قوَّات الديمقراطية الأمريكية والصحافة العراقية
كان الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي أحد دعاة تحرير المرأة وهو القائل في ذلك:
مزِّقي يا ابنة العراق الحجابا واسفري فالحياة تبغي انقلابا
وله قصائد أخرى في حب الوطن وافتدائه. وكان الزهاوي (1863 - 1936) واحداً من الذين شغلوا منصب رئيس تحرير أول صحيفة تظهر في العراق، وهي صحيفة "الزوراء" التي خرج أول أعدادها إلى النور في يونيه 1869،ولم يسبقها سوى وريقات عرفت باسم "جورنال العراق" أصدرها الوالي داود باشا وكانت تطبع في مطبعة حجرية. واستمرت "الزوراء" في الصدور نحو خمسين عاماً كاملة إلى أن أوقفتها سلطات الاحتلال البريطاني فور احتلال جيشها للعراق في 11 مارس 1917. وهكذا يعود وجود الصحافة العراقية إلى نحو قرن ونصف القرن، أغلق الاحتلال البريطاني أول صحفها، أما الاحتلال الأمريكي فإنه لا يحاصر الصحف ويغلقها فحسب، بل ويعتقل ويغتال الكتاب والصحفيين العراقيين والعرب والأجانب، وكل من يتجرأ على عرض حقيقة الاحتلال. ولعلَّ البعض مازال يذكر أن الرئيس جورج بوش – حسب ما أعلنت الصحيفة البريطانية دايلي ميرور - كان يعتزم في أبريل 2004 شن هجوم على مقر قناة الجزيرة، كما أن سامي الحاج مصور القناة معتقل منذ أربع سنوات في سجن القاعدة الأمريكية بكوبا جوانتانامو، بينما قتل طارق أيوب مراسل القناة في قصف أمريكي لمقر القناة في بغداد خلال الغزو في أبريل 2003، كما قتلت في فبراير هذا العام الصحفية العراقية، الشاعرة، أطوار بهجت. ومنذ عشرة أيام داهمت قوات الديمقراطية الأمريكية في مدينة تكريت منزل كلشان البياتي الصحفية العراقية مراسلة جريدة "الحياة" اللندنية، وصادرت جهاز الكمبيوتر وأوراقها الشخصية واعتقلتها دون إبداء الأسباب. وفي 13 سبتمبر الحالي اعتقل الصحفي العراقي فاضل البدراني مراسل "العرب اليوم" في مدينة الفلوجة. وفي ظل الاحتلال أصبح اعتقال الصحفيين أمراً اعتيادياً ودورياً، مثلما حدث في يناير هذا العام مع ماجد حميد وعلي عمر، وسمير محمد نور (وكالة رويترز العربية)، ولم يخرجوا إلا بعد شهر من دون محاكمة أو إبداء الأسباب. ومازال الصحفي عبد الأمير يونس حسين (سي بي أس نيوز) رهن الاعتقال. وقد وضع مرصد الحريات الصحفية قائمة بأسماء الصحفيين الذين لقوا حتفهم خلال عملهم والبالغ عددهم مائة وتسعة صحفيّ! من بينهم ياسر صالحي الذي اغتاله قناص أمريكي بينما كان يجري تحقيقاً عن تعذيب المعتقلين داخل سجون وزارة الداخلية العراقية. وإذا كانت قائمة قتلى الديمقراطية الأمريكية طويلة، فإن قائمة المخطوفين ليست قصيرة، إذ بلغ عددهم منذ بدء الاحتلال حتى يناير من هذا العام ثمانية وثلاثين صحفياً. في الوقت ذاته، فإن حملة قوات الديمقراطية الأمريكية لا تقتصر على الصحافة وحدها، فقد تمت تصفية مائتين وخمسين عالماً عراقياً في مختلف التخصصات العلمية بعد الاحتلال. لكن الاعتقال والقتل والاغتيال لم تقف عقبة في طريق الحقيقة التي تثب فوق تلك الحواجز وتنهض أمام الناس صريحة. ولهذا خططت قوات الإحتلال الديمقراطي لشراء الصحف والأقلام لعلها بالترغيب تفوز بما لم تحصل عليه بالترهيب، ومن ثم تم إنشاء وحدة خاصة تسمى "وحدة المهام والعمليات المعلوماتية" تابعة لقوات التحالف للإشراف على تحسين صورة الاحتلال باستخدام الصحافة ووسائل الإعلام. ولجأت الوحدة إلى شركة علاقات عامة ودعاية تسمى "لنكولن جروب" لديها خبرة في تحرير المقالات وترجمتها إلى العربية وتحويلها مع رزمة ضخمة من الدولارات للنشر في الصحف العراقية.
ومع أن المقالات كلها ترجمة لمقالات أمريكية، إلا أن محرري الشركة يصوغونها بشكل يوحي بأن كتابها عراقيون. من تلك المقالات مثلا مقال بعنوان: "رياح الديمقراطية تهب على العراق" نشرته صحيفة الزمان، وفيه هاجم الكاتب المجهول ذلك التشاؤم السائد بصدد "مستقبل بلادنا والطريق الذي اختاره الشعب العراقي بنفسه"! مقالات أخرى، كتبها أمريكيون، وترجمتها شركة "لنكولن" امتلأت بأحاديث للرسول (صلعم) تدعو لنبذ العنف! وقد تباهت شركة "لنكولن" بعلاقاتها مع أكثر من ثلاثمائة صحفي عراقي، لكنها امتنعت عن ذكر أسماء الذين تدفع لهم رواتب شهرية! وكانت صحيفة لوس أنجليس تايمز أول من كشف النقاب عن تلك الفضيحة معتمدة على مقابلات مع مسؤولين عسكريين أمريكيين. وأضافت الصحيفة أن "وحدة المهام والعمليات المعلوماتية" اشترت صحيفة عراقية من بابها، وسيطرت على محطة إذاعة، وقنوات تلفزيونية، كما أنها قدمت رشوة عينية في شكل أجهزة كمبيوتر وآلات تصوير حديثة لعدد من الصحفيين والكتاب لتشجيع: "التغطية الإخبارية الصادقة"! الفضيحة انفجرت في مطلع ديسمبر العام الماضي، وفي 14 ديسمبر ذاته، نشرت صحيفة "يو إس إيه توداي" أن وزارة الدفاع الأمريكية تعد برنامجا سريا يتكلف ثلاثمائة مليون دولار لتحسين صورة أمريكا في العالم العربي عموماً وليس في العراق وحدها. هذه المبالغ هي فقط هي التي تفسر لنا طوفان المقالات المترجمة وكأنها مكتوبة التي تظهر في بغداد والقاهرة، وبيروت، وغيرها عن مزايا الاحتلال خاصة في مجال الديمقراطية إياها.