الأمثال العربية.. ومحاكاة الواقع اللغوية

د. ماجد أبو ماضي قرأها 5
 

الأمثال العربية.. ومحاكاة الواقع اللغوية

د. ماجد أبو ماضي

لم تكن الأمثال العربية مجرد مصادفة، بل قيلت في حوادث ومناسبات محددة، وصاغ الأجداد هذه الأمثال بلغة واضحة معبرة عن الحدث، فجاءت العبارة قصيرة ومكثفة لكنها تتضمن العظة والعبرة والمعنى الكبير الواسع. وللأمثال أهمية عظيمة في أدبنا العربي وتاريخه، فهي ضرب من ضروب الأدب الذي لا يرقى إليه الشك. وقد كانت هذه الكمية الهائلة من الأمثال التي وصلت إلينا مادة الأجيال الطويلة في تجاربها وحكمها. وكان للعربية فيها مادة تتصل بتاريخها القديم، فهي وثيقة نفسية في بناء التاريخ اللغوي وتطوره. وكانت مادة للثقافة العربية في أدوارها المتوالية أيضاً، وكان تصوير المثل غير مقصور على جماعة قليلة من الناس، بل هو صورة لأمة بكاملها. وكان المثل كسائر الألوان الأدبية مادة تعبر عن أحاسيس الناس وخلجاتهم، ومن ثم كان أدباً يكشف عن بيئته بكل صدق.

ولنتتبع بعض أقوال القدماء في المثل، فقد قال ابن السكيت:

المثللفظ المضروب له ويوافق معناه معنى ذلك اللفظ، شبهوه بالمثال الذي يعمل عليه غيره.

وقال غيره:

سميت الحكم القائم صدقها في العقول أمثالاً لانتصاب صورها في تلكالعقول، مشتقة من المثول الذي هو الانتصاب.

وذكر ابن عبد ربه في كتابه العقد الفريد:

إنها وشي الكلام وجوهر اللفظ في كل زمان وعلى كل لسان، فهي أبقى من الشعروأشرف من الخطابة، لم يسر شيء مسيرها ولا عم عمومها حتى الآن.

ومن الممكن تقسيم الأمثال أقساماً عدة بعد دراسة العصر الذي نشأ فيه، والبيئة التي ولدت فيها، وذلك لأن الأمثال لم تسجل تاريخياً، لذلك لا نستطيع الاطلاع على العصر الذي قيلت فيه. فقد جمع الضبي أمثاله دون أن يتبع نظاماً معيناً، وقد تتسلسل عدة أمثال في حكاية واحدة. أما الميداني والعسكري فقد اتبعا في جمعهما الترتيب الهجائي، وهذا التقسيم لا يساعدنا على تعرف البيئة والظروف التي نشأ فيها المثل، إلا في طائفة محدودة من الأمثال، وما يتصل بها من حكايات إشارة إلى قائلها أو قبيلته. وهنا يسهل ضبط العصر الذي أرسل فيه المثل. فإن عدمنا هذه الإشارات التاريخية صرنا في حيرة من معرفة هذه المادة التاريخية. أما حين تفقد هذه النسبة فإن تحديد العصر الذي قيل فيه المثل أمر لا يرتكز على يقين ـ على الأغلب ـ وإنما هي احتمالات تقوى في مثل وتضعف في آخر. ويتم هذا التحديد بما يستشفه الباحث من عناصر العصر التي قد تميزه عن غيره من العصور. ويستند في ذلك إلى التحليل والربط وملاحظة المعطيات والقرائن لتقوية وتغليب احتمال على احتمال آخر، ثم الجزم والبت والاستقرار على الرأي الأرجح والذي تنطبق عليه كل المقاييس.

 وأخيراً أود أن أشير إلى أنه لا بد للباحث اللغوي من الوقوف على الأمثال القديمة، لأنها تعد رافداً هاماً يرفد اللغة بالألفاظ والتراكيب وبصياغة جديدة. فالأمثال مصدر من مصادر اللغة.
 إن مادة الأمثال تكشف عن أنماط مختلفة من المادة اللغوية، إذ يستطيع الباحث أن يصنف منها مجاميع خاصة تتصل بالبيئات المختلفة. فأنت تلمح في مجموعة منها ما يتصل بالبداوة، في حين ترى عدداً آخر منها يتصل بالبيئة الحضرية. وتستطيع أن تلاحظ الصياغة اللغوية التي تنطوي تحتها معان لها إيحاءات خاصة تدل على عادات القوم وأخلاقهم وسلوكياتهم وتقاليدهم، وفي جميع حالاتهم. فنجد أمثلة تصور أوقات السلم والحرب، والفرح والحزن، والجد واللهو، وفي بواديهم وحواضرهم. وهذا العمل لم يفطن له الباحثون في المأثور الشعبي، مما هو معروف في عصرنا هذا (بالفلكلور)، فالأفضل لهؤلاء الباحثين (بالفلكلور) التوجه والاهتمام بالأمثال العربية القديمة، عندها يستطيعون إدراك ما خفي من المعاني التي تخص الحياة التي نعيش الآن.

النور