سعيد عقل، الشاعر، الفيلسوف... (عقل لبنان) وقلبه

د. ناجي نصر قرأها 5
 

سعيد عقل، الشاعر، الفيلسوف... (عقل لبنان) وقلبه

د. ناجي نصر *

1000101055.jpg

انه سعيد عقل، أكبر مفكري لبنان وشعرائه في القرن الحادي والعشرين وما قبل، أطال الله بعمره. صخرٌ من صخور لبنان. هو تماماً كما قال عن أبيه في قصيدة (النهران):

وكـان أبي كالليـث يهـدر مـرةً يدحرج من صخر وآنا هو الصـّخر

وهو أرزة خضراء دائمة العطاء، يقول في إحدى خماسياته:

يشاؤونني غير نضر الخيـالْ

كما الـلاّ، ولا عبقـري الغدِ

أبيتُ.

أنا قبلة الموعدِ

سكنتُ بلاديَ صنعَ المحالْ

سأسكنها بعد صنعَ يدي



ومهما حاول الواحد منا أن يكتب عن هذا العبقري بالموضوعية العلمية الا انه لا بد ان يسقط فينحاز اليه تحت وطأة العاطفة، كيف لا وهو الذي أمضى حياته في خدمة وطنه وما زال يعطي لبنان من فكره وأدبه وشعره وعلمه وعبقريته وانسانيته وماله. كيف لا تحب من بذل نفسه في سبيل وطنه شعراً ونثراً. يقول في قصيدة (سلاف العصور) عن التراث اللبناني:

لنا يوم

لا موعد ولا أمل

لنا قُبَلٌ في ادّخار القبلْ

لنا علّة الورد لا شكله

فما العمر؟ ما كرّه في مهلْ

ونحن

هوى الليل نحن

ونحن

ارتماء النجيمات فوق الجبل



مهما كتبتَ عن سعيد عقل تبقى مقصراً ومهما قلتَ فيه لا تعطيه حقه، هذا الذي سبق الكل في الدفاع عن لبنان وفي الكلام عن الصمود وهو القائل عام 1944 في (قدموس):

سوف نبقى يشاء ام لا يشاء الغير

فاصمد لبنان ما بك وهنُ

سوف نبقى لا بد للأرض من حق

وما من حق ولم نبق نحنُ



لقد تغزل بلبنان كما لم يفعل أحد، يقول شعراً لبنانياً في إحدى خماسياته:

بتعلمو يقرا الأعمى دسْ

ويكتب الأبكم بالوما

وما نهانْ

شلح أرز بجيرتك غويانْ

ربّي سماك الحلوي فوق بسْ

ضلّك اتْذكر شو حلو لبنانْ


ان لبنان بلد جميل لكن سعيد عقل جمّله أكثر وأظهر هذا الجمال للعالم فقدّمه معطياً ثلثي المدينة. انه الرائد في نبش التراث اللبناني والمتفنن المتخصص في إظهار الحضارة اللبنانية متكلماً عن صور وصيدا وبيروت وجبيل وبعلبك وعن عباقرة تلك المدن في الزمان الغابر وحتى اليوم. انه ولبنان صنوان وهو ينتمي الى سلالة موخوس واقليدس وفيثاغوراس وفخر الدين الثاني المعني الكبير. يقول فيلسوف لبنان:

ان الهنيهة مرّت لا تحييكا

ألحق بها واذا جافتك كن جرئا

وإنْ أظافرها حدَّت كمَن هزئا

فشدَّها من قوامٍ راح يشقيكا

وفوق أول حصباءَ اغْوها هنئا



انه المؤمن اللاهوتي والمصلح الاجتماعي في الاقتصاد والادارة والثقافة والسياحة. هو المفكر السياسي والمؤرخ والفيلسوف عدا عن كونه بالطبع الشاعر الكبير والاديب المميز. انه أمير الشعراء على الإطلاق وهو يفضل لقب الشاعر على كل الألقاب التي تطلق عليه.

وقد استقى لاهوته من محيطه وبيته ومدرسته وقراءاته (أهمها لتيار ده شردان وتوما الاكويني). اما إيمانه فيختصره بان الله هو الرجاء. يقول في قصيدة (غنيت مكة):

الأرض، ربّي، وردةٌ وعدتْ

بك أنت تقطف فاروِ موعودا

وجمال وجهك لا يزال رجاً

يرجى وكل سواه مردودا


يقول في (الصياد) عام 1965: (.. وانا مؤمن وأعترف وأتناول وأفي العشر). والحقيقة ان قمة إيمانه وملخص فلسفته يكمنان في (التبادعية) التي نادى بها وهي عصارة فكره.

أما في الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي فقد برز سعيد عقل ثائراً يريد التجديد وأحياناً قلب المفاهيم البالية. يقول: (أكتب عن شعب يجب ان يحيا.. ان يصبح ثائراً). لكن الثورة عنده ليست بالطبع دموية، انها ثورة بيضاء لا تتوخى سوى الإصلاح كي يغدو لبنان في قمة البلدان المتقدمة والمتحضرة.
وقد أبدع في ثورة اللغة والحرف اذ قصد ان تصبح اللغة اللبنانية في مقدمة اللغات العالمية الحيّة، فاللغة الانكليزية هي الأولى واما اللغة العربية فتكاد تصبح ميتة، لذا حاول في فلسفة اللغة ان يبدع لغة لبنانية تكتب بالحرف اللبناني فيصبح هذا الحرف تماماً كالعدد يُلفظ دائماً كما هو لا كما هي الحال في حروف اللغات كافة، فبعض تلك الحروف تلفظ باشكال مختلفة وأحياناً تكتب دون ان تلفظ. سعيد عقل أراد ان تسبق اللغة اللبنانية حتى اللغة الانكليزية فتصبح اللغة اللبنانية الاولى في العالم. تكفي هذه الثورة البنّاءة البيضاء لتظهر كم احب سعيد عقل وطنه فقضى حياته باحثاً كيف يعيده منارة للعالم لا كيف يخرّب فيه ما يحلو للبعض.

انه في إصلاحه يتبع منحى علمياً في اعتماده على الإحصاء الدقيق. وقد دعا الى استخدام الطاقة الشمسية في الستينات، وقد سعى الى إيجاد مصادر للطاقة بديلاً عن البترول وذلك لخفض مصادر التلوث، فالانسان أثمن المخلوقات كما يقول. بذلك ربط بين التقدم العلمي والتقدم في الطب وفي الصحة تماماً كما فعل قبله بكثير الفيلسوف الفرنسي ديكارت.

والعنصر المميز عند سعيد عقل هو هذا العنفوان الموجود في كل كتاباته ومؤلفاته على مختلف أنواعها. هذا العنفوان مقرون بالتطلع المستقبلي. فهو يرد قول الذين لا يعترفون بالعلم ويعتبرهم من الذين لم يستيقظوا بعد على حياة أرفع متسائلاً كيف لنا ان نصمد ونبقى اذا لم نكن موسومين بالعلم.
وفي السياحة فهو يضع منذ زمن بعيد مخططاً ضخماً لجعل لبنان من اكثر البلدان المقصودة سياحياً. هذا المخطط مرتكز بالاساس على مشروع (المئتي بعلبك). المئتا بعلبك تعني مئتي تحفة عمرانية وثقافية تجتذب أكثر من أربعين مليون سائح. ففلورنسة الفن هي التي تجتذب الناس لا جمال الأرض الإيطالية، ومشروع ضخم كهذا يجتذب أكبر عدد من السياح فينعش الاقتصاد اللبناني.
هذه بعض آرائه الإصلاحية التي تهدف الى جعل لبنان في مصاف المجتمعات المتطورة. وهنا نتذكر قول برغسون الفيلسوف الفرنسي بان البطل هو الانسان الأعلى الحامل لرسالة التآخي والذي بمقدوره ان يرفع الإنسانية جمعاء الى الذروة. ان تفكير سعيد عقل الإصلاحي قريب جداً من برغسون، اذ كان همه الأول والأخير رفع مستوى مجتمعه والإنسان الذي فيه.

وهناك بالطبع عناوين كثيرة عند سعيد عقل مثل فكره السياسي وفكره القومي وفلسفة التاريخ وغيرها وغيرها مما تحتاج صفحات كثيرة. لكننا سنكتفي هنا بذكر بعض أقواله المكتوبة في الصحف والمجلات وأهمها مجلة (الصياد) وجريدة (لسان الحال) لنظهر بعض جوانب عبقريته وفكره الثاقب. يقول:

· “الثلاثة التي وراء التمدن هي: البطولة والعلم والقداسة”.

· “الثورة التي نريدها تسبق كل الثورات في لبنان عودة اللبنانيين الى حب البذل، الى الكرم فيقول الواحد من المرتاحين في دخلهم: ارباحي السنوية كلها أقسمها قسمين غير متوازيين، النصف الأكبر أقدمه للبنان والنصف الأصغر به أعيش”.

· “سأستمر امرّن نفسي على العطاء حتى أصل في النهاية الى ان أنفق كل قرش أربح على لبنان وطني الذي يستصرخ”.

· “الكرم، بلى بلى، هو ان تعطي أحياناً كل ما تملك، لا لشيء الا للذّة العطاء، واللبناني هو من اعتبر كرمه جزءاً من قوة بلاده، فالكرم الحقيقي هو على بلادك”.

· “العقل نفسه شرطه اللابربرية”

· “المحبة ان تحب الجميع واذا استثنيت واحداً خنتها، اما الحب فان تحب واحداً واذا احببت اكثر خنته”.

سعيد عقل هو عن حق أمير الشعراء وذلك لغزارة عطائه الشعري ولجماله طوال هذه السنين المديدة وللمستوى السامي لقصيدته، أكثر من ذلك انه أمير الشعراء ليس فقط لما يحوي شعره من حِكَم بل من فِكَر وأفكار. فقلما خلت قصيدة من فكرة ما او من بضعة أبيات إبداعية هي السّكرة بحد ذاتها حتى أصبح فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة تماماً كما قيل قديماً عن أبي العلاء المعري. ان فلسفته تُستخلص من كتاباته النثرية ومن قصائده الشعرية. فمن (قدموس) الى (بنت يفتاح) مروراً بـ(كما الأعمدة) الى باقي كتبه الشعرية والنثرية وانتهاءً بنظريته الفلسفية (التبادعية) هناك خط فلسفي واضح، غير انه دائماً يفضل لقب الشاعر على باقي الالقاب.

وبعد هذا هل كُرّم سعيد عقل؟

نعم ولا..

ولكن لا أظن ان هذا التكريم على أهميته يليق بعملاق لبناني يعتز الواحد منا ان يكون قد عاش في عصره.

هو الذي قضى حياته يكرِّم المبدعين خصوصاً عبر جائزته ألا يستحق تكريماً عظيماً من قبل الدولة اللبنانية على حياته? الا يستحق تكريماً عظيماً من قبل القطاع الخاص أيضاً؟!

ايتها الدولة كيف لا تكرمين سعيد عقل؟ ماذا تنتظرين؟

ألا يستأهل لبنان ان يحكمه عملاق مثل سعيد عقل؟ انه هو هو رئيس جمهورية أفلاطون وهو رئيس مدينة الفارابي الفاضلة، وهو الذي كان يقول: (أعطني ساعة تلفزيونية في الأسبوع فاغيّر وجه الكون، واغيّر الكثير في لبنان وأصلح ما تهدّم منذ فخر الدين وباقي العظماء).

اليوم يضحك بعضنا على هذا القول لاننا لا نرى سوى نوايا لخراب هذا الوطن، فلا أحد ينوي إيصال أمثال سعيد عقل الى السلطة وذلك كي لا يبقى لبنان العظيم.

* ناجي نصر دكتور في الفلسفة، مؤلف كتاب (سعيد عقل فيلسوفا) وهو اطروحة دكتوراه، وحائز جائزة سعيد عقل عام 2004

1000101018.jpg