان لا تقتصر على مناطق بعينها.

-      ذاكرة النكبة الجماعية والتاريخ‏

لقدكان المؤرخ اللبناني قسطنطين زريق أول من استعمل مصطلح «النكبة» لوصف أحداث عام 1948، وذلك في كتابه «معنى النكبة» الذي صدر عام 1948، وهي السنة التي طرد فيهاالشعب الفلسطيني من بيته وأرضه وخسر وطنه لصالح إقامة الدولة اليهودية – دولةإسرائيل -. وقد قصد زريق بالنكبة تهجير الفلسطينيين وهدم معظم معالم مجتمعهمالسياسية والاقتصادية والحضارية. وتشمل أحداث النكبة: احتلال معظم أراضي فلسطين منقبل الحركة الصهيونية والميليشيات اليهودية المسلحة بالتواطؤ مع بريطانيا، وطرد مايربو على 750 ألف فلسطيني من ديارهم ومدنهم وقراهم، وتحويلهم إلى لاجئين. كما تشملأحداث النكبة عشرات المجازر والفظائع وأعمال النهب ضد الفلسطينيين، وهدم ما يزيدعلى 500 قرية وتدمير المدن الفلسطينية الرئيسة وتحويلها إلى مدن يهودية، وطرد معظمالقبائل البدوية التي كانت تعيش في النقب، ومحاولة تدمير الهوية الفلسطينية، ومحوالأسماء الجغرافية العربية وتبديلها بأسماء عبرية، وتدمير طبيعة البلاد العربيةالأصلية من خلال خلق مشهد طبيعي أوروبي.‏

إنناعندما نتحدث عن نكبة 1948، وعن ذاكرتها الجماعية فإننا نتحدث عن:‏

- 531 مدينة وقرية فلسطينية تم تهجير سكانها الفلسطينيين منها وتم تدميرها‏

- 750 ألف فلسطيني طردوا بالقوة من ديارهم.‏

- 17,178,000 دونم صادرتها إسرائيل من الفلسطينيين عام 1948.‏

- قتل 15000 فلسطيني أثناء النكبة‏

- أكثر من (30) ثلاثين مذبحة «موثقة» ارتكبها اليهود بحق الفلسطينيين عام 1948 .‏

- تحول 70 % من الأراضي التابعة للسكان الفلسطينيين إلى الأيدي اليهودية – الصهيونيةبين 1948 وأوائل الخمسينات .‏

- تحول 50 % من الأراضي التابعة للسكان الفلسطينيين الذين بقوا في أراضيهم داخلإسرائيل إلى الأيدي الإسرائيلية خلال الأعوام 1948- 2000.‏

- مايقارب 75 % من مجمل تعداد الفلسطينيين يقيمون قسرا خارج حدود فلسطين التاريخية.‏

- تشريد شعب وإحلال شعب آخر مكانه.‏

هذاغيض من فيض، وباختصار عندما نتحدث عن نكبة فلسطين عام 1948، نتحدث عن جريمة لا مثيللها في التاريخ الحديث، نتحدث عن اجتثاث شعب كامل من دياره وتهجيره عام 1948، علىأيدي اليهود الصهاينة، حيث هاجمت أقلية أجنبية الأكثرية الوطنية وطردتها من ديارهاومحت آثارها العمرانية، وذلك بتخطيط مسبق ودعم سياسي وعسكري ومالي من الغربوالصهيونية العالمية.‏

-                 مكونات الذاكرة الجماعية الفلسطينية:‏

تعدالذاكرة الجماعية بمثابة بناء يساهم في تكوينه وتشييده عناصر ومكونات كثيرة،أهمها:‏

أ- اللغة: فاللغة هي من أهم العناصر المكونة للذاكرة الجماعية. وعندما نسمي اللغة نقصدبها النص اللغوي المكتوب والمقروء والمحكي، كما نقصد بها الذهنية وطريقة التفكيرالتي تشكلها هذه اللغة لدى أبنائها ولدى الناطقين بها. والنص اللغوي، وبصرف النظرعن شكله، يشتمل على دلالات ورموز ومفردات وصور ومجازات تدخل بشكل أساسي في تكوينالذاكرة. فاللغة «هي مستودع الذاكرة الجماعية» – كما يقول الباحث إلياس خوري ( 18). وهذا يعني أن عملية بناء الذاكرة الجماعية وإنعاشها تتطلب في الوقت نفسه عمليةإحياء النصوص اللغوية، التاريخية والتراثية منها والحديثة والمعاصرة، وخاصة منها مايتعلق بالأدب، من شعر وقصة ورواية، والفلكلور، والتاريخ، والثقافة وكل ما يعكسالواجهة الثقافية للأمة .‏

هناكعلاقة جدلية وثيقة بين اللغة والذاكرة الجماعية. فعملية إنعاش الذاكرة تتضمن إعادةالاهتمام باللغة التي تعتبرها الجماعة لغتها القومية ولغتها الأم. وإن إحياءالموروث اللغوي، من نصوص أدبية ودينية وتاريخية واجتماعية وثقافية وفكريةوفلكلورية، يعزز بلا شك من قوة الذاكرة الجماعية وإمكانية انتقالها عبر الأجيال. فالذاكرة واللغة هما من أهم العناصر المكونة للهوية القومية لأي جماعة بشرية.‏

ب – التراث الشعبي: إن ما تتناقله الأجيال من مأثورات شعبية، وأشعار شعبية، وفولكلور،وقصص وحكايات وشعبية وأمثال وحكم، وروايات تاريخية شفوية، تعد من المكونات الضروريةللذاكرة الجماعية، لما تنطوي عليه من أفراح ومسرات وآلام مشتركة وخبرات وصورتاريخية وأحداث وأبطال وأشخاص وعظماء تطبع بطابعها أبناء الأمة الواحدة والشعبالواحد والجماعة الواحدة. وهذا التراث الشعبي، كما يقول الباحث سيمون روجر «بمثابةفعل مقصود يحاول تشكيل الذاكرة الاجتماعية».‏

ج- العادات والتقاليد: وهي تشمل كافة الطقوس والتقاليد والعادات المرتبطة بمختلفالمناسبات الاجتماعية والدينية والتاريخية والقومية والوطنية، والأعياد ،وإحياءالمناسبات الوطنية والقومية والتاريخية، والاحتفالات التقليدية وغيرها، فهذه كلهاتساهم مساهمة كبيرة في تكوين الذاكرة الجماعية وفي إنعاشها، لما تنطوي عليه من رموزودلالات ذات تأثير كبير في عقلية الجماعة وسلوكها وأخلاقها. وعلى سبيل المثال، إنإحياء ذكرى النكبة التي يحرص الفلسطينيون والعرب عامة على التذكير بها كل عام،وتنظيم الأنشطة الإعلامية والثقافية والسياسية بهذه المناسبة يساهم في إحياء وترسيخذاكرة النكبة في نفوس الفلسطينيين، ورفد ذاكرتهم الجماعية بالصور التاريخية لهذهالكارثة التي حلت بالشعب الفلسطيني. ومن خلال هذه الأعمال والأنشطة التذكيرية يمكنللاجىء الفلسطيني الإبن والحفيد، الذي لم يقدر له أن يعيش الحدث، أن يتخيلهويتصوره، حيث تتشكل في ذاكرته مجموعة من الصور والتخيلات والانطباعات والأفكار حولالأحداث المأساوية التي عاشها آباؤه وأجداده ،كما تساعد هذه الأعمال التذكيريةوالأنشطة الاحتفالية بذكرى النكبة أولئك الذين عاشوا النكبة أو شاركوا في أحداثهاعلى نفض الغبار عن هذه الذكريات والصور التي سكنت ذاكرتهم منذ تم اقتلاعهم منديارهم وتهجيرهم.‏

إنالنكبة تحتل المكان الرئيس في الذاكرة الجماعية للاجئين الفلسطينيين، وبالتالي فإنإحياء ذكراها له من الأهمية الكبيرة لا في تكوين الذاكرة الجماعية فحسب، بل وفيإنعاشها وترسيخا وانتقالها وتوريثها للأجيال القادمة.‏

-                   انتقال الذاكرة الجماعية وتوارثها عبر الأجيال:‏

إنانتقال الذاكرة الجماعية، من جيل لآخر، يتم بطريقتين:‏

-       بطريقة لاواعية، لا شعورية، وذلك عن طريق اللاشعور الاجتماعي واللا شعور الجماعيالذي تحدث عنه كل من العالمين النفسيين آلفرد آدلر، وكارل يونغ بصورة خاصة، وذلك منخلال آليات نفسية كالتقمص والتماهي التي يمارسها الصغار حيال الكبار (الأبناء تجاهالآباء)، عندما يقلدونهم ويتقمصون شخصياتهم في كثير من المواقف، وبخاصة المواقفالعاطفية القوية المؤثرة، التي تمس بكيانهم وهويتهم، وانتمائهم. وقد أشار الباحثمحمد دكروب إلى ذلك بقوله: «إن تعاقب السمات الحضارية عبر التاريخ الطويل يمكن أنيتم بطريقتين: إما بشكل إرادي وواع، نتيجة التأثير الذي يمارسه كل جيل على أفرادهبواسطة التربية على سبيل المثال، وإما بشكل تلقائي لا إرادي بواسطة الذاكرةالجماعية». وهذا ينطبق على منظومة القيم والعادات والتقاليد، التي تعد من أهممكونات الذاكرة الجماعية، حيث يتم انتقال بعض ما تختزنه الذاكرة من خلال توارثوانتقال هذه العادات والتقاليد، وكذلك الحكايات والأقاصيص والأغاني والأهازيجوالأناشيد التي يرددها ويرويها الآباء فتنتقل إلى الأبناء والأحفاد، بصورة عفويةتلقائية، كتعبيرعن رفضهم للواقع المعاش، وكمحاولة لتذكير أبنائهم وأحفادهم بماضيهمالأفضل، عندما كانوا في أوطانهم وديارهم، وكانوا يملكون الأرض ويزرعونها، وهي حالةنكوصية مرتبطة بالصدمة التي تعرض لها الفلسطينيون بعد النكبة.‏

إنهذه الأشكال اللا شعورية واللا واعية من انتقال الذاكرة الجماعية قد تتأثر ببعضالمتغيرات التي يمكن أن تنعكس على قوة الذاكرة وقدرتها على الانتقال عبر الأجيال. فالعادات والتقاليد ليست بمنأى عن التغيرات والتحولات والتبدلات، مع مرور الزمن،التي يمر بها المجتمع أو الجماعة ككل.‏

-       بطريقة واعية، إرادية، شعورية، مقصودة: حيث يتم استحضار جزء من الذاكرة الجماعيةوإنعاشه، بصورة واعية مقصودة، وذلك من خلال آليات تضمن انتقال هذه الذاكرة إلىالأجيال المتعاقبة، وذلك من خلال توظيفها لأهداف معينة، يسعى الفلسطينيون إلىتحقيقها، كما أشار إلى ذلك الباحث الفلسطيني إدوارد سعيد (21). وأشار إليه الباحثغروس، باعتبار أن «استحضار الماضي وإعادة توظيفه في الحاضر عامل مهم وأساسي فيتماسك الجماعات والهويات» (22). وهذا ما يتجلى من خلال وسائل الإعلام الجماهيريالموجه، والتوجيه التربوي والتنشئة السياسية.‏

إننالا ننكر، بالطبع، وجود بعض الأطر والمؤسسات الفلسطينية، المنبثقة عن الأحزابوالتنظيمات الفلسطينية، التي أدركت هذه الحقيقة، ومسؤوليتها في توظيف مخزون الذاكرةالجماعية من أجل تحقيق الأهداف الفلسطينية الوطنية، المتمثلة بتحرير الأرض المحتلةوعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وإعادة توثيق عراهم بوطنهم وأرضهم، فراحتتؤسس المنظمات الإعلامية والتربوية، وتنظم الأنشطة والفعاليات الوطنية والشعبيةالتي يمكن أن تساعد في انتقال الذاكرة الجماعية الفلسطينية إلى الجيل الناشىء. وتتجلى هذه الأنشطة والفعاليات في إحياء بعض المناسبات والتذكير بالأحداث الوطنيةوالثورات الفلسطينية، وأبطال الثورة والمقاومة الفلسطينية وشهدائها، وبالمجازروالمذابح التي ارتكبها العدو الصهيوني. غير أن هذه الفعاليات تبقى مرتبطة بأياممعينة محدودة من السنة، ولا يمكن أن ترقى إلى عملية تواصل مستمر، وانتقال علميمنهجي للذاكرة الجماعية عبر الأجيال.‏

إنواقع وجود هذه الأطر والمؤسسات الفلسطينية المهتمة بانتقال الذاكرة الجماعيةالفلسطينية لا ينفي وجود بعض التقصير في هذا المجال. وللدلالة على ذلك، يكفي أننستشهد بالباحث د.جوني منصور، الذي تناول موضوع إحياء ذكرى الهلوكست في أذهانالإسرائيليين واليهود، وذكر في إحدى دراساته، أن إسرائيل قد وظفت أكثر من ثلاثةوثلاثين طريقة ووسيلة لإحياء ذكرى الهلوكوست، يتم من خلالها الترويج والتوظيف لهذهالذكرى، على الصعيدين الداخلي والدولي، نذكر منها على سبيل المثال: الكتب والدراساتوالدوريات والصحف والنشرات والأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية وإقامةالنصب التذكارية، والاحتفالات الدورية المنتظمة، وغيرها.‏

ويمكننا باختصار أن نشير إلى أهم المصادر والقنوات والفعالياتوالمؤسسات التالية التي يتم من خلالها التذكير والانتقال المقصود والموجه الواعيللذاكرة الجماعية بين الأجيال المتلاحقة للجماعات الإنسانية المختلفة:‏

أ‌-     التنشئة الاجتماعية: يرى الباحثون وعلماء الاجتماع أن التنشئة الاجتماعية للفردوللطفل، بصورة خاصة، تعد من أهم الآليات والقنوات لنقل ثقافة المجتمع وذاكرتهالجماعية، بما فيها الثقافة السياسية، ومعتقداته وأفكاره ومشاعره إلى الأجيالالمتعاقبة. وهذا ما تمارسه آلية التنشئة الاجتماعية باتجاهين: الأول يهتم بصياغةشخصية الفرد طبقا لنموذج معياري مسبق، وذلك بهدف تعميق منظومة القيم والتوجهاتالشائعة والمستقرة في ضمير المجتمع، مما يضمن ثباتها واستقرارها وديمومتها في نفوسالجيل الناشىء، وهذا ما يتحقق عن طريق آليات التلقين والتوجيه والتكرار، والتقليدوالتقمص. والثاني: تنمية مدركات الفرد وتعزيز قدراته وبناء هويته الوطنية الخاصةبه، وهذا ما يتحقق من خلال مؤسسات التنشئة الاجتماعية وأهمها: 1- كالأسرة، التي تعدمن أقوى مؤسسات التنشئة والتربية والتوجيه وأكثرها تأثيرا على الطفل؛ 2- المدرسةومؤسسات التربية والتعليم العالي فهي ذات أهمية كبيرة في عملية التنشئة الاجتماعيةوالسياسية بشكل عام وإعداد الأجيال الجديدة للمواطنة وتحمل مسؤولياتهم تجاه وطنهموشعبهم. وترجع أهمية المدرسة إلى طول الفترة التي يقضيها الطفل في المدرسة وطبيعةالنظام المدرسي ونط العلاقات السائدة فيه وعلاقة المعلم بتلاميذه؛ 3- المؤسسةالعسكرية، التي تمارس إلى جانب التدريب العسكري للجنود والمقاتلين، عملية تثقيفوطني واجتماعي وتعبئة سياسية، وذلك من خلال ما يعرف في المؤسسات العسكرية باسمالإدارة السياسية أو دائرة التوجيه السياسي والمعنوي؛ 4- الأحزاب السياسيةوالمنظمات الشعبية: التي تساهم في صياغة الثقافة الوطنية والسياسية لأفراد المجتمعمن خلال ثوابتها ومبادئها وعمليات التوعية السياسية التي تقوم فيها، هذا بالإضافةإلى تأثير هذه الأحزاب على الأعضاء المنتمين إليها من خلال غرس توجهات سياسيةوفكرية معينة تتفق مع توجهات الحزب والمجتمع، وتأثيرها على الرأي العام، بالتركيزعلى محطات من الذاكرة الجماعية تساعد في تعزيز الانتماء القومي.

ب‌-الفلكلور كحافظ للذاكرة الجماعية وكحلقة وصل بين الأجيال: يمكننا تعريف الفلكلوربأنه «الإنتاج العفوي الوجداني، المعبر عن مشاعر أبناء الشعب الواحد وعواطفهموأفكارهم وحاجاتهم وضمائرهم. وهو من أهم العناصر الرئيسة المكونة للهوية الجماعيةللشعب أو الأمة. وهو ينتقل من جيل لآخر، بصورة عفوية وبصورة مقصودة في الوقت نفسه. ويمكن تفعيل دور الفلكلور وتوظيفه توظيفاً وطنيا وقوميا من أجل الحفاظ على الهويةالجماعية والانتماء الوطني الفلسطيني.‏

ت‌-تعزيز الهوية الجماعية: ثمة علاقة جدلية تفاعلية بين الهوية الجماعية والذاكرةالجماعية. فالذاكرة الجماعية من أبرز العوامل التي تعمل على تعزيز الهوية الجماعيةوتماسك الجماعة، فهي تجعل الأفراد يعيشون تجاربهم وتجارب آبائهم وأجدادهم بطرقمتشابهة، ويضفون عليها المعاني والدلالات ذاتها. وهذا ما يحصل في مجتمعات الشتات،وعندما تكون هذه الجماعة مهددة بالإقصاء أو التشرذم. فالذاكرة الجماعية، في الحالةالفلسطينية، ترتبط بالعلاقة الوثيقة بالمكان والأرض والجغرافيا، وقد أصبح الحديث عنشجرة الزيتون، على سبيل المثال، رمزاً عظيما للوطن الفلسطيني.

ث‌-التاريخ الشفوي: الذي يعطي صورة عن الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسيةوالاقتصادية لمجتمع ما في مرحلة تاريخية معينة، ويسد بعض الثغرات في التاريخ المسجلوالمكتوب. وهو منهج يعنى بدراسة الماضي، من خلال الكلمة المحكية في الذاكرةوالمنقولة مشافهة عبر عدة أجيال، كما يعنى بدراسة الماضي القريب من خلال رواياتشهود عيان لجيل وأفراد عاشوا هذه الأحداث والتجارب والخبرات.‏

ج‌-  وسائل الإعلام والاتصال والفعاليات: وتتمثل في إصدار الكتب والمنشورات والدراساتوإقامة معارض الصور الفوتوغرافية وإنشاء الأراشيف والمواقع الإلكترونية، وإنتاجالأفلام والمسلسلات والمسرحيات وإقامة النصب التذكارية وإحياء كافة المناسباتالوطنية التي تتعلق بالذاكرة الجماعية الفلسطينية.‏

انطلاقا مما تقدم، فإننا ندعو كافة المسؤولين الفلسطينيين في كافةالمؤسسات والمنظمات والهيئات المعنية إلى بذل المزيد من الجهد من أجل ترسيخ وتثبيتالذاكرة الجماعية الفلسطينية، واعتبار ذكرى النكبة موضوعا مركزياً ومحوراً رئيساً فيعملها وأنشطتها وفعالياتها في أوساط الرأي العام الفلسطيني والعربي والعالمي، والردعلى أبواق الدعاية الصهيونية والغربية، ونشر الحقائق عن هذه النكبة، باعتبارها أفظعجريمة ترتكب في تاريخ البشرية الحديث.‏

ملاحظة: حذفت قائمة المراجع من المصدر (الأسبوع الأدبي)