مسرح مفتوح لعرض (زنوبيا) في الصحراء المصرية
مسرح مفتوح لعرض (زنوبيا) في الصحراء المصرية
زينب حمود
تنطلق في القاهرة منتصف شهر تموز المقبل عروض المسرحية الموسيقية الشهيرة (زنوبيا) للموسيقار اللبناني منصور الرحباني برعاية وزارة الثقافة المصرية.
وتعد المسرحية الملحمية أضخم انتاج مسرحي عربي حيث يشارك فيها العشرات من الفنانين والفنيين، بينهم كارول سماحة وغسان صليبا وانطوان كرباج ويتولى إخراجها مروان الرحباني، وأنتجتها حكومة امارة دبي قبل العام الماضي.
وقالت دينا أبو زيد مديرة شركة (ميديا فيجن) المنظمة للعرض (إنه يجري حالياً اختيار موقع على طريق القاهرة الاسكندرية الصحراوي لإقامة مسرح ضخم في الهواء الطلق تزيد مساحته على 70 ألف قدم مربع ويتسع لـ3000 متفرج لعرض المسرحية، التي عرضت للمرة الاولى في نيسان 2007 في حفل افتتاح مدينة دبي للاستديوهات.
وأضافت أبو زيد ان الهدف من استضافة العرض في مصر تقديم تجسيد واقعي للتاريخ، الذي غالباً ما يعيد نفسه، حيث ناضلت الملكة زنوبيا، التي تعد أحد أهم وأبرز القادة على مر التاريخ العربي، للتحرر من الإستبداد والظلم تماماً مثلما يناضل العديد من شعوب العالم اليوم.
وقالت أبو زيد (نعد الجمهور المصري بتجربة فريدة وغنية، فعلى مدى ساعتين ونصف الساعة سيسافر المشاهد في رحلة نحو الماضي لاستكشاف التاريخ مصحوباً باستعراضات موسيقية تجعل العرض وكأنه جزء من الواقع المعاش، على الرغم من ان الأحداث جرت قبل اكثر من ألفي عام).
وللملكة زنوبيا سيرة غنية بالأحداث، حيث ولدت في مملكة تدمر وسط الشام ودرست تاريخ الإغريق والرومان في مدينة الاسكندرية وسارت على درب طموح الملكة كليوباترا، بحيث أصبح هاجسها المجد والسلطان، وكانت حياتها وموتها وانتصاراتها وهزيمتها ملحمة من الملاحم التاريخية.
وقالت بعض المراجع انها عربية، عاشت في القرن الثالث الميلادي واسمها الحقيقي الزبّاء بنت عمرو بن الظرب، أما (زنوبيا) فهو اسمها الروماني، وأمها إغريقية من ذرية كليوباترا ملكة مصر.
وعرف عن زنوبيا الملكة أنها ذات رأي وحكمة وعقل وسياسة ودقة نظر وفروسية وشدة بأس وجمال فائق، فكانت سمراء اللون، تلوح الهيبة والجمال والعظمة على وجهها، وكان صوتها قوياً وجهوراً وجسمها صحيحاً، تتكلم الارامية والقبطية وبعض اللاتينية واليونانية، وتقرأ هوميروس وأفلاطون، فعاشت بعظمة ملكية، تضع العمامة على رأسها وتلبس اثواباً مرصعة بالجواهر، وكثيراً ما كانت تترك ذراعها مكشوفة.
يذكر ان المحطة الأخيرة لـ(زنوبيا) كانت في (الفوروم دو بيروت)، حيث كان للزميلة زينب حمود التعليق الآتي:
صرخة الحرية
بالأمس ودعت زنوبيا محبيها وعشاقها في (الفورم)، بعدما أطلقت صرختها ورسائلها المدوية في الأرجاء على وقع العزة والكرامة والمجد.
قالت لمنصور الرحباني عرابِّ التاريخ وحافظِ أمثولاته ومُثـُله: بوركت أفكارك التي حملت لنا هذا التاريخ في كف الزمان فنام الانتظار في عبّ الحرية، منتظراً (زنوبيا أخرى) تطلق صرختها في الزمن الرمادي الذي يلفنا ويحاول قتلنا.
منصور الرحباني ومروان، المخرج الطليعي استحضرا الملكة من حضن الكون، فحضرت الخيّالة، والفلسفة والحب والمجد والصحراء، على صهوة التحدي، وأنشودة المجد الغابر في ممالك الشرق، حتى حدود الغضب وهدير الموج الصاخب.
إنها الملحمة التاريخية، مسرحُها قلم (المنصور). وحضرت (زنوبيا) ملكة تدمر بجيشها وأزيائها والخيالة، وتحولت روما القديمة الى مجد زائل. استعار البطل الملحمة من التاريخ، حيث تعرضت مناطق لإجتياحات متتالية، قامت بها جيوش متنوعة. (زنوبيا) تمردت على قيصر روما. وتحولت الرؤية الفنية الى تحفة، الى دهشة، فأسماء تختلف، لكن الشهادة تبقى سمة من سمات الوطن والحرية والخلود.
(زنوبيا)، ضجت، أحبت، رقصت، غنت، صرخت، أضاءت، طارت، سبحت مع أكثر من مئتي مشارك بين ممثل وراقص وسائس ومنشد وجارية وخيالة، حفلت بمعارك كبرى وسط المسرح الشعري الأخاذ الذي يرفع فيه الرحابنة شعار المجد. والتاريخ دائماً يعيد نفسه، لكن بتطوير وفلسفة ولبننة معتادة في المسرح الرحباني العريق. إضافة الى الأسئلة الوجودية حول الحياة والموت والواقع الإنساني.
المجد الضائع
ففي مرثية المجد الضائع يؤبّن منصور الرحباني التاريخ دائماً، ويرثي الأجيال الباحثة عن بقائها. هو الفرح والحزن و(زنوبيا) دلالات حافلة بالأحلام والخيال، لكن الواقع كان يقارع حدود الزمان وتفاصيل الهزيمة على الإنكسار، مقولة سائدة ألفناها، وهي بمثابة الوقائع والحقائق التاريخية التي لا يمكن تغييرها، ومن خلالها توجه رسالة بأهمية ان يقول الإنسان.. لا.. إلا ان الموت ليس النهاية في المسرحيات وأيضاً السجن ليس موتاً للتاريخ. فزنوبيا (كارول سماحة) التي تأسرها روما، و(أورليانوس) (أنطوان كرباج) قيصر روما يسيرها مكبلة في عربتها المذهبة التي جاءت بها لإحتلال روما في قلب المدينة، بعد القبض عليها.
النهاية ليست هنا، فهي ماتت بعد سنوات. ولكن في العرض الذي قدمه (أورليانوس)، فان على الملكة ان تقدم كل ما تملك من خيول وذهب، مقابل حياة سعيدة في (التيفولي)، لكنها رفضت، وقررت الاستمرار في المعركة حتى النهاية، الى ان كسرها وأخذها مكبلة (العظماء الحقيقيون هم الذين تأسرهم مبادئهم وأفكارهم).
دور (زنوبيا) كان رائعاً، رغم صعوبته، وهو احتاج من كارول سماحة، الى طاقة تمثيلية كبيرة. هي لم تقع في الخطابية، بل لونت النص وأعطته أبعاداً عديدة، عاشت الحالات جميعها، الانتصار والهزيمة، اليأس والغضب، الفرح والثورة، الأمومة والحنين.
(زنوبيا) انفجرت على المسرح، حملت في دمها تراث كل النساء من شرف وكرامة وتوق الى الحضارة. أعلنها (الرحابنة) ملكة على تدمر في القرن الواحد والعشرين، وقررت إنهاء الوجود الروماني في الشرق، قالت (لا) لروما. فكانت الصرخة العربية الأولى في وجه المحتل.
وهنا تطابقت الأحداث مع ما يعيشه العالم العربي في زمننا، اضافة الى الحرية التي نبحث عنها في أروقة الأحلام.
هي الملكة التي تحولت بتوقيع الرحابنة (من حلم الى واقع).
استيقظت من نومها، من سباتها الطويل، نفضت الغبار عن ثوبها العربي الاصيل، وغدت حنايا التاريخ حاضنة لشرايين الذاكرة التي انتفضت كما الأسطورة الى مهرجانات جبيل متحدية، بعدها انطلقت من دبي الى شواطئ المجد مذكرة باننا شعوب حرية. والصحراء مجد الحكاية الغابرة في عناق الزمان.
عن صحيفة الأنوار اللبنانية