حوار مع الشاعرة والإعلامية بريهان قمق
|
حوار مع الشاعرة والإعلامية بريهان قمق الصحفي مؤيد صبيح | |
|
- يخفي شعرك ثمة بوح شفيف في داخله، فضلا عن أشياء كثيرة مسكوت عنها، فما تريدين أن تقولي دائما في شعرك؟ ** ثمة قلق لا يفارقني اعترف بذلك،وكثير من الهواجس. أريد اكتشاف أشياء كثيرة، فكل هذا الانهيار والعذاب والأنات المنهمرة علينا لا يمكنني تجاهلها والهرب منها. |
|
|
يتعين علي اجتياز الصمت الرحيب الذي يسوّر صوتي الحقيقي، أحاول وقد وشمتتني الحياة بتراكمات مؤلمة وسعيدة في آن واحد وذاكرة جمعية أحياها في زمني وعصري ويومي كاملة وكل هذه التجارب البشرية الممتدة عبري وقد التصقت في جديلة جيناتي احاول مقايضة كل ذلك بشساعة حلم يسكن العينين بوابة الروح. أنا لا أحدد مسبقا ما الذي يتعين علي قوله ولا أجهز أجندة عناوين لكتاباتي الشعرية، اذ لا يوجد سيناريو مسبق يتم إعداده كما هو حاصل في الإعداد التلفزيوني أو الكتابة الدرامية أو حتى المقالات والقراءات الأدبية، فالنص الشعري يفرض نفسه عبر فتنة الكتابة،لا أدري من أين، ولا كيف.!! ولكن لكل نص حدث كبير مزلزل بالنسبة لي، ربما حياتي كلها أحداث وزلازل كنت على الدوام كامنة فيها أسترق النظر لمنحنياتها وطياتها، وأتلقفها في لحظة روحية ووجدانية تجتمعان وتذوبان في شفافية عجيبة..لا يمكنني أبدا تفسير ماذا أريد قوله لأنني أبوح وينتهي الأمر، خلاصات داخلية تأتي في لحظة شديدة التوهج ومنتهى الصفاء.. لا أدري ما الذي تعنيه بالمسكوت عنه..!! أو ليست انسانية الانسان اليوم قد باتت في سياق المسكوت عنه وكل هذا الموت العبثي في العراق، وهذا الظلم الفاحش في الأراضي الفلسطينية، وهذه المأساة في الصومال، وغرب ومن قبلها جنوب السودان.!؟؟ اليس ما يحدث في قاع المجتمعات العربية شيء يفوق الاحتمال.!؟ انني اتحدث عربيا ولوتابعنا الأمر على الصعيد الانساني العالمي لما اختلفت الفجيعة بل زادت بشاعتها .. أليس الدفاع عن حقوق الاعلاميين في حماية مصادرهم اول سبب للتعرض للهراوات والاعتقال ؟؟ أليس من يقفون ضد سياتل وضد العولمة اول من يزجون الى السجن ؟؟ اليس تعبير "المحبة" قد بات موضع استخفاف واستهجان واستهبال.!! اليس من يقبل خدك هو ذاته من يدس الخنجر في ظهرك - واعني الجنسين – هو ذاته من يستجدي فيك مبدأ المحبة والتسامح والتغاضي عن موبقاته وجرائمه .! أليس الجسد بات عبودية لأيدولوجيا الاستهلاك عوضا ان يكون أمانة أمنا الأرض..!؟؟ اليست الصراعات امتدادت بشعة بدء من الخيانات والغدر والحسد واللاوفاء والنفاق والاستغابة والمراوغة والجشع والاحتيال والغش سمة العلاقات اليومية تندس بين من نعتقد أنهم أحبة وأهل وصحاب.!!؟؟ فكيف اذن بصراعات الأعداء الأشد فتكا.!!؟؟؟ أليست انتهاكات الجسد سيان في أرض محتلة وأرض تتدعي الحرية والاستقلال..!؟أليست حرية الانسان مهدورة وسط تلوثات هائلة بدء من تلوث الجمال والاحلام والبيئة انتهاء بتلوث فعل وسلوك ولسان الانسان..!؟ ليس مسكوت ما أروح اليه بقدر ما هو هاجس مرير، وأسئلة تدميني في مشاهد شديدة التداخل بين الخاص والعام، بين الانساني والكوني، بين الذاتي والجمعي، أحاول فيه مغادرة النسيان كي أؤكد كينونة كونية مشتركة بيني وبين كائنات الكون مجتمعة من اصغرها الى اكبرها.. - أنت شاعرة وإعلامية، كيف أفادت التجربتين من بعضهما البعض؟ ولوخيرتي بينهما فماذا تختارين؟. ** الشعر بالنسبة لي هو الحياة، بمعنى أن كل شيء من الحياة يدخل في حدود الشعر وبتكوينه. بينما الاعلام يتداخل بالحياة والتلفزيوني تحديدا يتعاطى الرؤية البصرية والصوت وكل هذه التحولات تصير حزم ذبذبات وانتقال من المادي الى الموجي الضوئي ، ذلك في معناه الشعر بالمعنى الميتافزيقي العميق الثراء.. الشعرية أثرت على عملي الإعلامي من حيث الموضوعات والصورة والإحساس الداخلي وتبني الكثير من الأفكار الإنسانية، مقابل التجربة والخبرة الاعلامية كانت تراكما في بئري العميق الذي يضج في لحظاته الشعرية.. الموضوعات تتداخل فالجوع عار على جبين البشرية، والامراض التي باتت لعبة الشركات العالمية، والحروب المفتعلة، والغدر والقتل المجاني والأحزان والويلات،وحلم الحرية والحب والسلام كلها مواد أساسية في الشعر، كما هي مادة اعلامية.. انما للدقة اجد الشعر خلاصة أعلى حالات الصحو خارج الأبعاد الممسكة بالوعي في نطاق اليومي المنهك الذي يتعين على الاعلامية ملاحقته،لا ادري كيف افاد هذا الاخر يصعب الفصل ففي الحالتين هما انا وفي تدرجات الشفافية واتخاذ موقف معلن قدر الامكان.. لكن الحقيقة ان الشعر والاعلام كمن يزاوج بين العادي الاسثنائي والسحري.. فالشعر هذا السحري لو اختفى من حياة الانسان لانقرضت سلالته، ولكن لو انقرضت وسيلة الاعلام لما انقرض الانسان..!! اما بالنسبة للشق الثاني من سؤالك حول أيهما اختار، فالاعلامية تخاطب الشاعرة يوميا وهي تتبع الانباء والاخبار والتحليلات قائلة : لو أن أحدا يصغي للشعراء في التاريخ العربي لما تعرضنا لكل هذه الخرابات... قد سبق ان قلت واعترفت ان العمل الاعلامي والتلفزيوني تحديدا هو ما قربني من الناس ومنحني محبتهم وثقتهم ، هو الذي أخذني إلى قاع المجتمع، وهو الذي منحني نجومية وشهرة ودرب حياة تتداخل والمعارف المختلفة.. لكنني دوما أحس أنني مبعثرة في الأثير والفضاء، بينما الشاعرة تلك منطقة الحب والميلاد والامحاء بالنور الكوني وهي خاصة جدا إنها تستعيد ما يتبعثر مني في الفضاء داخل المجال الأرضي فتعيدني إلى جوهري الإنساني النوراني خارج الابعاد الزمانية والمكانية.. دائما أتوقف بإجلال وبحب كلما تذكرت الشاعر الرئيس السنغالي الراحل ليوبولد سيدار سنغور، وقد سألوه ذات مرة عن الخيار الذي ينحاز إليه، بين أن يكون سياسياً أو أستاذاً جامعياً أو شاعراً، فأجاب بثقة : "أختار قصائدي، ففيها الجوهري." - تمارسين النشر الألكتروني لشعرك من خلال موقعك ( ربة عمون)، كيف تقيمين هذه التجربة؟وهل أنت فعلا ربة عمون، وماذا تعني لك التسمية؟ ** لقبي ابنة ربة عمون وليس ربة عمون كما يشير السؤال.. فهي أعظم مني، وانا قطعة من تكوينها.. واللقب يعني انني من أبناء وبنات الريح والتراب والنار والماء ونور الروح المقدسة.. ابنة الاعتراف بالناس من مختلف الجنسيات وعلى اختلاف مشاربهم.ليست قضية انشطار بقدر ما أنها قضية تعدد الذات التي لا يمكن أن تكون واحدة فأنت تحمل في ذاتك الحضارية أكثر من أنا وأكثر من هوية بحكم الانتماء لحضارات وثقافات متعددة فأنت تنتمي لصوت الفلاح والبدوي والمدني، بالاضافة الى تعدد الثقافات والاثنيات. إنك لا تستطيع أن تنفصل لا عن تواريخك ولا أزمنتك وبالتالي يخرج مني هذا الكائن المركب والمتعدد. لذلك لقبي كابنة عمّانية يروح الى هذا المعنى.. اما السؤال حول النشر الالكتروني فهذا لا يقتصر على نشر الشعر فانا ايضاً أكتب المقال والتحليل السياسي والقراءات النقدية والادبية، بالاضافة الى ممارستي للتصوير الفوتوغرافي، وكل هذا ليس فقط انشره في موقعي بل يتم نشره في عشرات المواقع الالكترونية الرصينة والممتدة في انحاء العالم .. وبالتالي موقعي هو بيتي الخاص المفتوح على الكون .. فالعالم الرقمي مذهل واثره بدأ فعليا يمتد في الحياة المجتمعية، وأثره في الثقافة وعليها سيعتمد على الطريقة التي يقررها العرب والمستخدمون لهذه التقنية بغض النظر عن مرجعياتهم..فهنالك توقعات ان تؤدي الى تحريك المجتمع المدني والى خلق أجواء من الحرية وعبور الفجوة الثقافية بين العرب والعرب وقد تلمسنا ذلك الى حد بعيد ورائع، وبين العرب والغرب رغم تخوفات الكثيرين على الهوية القومية والثقافية.. ومن خلال تجربتي الممتدة لعشر سنوات عبر ادارة العديد من المجموعات والمواقع الثقافية لاحظت زيادة اعداد مستخدمي الانترنت من العرب المبدعين وبخاصة الجادين، وان كان هنالك بعد ما زال يسترق النظر على استحياء، لكن العجلة تسير بلا توقف ولن تنتظر الساكتين.. انا منحازة لهذه الشبكة الساحرة لما تتيحه من مساحات استجدت عما تعاطيناه تلفزيوينا وورقيا، ولكن هذا لايعني ابدا الغاء العالم الورقي ووسائل الاتصال الاخرى. فمن منا يشتري سيارة بلا راديو، بل بتنا اليوم نشتري جهاز التلفزيون معه ايضا، ومن منا لا يحب معانقة الكتاب وبخاصة لمن تاسسوا على عادة القراءة ولم تكن طارئة في حياتهم.. - كيف تقرأين الحداثة الشعرية في عالمنا العربي، ومن من الشعراء هو أقرب إليك؟ ** الحداثة.!! هذا تعبير قد أصبح غائماً ومشوشاً، فاجيال قد عصفت بهم العواصف وتيارات اخرى انهكتهم الصراعات.. ونحن نعيش كامة مستهلكة - بفتح اللام وكسرها- لانتاج حداثة الاخرين، الحداثة الغربية أعادت جدولة العلاقة بين الإنسان والآخر والقوى الغيبية والوجود بينما اشتغلت الحداثة العربية بعلاقة الإنسان مع لقمة العيش والسلطة والتخلف الاجتماعي والثقافي. لذا اروح لروح الشعر - رغم ان نصوصي تصنف على انها شعر نثري وحداثي - الى انني اروح الى ذلك الأفق اللامتناهي في الحياة خارج التصنيفات والمصطلحات والتقسيمات، اقرأ ما يلبي احتياجي الروحي والوجداني والذهني للتوحد للكشف للارتقاء في خضم موجات عنيفة في مجالات الزمن والمكان فقدت حيويتها. أبحث عما يهزني يحركني يحرضني كي اتفتح.. ما يهمني النتاج الابداعي ذاته، وتكشف العلاقة بين الإنسان – هاجسي الاساسي- والنص، في مختلف حقول الحضارة وفتراتها الزمنية المختلفة.. وبالتالي الاختيار والحكم من بوابة الحداثة تضيق جدا على من تحب الشعر، لذا فانني احور السؤال الى انني اسعى الى القصيدة التي تجذبني وتطالبني بالفهم وتدفعني كي استل المعاني المخفية في الوجود، وأن تكون معرفية ومحمولة بالتراث الانساني بمجمله ابحث عن الشعر الذي يرتقي بذائقتي الجمالية خارج جاذبية الاسماء والتصنيفات.. - كيف تعامل النقاد مع نتاج شعرك، وهل أنصفتي أم ماذا؟ ** ليست لدي شكوى ولا أسبب لنفسي صداع هاجس هذا السؤال لانه خارج سياق اللحظة الشعرية والتشظي وشررالشعر والقلق الذاتي الذي ينتابني ويجتاحني لحظة الكتابة..!! وان كان هنالك من كتب فذلك مدعاة اعتزازي وبخاصة من تجشم عناء ذلك دونما أي علاقة او معرفة بي بمعنى الانشداد للنص، وخارج سياق مفهوم العلاقاتية والمجاملاتية.. نعم هنالك من كتب وثمة قراءات مختلفة حاولت الغوص بنصوصي، وهنالك من فتح مجاهل تنبهت اليها في ذاتي وفي كتاباتي، وهنالك من شعرت انه ابتعد كثيرا ولكنه قرأ وحلل بمنظور أدواته، وبالتالي النص كنه يحتمل القراءات.. أما تعبير الإنصاف او عدمه، هذا يدخل في سياق الاستهلاك الاعلامي وبخاصة انه السؤال القاسم المشترك لجميع اللقاءات مع الكتاب والشعراء والفنانين والتشكيليين..!! الهجوم سهل وكيل التهم أسهل، ولكن الأصعب رصد الحركة النقدية العربية معرفيا لأنها مظلومة وظالمة في آن واحد..فالنقد بالأساس كمفهوم سوسيولوجي، الحلقة الأضعف في منظومة الابداع العربي، ويعود ذلك برأي أساسا الى التربية الأحادية للذهنية العربية التي تربت على اساس المجادلة من عمل الشيطان... ماذا عن قراءاتك الآن؟ ** نظراً لانني أعيش عمراً واحداً في حياتي الارضية هذه، فانني مصابة بحالة من النهم للعيش حيوات متعددة تتيحها القراءات بشكل هائل، لذا فان القراءات تمنحني هذه الفضاءات المذهلة من الحيوات، ولذلك تجد قراءاتي متنوعة ومتعددة الاتجاهات، وذلك لتنوع اهتماماتي وحيث تروح اسئلتي، لشعوري ان المعرفة لا تنفصل عن بعضها البعض، حتى وان اختلفت دروبها، فكلها تصب في تفتح الوعي الذاتي وانضاج الرؤية. فالروح ليست غريبة عن عالم الرياضيات، ولا الشعر عن الفيزياء، ولا الروحانيات عن الماديات،ولا اليوميات باحداثها الجسام عن الكينونة البشرية في سر تواجدها الارضي والبعد الفلسفي، لذا فان قراءاتي متعددة ومرتبطة بأفكار تلح علي سواء على الصعيد الشخصي أو المهني، لذا ثمة قراءات تتعلق بالاهتمامات الخاصة وبين متابعة النتاج الابداعي من الادبي والفني والفلسفي، وبين ملاحقة تفاصيل تتعلق بالعمل وبالاخص في الحقل السياسي والاقتصادي ، انما الان في ظل هذا التعقيد المجتمعي بت منشغلة باسئلة كثيرة لذلك رحت الى : المحنة للباحث الاكاديمي د فهمي جدعان حيث يمسك المؤلف مرحلة تاريخية محددة في العهد الاسلامي ببحث معمق وممنهج في جدلية الديني والسياسي في الاسلام..رغم انه قد مضى على تاليف الكتاب حوالي عشرة اعوام ولكنه يقدم دراسة تحليلية مهمة جدا للمنعطف الذي ندفع ثمنه حتى اليوم، يتناولها المؤلف بجدية علمية ومعرفية... - ماذا عن جديدك؟ ** الجديد ياتي كل لحظة مع تجدد أدق خلاياي، أعيش الحاضر لآنني ابنته بكل توهجه أو حزنه وأذهب قدما صوب الغد بطاقات تفاؤلية رغم كل الاحباطات والانتكاسات المحيطة والضاغطة، رغم الدموع التي تغبش العينين لكنها ابدا لا تهز الحلم، فانا حرة في اختيار التفاؤل عنوانا لدربي، لذا انني الان اكتشف عدسة الكاميرا عبر اقتناص لحظة الحاضر لتلك التي ستصير لحظة هاربة من خلال التصوير الفوتوغرافي ، لست محترفة، لكنني أعيش لحظة حب جارفة للحياة في كينونتها،لحظتها المدهشة التي ابدا لا تتكرر في التجلي الالهي المبدع، تجربة مذهلة ومختلفة تماما عن تجربتي كمذيعة تلفزيونية انسجمت مع العدسة لما يزيد عن العقدين والوقوف امامها، فانا الان خلفها اكتشف عالما جديدا..اضافة الى انني بصدد نشر مختارات من نصوصي الشعرية في ديوان هذيان السديم، و أيضاً ثمة مشاريع أدبية وتلفزيونية أخرى قيد الدرس والمراجعة والتحضير.. نشر في جريدة عُمان وجريدة القبس الكويتية وأرسل من قبل الأديبة بريهان إلى موقع جماليا | |
