أبو أنطون... هذا الذي تَعرف البلدةُ بَسْمَتَهُ وبَصْمَتَهُ
أبو أنطون...
هذا الذي تَعرف البلدةُ بَسْمَتَهُ وبَصْمَتَهُ
حـنّـا نــور الـحـاجّ
[في أكثر من تعقيب واحد من تعقيباتي على كتابات الراحلة الرائعة إيريس نهري، كتبتُ ما كتبتُ من باب "الشيء بالشيء يُذكَر"؛ وذلك أنّ بعض كتاباتها أحالتني مضامينها إلى كتابات أخرى شديدة الإبداع، من إنتاج مبدعين لهم قاماتهم المديدة في دُنى الأدب، لم تطّلع هي عليها (قَولي "لم تطّلع" -هنا في هذا السياق- كلام لا يمسّ إيريس الجميلة، بل على العكس تمامًا).
لكن قبل أيّام، تكشَّفَ لي أنّ مقولة "الشيء بالشيء يُذكَر" قابلة للاستنساخ، ليتولّد منها أنّ "المرء بالمرء يُذكَر"، وأنّ "اليوم باليوم يُذكَر"؛ ففي الثامن والعشرين من نيسان 2008 رحلت الباقية إيريس، وفي اليوم ذاته من الشهر ذاته عام 2006 رحل أحد أعزّ أبناء عبلّين، ابن حيفا وعبلـّين الشيخ الشابّ نصري أنطون المرّ -أبو أنطون-، الذي كان له آنذاك من العمر ما يُنيف على الثمانين ببضعة أعوام، والذي كان قبل عقود عضوًا مهمًّا في مجلس عبلـّين المحلّي لسنوات، رغم أنّه ينتسب إلى عائلة ربّما هي أصغر عائلات عبلّين عددًا (غريب! هل كنّا آنذاك أكثر تنوّرًا وتقدّميّةً؟!). بعد رحيل ذاك الرجل التقدّميّ النقيّ الخيِّر، لم يكن في مستطاعي إلاّ أن أكتب. كتبتُ. نشرتُ. وها أنا أُعيدُ نشر المادّة ذاتها -بقليل من التردّد- في ذكراه العطرة الثانية، وبعد أيّام من غياب الحاضرة إيريس، وتواصلاً بين الجليليّة الفلسطينيّة عبلـّين والأحبّاء في موقع الجمال "جـمـالـيـا"]
http://www.aljabha.org/q/index.asp?f=3357360868
وقفتُ مع المُعَزِّين، بُعَيْدَ أن أودعْنا الرجلَ الثريّا في الثرى. نظرتُ إلى صفّ المُعَـزَّيْن المُعِـزّين ("صفّ العزاء")، فاجتاحتني أحاسيس اختلط فيها الشجن بالفرح. حزنتُ للفقدان، وفرحتُ باجتماع الخِلاّن، وحزنتُ لأنّ الصحيح صار استثناءً.
حزنتُ، فلأبي أنطون في القلوب مَنازل تأبى الإقرار بالرحيل. حزنتُ لأنّ هذا الرجُلَ العَلَمَ، هذا الرجُلَ العملةَ النادرة، قد غادر دنيانا المضطربة، بعد أن رحل قبله بشهور رجلٌ عبلّينيٌّ مُهمٌّ آخرُ أحزننا غيابه، كان شريكًا لأبي أنطون في دروب الأمل والعمل (الطيّب الذكر أبو الفهد -راجي النجمي- طيّب الله ثراه).
وفرحتُ. فرحتُ حين لاحظتُ أنّ الكثيرين من المصطفّين لتقبّل العزاء لا يمتّون لأبي أنطون بصلة قرابة جسديّة. كانوا من عائلات عبلّينيّة مختلفة، ومن حارات مختلفة، ومن طوائف مختلفة، مسلمين ومسيحيّين معًا (وما ذاك بغريب؛ فكلّ العائلات عائلاته، وكلّ الحارات حاراته، وكلّ الطوائف طوائفه، وكلّ الديانات دياناته. كلّ القلوب جنسيّتُهُ). كم يُنْشيني هذا! كم يُنْشيني ويُنْسيني بعضَ قلقي وخشيتي على عبلّين! عبلّين التي كانت شبه نموذجيّة في العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيّين، والتي أمْسَت أوضاعها في الأعوام الأخيرة مدعاةً للقلق، وعلى أكثر من صعيد واحد. عبلّين التي كانت، هي عبلّين التي أحلم أن تكون. أليس من المستغرَب أن أُصْبِح "أصوليًّا" إلى هذا الحدّ؟! ليس في الأمر أصوليّة، لا من قريب ولا من بعيد؛ إنّما هو الأنين يفرّخ في قلبي الحنينَ، الحنينَ إلى الزمن الجميل (أو الذي أتوهّمه جميلاً! لست أدري)، الزمنِ الذي تفوّقَ فيه الأجداد على الأبناء والأحفاد في "فنّ" العيش المشترك.
* * * * *
طَوال سنين عديدة، كان هذا الرجل النادر ضيفَ عائلتنا. لم يكن زائرًا عاديًّا. لم يكن زائرًا يوميًّا (وليته كان!). كالبدر مُطِلاًّ زائرًا شهريًّا كان. أقعده الداء، فحرمَنا لسنين مقاديرَ وفيرةً من الأُنس والبهاء.
لستُ أنسى إشراقات وجهَيْ والديّ، حين كان يلوح أبو أنطون على الشارع متوجّهًا إلى منـزلنا، بمشيته الواثقة الخطى، وقامته التي لا تختلف في شيء عن أيّة سنبلة ممتلئة! كان حضوره إلى منـزلنا يعني حضور ساعتين أو ثلاث أو أربع من الحديث الممتع اللطيف الرقيق الراقي.
لست أنسى أنّ المرحومة "أمّ توما" (والدتي) قالت في أكثر من مناسبة على مَسمع منّي: "أُعِزّ هذا الرجلَ إعزازي لأخي تمامًا". كانت تقول ذاك بوجهٍ يتألّق حبورًا، وبلسان يقطر صدقًا، وبعينين تدفقان حنانًا.
لست أنسى كم كان حديثه عن الآخرين في غيابهم خِلْوًا من أيّ تجريح، وإن كانوا من خصومه. لقد مارس إنسانيّته بطريقة مدهشة جعلته يحظى باحترام خصومه، وربّما أعداءه. وهنا التحدّي. التحدّي في أن تحظى باحترام الخصوم والأعداء وتقديرهم لك (فالأقرباء يحبّونك -وعلى علاّتك!). بسلوكه الراقي الرقيق، لم يخدم أبو أنطون نفسه فحسب، بل خدم كذلك حزبه وبلده وشعبه. فأمثال هذا الرجُلِ الرجُلِ قادرون على إخصاب الصحراء. قادرون على تحويل الإطار السياسيّ إلى مغناطيس. قادرون على تجميل الحياة وتلطيف ما فيها من مشاقَّ ومتاعبَ.
* * * * *
كثيرًا ما أتذكّر هذا الرجل الفريد. لم أدرّس صفًّا في ثانويّة مار إلياس إلاّ تذكّرتُ أبا أنطون.
حين أحدّث الطلبةَ عن التحصيل الدراسيّ للروائيّ "حنّا مينه" (الصفّ الثالث الابتدائيّ)، أتذكّر أبا أنطون خرّيجَ الرابع الابتدائيّ.
حين أُشِيدُ أمام الطلبة بموسوعيّة الأديب عبّاس محمود العقّاد، ذي التحصيل الدراسيّ المحدود، وذي الثقافة الرفيعة التي حصّلها عبْرَ ارتياده المكتبات ومطالعاته، أتذكّر أبا أنطون الذي كان حين تغرق عينه وذهنه في القراءة تنقطع سائر حواسّه عن كلّ ما حولها ومَن حولها؛ وأتذكّر ما رواه على مسمع منّي في إحدى جلساته الطيّبة معنا في منـزلنا. فلقد كان -في أحد أيّام الحرب العالميّة الثانية- مستغرقًا في قراءة كتاب، وهو في حيفا، وحدث أن انبعث زعيق صَفّارات الإنذار في المدينة عاليًا، خشية قيام الألمان بشنّ غارة عليها. تراكض الناس وهرولوا نحو الملاجئ، والشابّ "نصري المرّ" لَصيقُ الكتاب لا يحسّ بكلّ ما يجري حوله. ولم يدرِ بحدوث كلّ ذلك إلاّ بعد انتهائه.
حين أعالج، مع الطلبة، مقالةَ قدري طوقان "من هو المثقّف؟"، أتذكّر أبا أنطون مثالاً مناسبًا حول امرئٍ ضئيلِ الدراسة، غزيرِ المعرفة، واسعِ الاطّلاع، مبدئيٍّ خادمٍ مدرِكٍ لطبيعة دَوْره ومسؤوليّاته الاجتماعيّة. ولا يعتريني شكٌّ في أنّ انحيازه الكامل والواعي والطوعيّ إلى الفكر الثوريّ اليساريّ كان ترجمةً فعليّة لأَرْيَحِـيّته ومحبّته الصادقة للحقّ والعدل، وفي الآن ذاته، كان لهذا الانحياز دَوْرٌ في تطوّر هذا الرجل النادر، وفي تعمّق القيم السامِيَة في دواخله الرهيفة الشفيفة.
حين أشير أمام الطلبة إلى أنّ مسائل الشيخوخة والكهولة والشباب والفتوّة والطفولة كلّها مسائل نسبيّة، وأنّ الشيخ قد يكون أشدَّ فتوّةً ممّن هو شابّ عُمْريًّا، وأنّ الشابّ قد يكون شائخًا عاجزًا بخلاف ما يُفترَض فيه أن يكون عليه، حينذاك يحضرني أبو أنطون مثالاً لشيخٍ شابٍّ يملأ تفكيري. فمن أجمل ما في هذا الرجل حُـبُّه للشباب، وثِـقَتُه في مقدراتهم، وإيمانُـه بأهمّيّة أدوارهم. لم ينظر إلى الشباب بوصفهم عناوين طَيْش. رآهم عناوين عيش. هكذا كان أبو أنطون يمارس شَبابَهُ كهلاً وشيخًا. لم يكن امرأً تقليديًّا ينظر إلى الشباب بعينِ النافرِ منهم، المتجاهل لوجودهم ولحقّهم في أن يكونوا قادة مسؤولين.
هذا هو أبو أنطون... فكيف ننساه؟!
عـبـلـّين – الـجـلـيـل