بين الهشاشة والمتانة
بين الهشاشة والمتانة
عطيّة مسّوح
كثيراً ما تكون الحوادث الصغيرة مرآة لنفوس الناس وعقولهم، ومسباراً لكشف حقيقةِ ما يسعى أصحابها إلى إخفائه. وقد تكون تلك الحوادث فردية، أو تهمُّ دائرة ضيقة أو واسعة من الناس، وقد تكون عامة تهمُّ المجتمع بأكمله. فالحوار الفردي يبين أحياناً أن ثمة من ينتمي انتماء يُفترض أن يكون وطنياً وتقدمياً، يعيش تناقضاً بين انتمائه وقناعاته الدفينة التي تؤثر تأثيراً خفياً وكبيراً على سلوكه ومواقفه. وقد يقلب حدث صغير الشخص نفسه رأساً على عقب، فيكشف ما في الباطن من قناعات وأفكار لم يكن حاملها يرغب في الإفصاح عنها، فيزول الغطاء الرقيق لتبدو الحقيقة، فإذا أنت أمام تخلّف فكري يرتدي لباس التقدم، وعقل فئوي ضيق يتستر بالوطنية أو القومية أو الأممية.
ولعل مجتمعنا العربي، مليء بأمثال هذه الصور والحالات. ولعلنا نحن العرب، أكثر الناس حديثاً وصخباً وتداولاً للشعارات، وأقلّهم ـ مع الأسف ـ فاعلية وحرصاً على التطابق بين الأقوال والأفعال.
وقد نكون أكثر الناس تملّصاً من المسؤولية عما يصيبنا من كوارث بإلقاء تبعتها على الخارج أو على الغيب، أو على الظروف، دون أن نشير إلى غياب دورنا في صنع الظروف، وإلى إسهامنا ـ بسبب الجهل والتخلف ـ في تنفيذ ما لا يفيدنا وتسهيل الأمر أمام ما يريد غيرنا أن يفعله بنا.
وأظن أننا إذا راقبنا حال أمتنا العربية في العصر الحديث، فسنخلص إلى نتيجة غير مرضية، جوهرها أن مجتمعنا هشّ إلى حد مخيف، ولولا نقاط مضيئة قليلة هنا وهناك، لكانت الصورة العربية كالحة السواد، ولكان مئات ملايين العرب أرقاماً لا حول لها ولا دور في صياغة العالم المعاصر.
كثيراً ما يسأل بعض المخلصين: لماذا لا يتحرك الشارع العربي حركة فاعلة شاملة في مواجهة ما يصيب أمتنا بسبب التدخلات الاستعمارية والصهيونية؟ لماذا لا يتحرك العرب تحركاً شعبياً يدعم ويشد أزر الفلسطينيين الذين يعانون الأمرين؟
لمَ لا يجد الاحتلال الأمريكي للعراق مواقف عربية واضحة وقوية؟
قد يكون جواب بعض المخلصين أيضاً: إن هذا التراخي العربي يعود إلى مواقف الحكام والأنظمة المتواطئة التي تلتقي مصالحها مع السياسة الأمريكية، أو التي تستمد قوتها من الدعم الأمريكي. وقد يكون هذا الجواب صحيحاً، لكنه يستولد سؤالاً آخر يعيد الكرة إلى الشعب، وهو:
لماذا لا يتحرك الشعب لفرض إرادته على الأنظمة؟ أيكون الطابع القمعيللأنظمة هو الذي يمنع الشعب من ذلك؟
لا شك في أهمية هذا السبب، لكن الاقتصار عليه يضع الأمة في حلقة مفرغة، أو يدفع إلى انتظار حلول من خارج إرادة الإنسان العربي.
إن البحث في هذه المسألة يحتاج إلى الكثير من التبصّر والجرأة والجهود المشتركة. ولعل أهم ما فيه ـ باعتقادي ـ هو البحث في بنية المجتمع العربي، لا من الناحية الاقتصادية والاجتماعية فقط، بل من ناحية تكوين العقلية العربية وبنية الإنسان العربي النفسية والفكرية. وقد يكون من الصعب علينا، نحن عرب اليوم، ولا سيما العاملين في السياسة والثقافة والميدان الفكري، أن نقبل الوصول مثلاً إلى أن بنية المجتمع العربي هي بنية هشة تجعل الجماهير ضعيفة الفاعلية وخاصة في الظروف العصيبة التي تتطلب الفاعلية.
قد يردّ على هذا، بالقول إن الانتماءات الطائفية والسياسية والعشائرية عند العرب هي على درجة عالية من الصلابة، إلى درجة أنها ـ كما ذكرت ـ تحلّ محلّ الانتماء الوطني أو القومي في كثير من الأحيان، وتلحق الأذى بالمجتمع والوطن.
هذا صحيح، وهذه الصلابة هي السبب الحقيقي لهشاشة المجتمع. فالمجتمع، أي مجتمع كان، يتكوّن من بُنى جزئية، من فسيفساء سياسية ومذهبية ودينية، وتكثر فيه الأحزاب والطوائف، وقد تتعدّد الأعراق، لكنه موحّد في إطار دولة. وحتى يكون المجتمع صلباً وقادراً على مواجهة تحديات الخارج، أو الظروف العصيبة، ينبغي أن تكون البُنى الجزئية بُنى مرنة، قادرة على التكيف والتواصل. أما إذا كانت البنى الجزئية صلبة، فإن المجتمع لا بد أن يكون هشاً ضعيفاً.
كلما تصلبت البنى الجزئية، كانت البنية العامة أكثر هشاشة. وكلما كانت البنى الجزئية مرنة لينة، كانت البنية العامة أكثر صلابة، وعلى القائمين على البنى الجزئية أن يختاروا بين العمل على تقوية البنية العامة للمجتمع أو إضعافها.
من هنا، تأتي أهمية السعي إلى استئناف ما كان سائراً في النشاط الفكري العربي الحديث في العقود الأولى من القرن العشرين، وفي أواسطه، من السعي إلى نشر العقلانية والعلمانية والتنوّر، وتوسيع أطر الثقافة العامة وتعميقها في عقول الناس، الذين ينبغي أن يكونوا مواطنين، وليس مجرد رعايا لا يتحركون إلا عند طلب هذا الزعيم أو ذاك، ووفق رغبته.
السعي إلى ترسخفكرة المواطنة، والمواطن، في أذهان الناس، مضافاً إلى نشر العقلانية والعلمانيةوالتنوّر، هو السعي باتجاه فاعلية منشودة للجماهير العربية.