الفيلسوف المناضل – مائة وتسعون عاماً على ولادة كارل ماركس

عطية مسوح قرأها 6
  

الفيلسوف المناضل – مائة وتسعون عاماً على ولادة كارل ماركس

عطية مسوح

مع حلول الخامس من أيار، ذكرى ميلاد كارل ماركس، استحضرت ذاكرتي ما دار في ندوة (الثقافة والسياسة) التي غطتها جريدة (النور) في أحد أعدادها السابقة، واستعاد ذهني الكثير من الأفكار التي وضعها الباحثون والمفكرون في العصر الحديث عن علاقة السياسي بالثقافة والمثقف بالسياسة، وعن الآثار السلبية والإيجابية لهذه العلاقة.

وهأنذا أبدو مقتنعاً أكثر من أي وقت مضى، أن سيرة كارل ماركس تصلح لأن تكون مثلاً لما يمكن أن تتمخّض عنه شخصية السياسي المفكر في مجال دفع حركة الإنسان نحو التقدم والحرية، وإغناء الفكر البشري ومنحه روحاً حية من خلال دمجه بالحياة الإنسانية والنشاط الاجتماعي.

يمكن لمن يتتبع تاريخ الفلسفة أن يتعرف إلى فلاسفة كرّسوا حيواتهم لأفكار وقيم أخلاقية كانوا مقتنعين بها، وثمة فلاسفة قدموا أرواحهم فداء لكلمة حق أو موقف إنساني، محققين بذلك أعلى درجات الصدق مع الذات، ضاربين المثل في تطابق القول والفعل والفكر والسلوك. غير أن ماركس هو أحد الفلاسفة القلائل الذين سعوا إلى ربط الفلسفة بالحركة السياسية والاجتماعية، والوصول إلى وحدة عضوية بين الفكر والممارسة، وقد نجح في ذلك نجاحاً كبيراً، استمر بعد وفاته، وهو مستمر إلى زمننا هذا.

ولد الفيلسوف المناضل كارل ماركس في الخامس من أيار عام 1818 وتوفي في الثالث عشر من آذار 1883. وليس الجمع بين كلمتي: الفيلسوف والمناضل من قبيل الإطراء، بل هي تسمية صادقة ودقيقة، فكل الذين كتبوا عن ماركس، من مؤيدين ومعارضين أكدوا دوره في الحركة الثورية في أوربا في حياته، كما أقروا بأن الحركة الاشتراكية في العالم كله تستلهم أفكاره بنسب متفاوتة.

غير أن ما سعى الكثيرون إلى طمسه، أو جعله جانباً قليل الأهمية في شخصية ماركس هو أنه فيلسوف كبير، يقف في صف عظماء فلاسفة العالم على مرّ العصور، ومن المؤسف أن معظم (الماركسيين) يلتقون مع خصوم ماركس في هذه النقطة، فينفون عنه صفة الفيلسوف ويجعلونه مجرد منظر للحركة العمالية والاشتراكية والشيوعية.

معارضو ماركس حرصوا على نفي حقيقة الفيلسوف في شخصيته، وإخراج أفكاره من عالم الفلسفة إلى عوالم أخرى، كالتنظير الثوري أو دراسة التاريخ أو البحث الاقتصادي أو غير ذلك. أما الكثير ممن ينسبون أنفسهم إلى ماركس، أشخاصاً وحركات، فقد وقعوا فيما أراده لهم خصوم هذا الفيلسوف، فأخذوا يطلقون عليه أسماء وأوصافاً تبعده من دائرة الفلسفة وتحصره في مساحة أضيق بكثير من المساحة التي تنبسط فيها أفكاره وتطلعاته. ولقد درج الماركسيون على إطلاق تسميات غريبة لا دلالة لها، مثل (النظرية الماركسية) أو (النظرية الماركسية اللينينية) أو (تعاليم ماركس) أو (العلم الماركسي) وغير ذلك مما يغيّب ماركس الفيلسوف، ويُحل محله باحثاً وضع نظرية ما في مجال ما، قد يكون التاريخ أو الثورة أو السياسة أو الاقتصاد، أو أي مجال آخر مما هو أقل شمولاً من الفلسفة.

ولكثرة ما عوّد الماركسيون أنفسهم على ذلك أخذوا يظنون أن في هذه التسميات مدحاً وتعظيماً لشأن ماركس والماركسية. أما الذي يتوارى خلف هذه التسميات، فهو استصغار الفلسفة والتقليل من شأنها في الحياة من جهة، وتحجيم الماركسية من جهة أخرى.

لا يتسع مجال هذه المقالة للبحث في الفرق بين الفيلسوف والمنظّر، وبين الفلسفة والنظرية، وكنتُ قد كتبت عن ذلك في مواضع أخرى، لكن من المفيد الإشارة إلى شمول الفلسفة التي يكون مجالها الإنسان والإنسانية، وإلى أن كل فلسفة لا تمتد امتداد الإنسان وتشمل أبعاده المترامية هي فلسفة ناقصة قاصرة. وقد يشتد نقصها وقصورها فيوصلها ذلك إلى درجة التحدد، فتخرج من دنيا الفلسفة، وتغدو نظرية في هذا المجال أو ذاك.

ولم يكن نشاط ماركس الفكري من هذا النوع المحدد الضيق، فقد بدأ حياته الفكرية في ميدان الفلسفة، ونظر إلى الإنسان في وضعه الواقعي نظرة الفيلسوف، فوجد أن مأساته الواقعية تتجاوز المشكلات الميتافيزيقية. فالإنسان يعاني اغتراباً أوصلته إليه العلاقات الاجتماعية، ولا بد للفلسفة من دراسة هذا الاغتراب والغوص عميقاً بحثاً عن جذوره في الحياة الاجتماعية ذاتها، فالفلسفة يجب أن تنزل من عالم ما وراء الطبيعة إلى الطبيعة ذاتها، بل إلى المجتمع ذاته، لأن غايتها هي الإنسان ذاته.

ولقد حدد ماركس غاية الفلسفة عنده، إنها الخروج بالإنسان من الاغتراب إلى تحقيق الذات، أي إلى الحرية. وأوصله تعمّقه في دراسة الواقع والتاريخ دراسة الفيلسوف المبدع، إلى أن سبب الاغتراب هو الاستغلال، هو التناقض بين العمل ذي الطبيعة الاجتماعية الواسعة وملكية وسائل الإنتاج ذات الطبيعة الفردية الضيقة، واستقر على أن تحرير الإنسان من الاغتراب لا يكون إلا بحل هذه المشكلة عن طريق الخلاص من الاستغلال الاقتصادي، أي منح ملكية وسائل الإنتاج طابعاً اجتماعياً، ورأى أن هذا لا يتم إلا بثورة ستكون قوّتها الأهم من لا يملكون وسائل الإنتاج، أي العمال، وستؤدي هذه الثورة إلى تحرير العمال من الاستغلال، أي إلى تخليص الإنسان من الاغتراب، وفتح أبواب الحرية أمامه.

أردنا من هذا التبسيط أن نصل إلى أن فلسفة ماركس هي فلسفة في الحرية، وهي فلسفة إنسانية بامتياز، وأن كل جوانبها الأخرى ومجالات البحث التي خاضها الفيلسوف كارل ماركس جاءت في سياق الحرية ومقتضياتها.

ماركس إذاً فيلسوف إنساني، والماركسية هي إحدى فلسفات الحرية، وهي ـ برأيناـ أكثرها صواباً وقدرة على التأثير، لأنها تنزل الفلسفة من تساميها الميتافيزيقي وتبحث في الواقع والوقائع والتاريخ والحاضر، وتنطلق من وضع مصير الإنسان بيده لا بيد الغيب أو العظماء. .

إن الماركسية كغيرها من الفلسفات الإنسانية، لا تموت، ولا توضع على الرف في مكتبة الفكر البشري، وإذا كانت الحركة التي تبنّتها، والتي بلغت ذروة من ذرا الفاعلية والتأثير في القرن العشرين، قد تلقّت ضربات وتراجعت تراجعاً تراجيداً، فإن هذا لا يعني أن الماركسية ذَوَتْ وانزوَتْ في ركن تاريخ الفلسفة، فهي قادرة على التجدّد والعودة إلى الفعل، لأن منهجها النقدي يمكّن الماركسيين من تحديد نقاط ضعفها الأصلية والمكتسبة التي حالت بينها وبين استيعاب معطيات الحياة الواقعية المتحركة والمتجددة دائماً، ويمكّنهم بالتالي من تحديد عوامل نهوض جديد لا غنى عنه لحركة التقدم وللسير نحو الحرية.

إن تجديد الماركسية والبنية الفكرية والتنظيمية للحركة الاشتراكية هو المهمة الأكثر إلحاحاً أمام الماركسيين في عصرنا، والنشاط في هذا المجال هو الحفاوة الحقيقية بذكرى الفيلسوف الكبير الذي لا يزال مثلاً في التصاق الفلسفة بالحياة وتفاعل الثقافة والسياسة.