"الغيم ناطور الوقت" لجوزف أبي ضاهر - الطبيعة كنيسةً

قزحيـّا ساسين قرأها 7
 

"الغيم ناطور الوقت" لجوزف أبي ضاهر
الطبيعة كنيسةً

قزحيّا ساسين

يراهن الشاعر جوزف أبي ضاهر مجدّداً على المحكية اللبنانية، ويهدي إليها جديده "الغيم ناطور الوقت" (توزيع دار نوفل)، مثبتاً أن للزهر حضوراً طويلاً على شرفة العمر قبل أن يفتح أشرعة العطر رحيلاً. فديوان "قبل ما يفلّ الزهر" أتى غيمة تعب عابرة، وكان لأبي ضاهر بعد طقسه الغيابيّ إبحار شهيّ جديد. في ظلال الغيم الذي يحمّله الشاعر عصا الناطور في كرم الوقت باقة قصائد قصيرة، لا واحدة منها تحمل أكثر من همّ، فهي أشبه برفّة عصفور عند شبّاك يُنزِل السلام عن جناحه ويمضي.

"في عْقول كلاّ رمل

ولو بيَّنت خضرا

بكرا بيزقّا النمل" (ص 8).

بهذه البساطة ينزع أبي ضاهر برأس قلمه القناع الأخضر عن الوجوه الصفر التي نحتها تشرين على مهل وأوسع لها النسيان مكاناً في صحرائه الخرافية الإمتداد. فالحقيقة المزيّفة ربّما تخدع الحاضر وتستوطن مشهده بالحيلة، غير أن الغد صاحب عين وقحة وغربال تحته قطعان نمل "تزقّ" إلى صحراء النسيان ولا يرفّ لها جفن.

إلى الطبيعة يعود أبي ضاهر عاشقاً يقرأ كفّ الشجر وفنجان الغيم، ويهجئ جسد الماء، ويصغي طويلاً إلى ثرثرة الصفصاف.

"حافيي جْرَيْها

فاتحا دَيها

وعم تصلّي للسما كلّ السجر" (ص 9).

هكذا تتحوّل الطبيعة كنيسة بلا منَّة بنّاء، ويصير التراب بخوراً، لتتقمّص الأغصان أيدي القديسين وتُفتَح على مداها فترتفع إلى السماء أجمل صلاة. ترتفع معاني بلا مفردات.
وحين يكون الشاعر في حضرة شجر الحور الذي يتنازل عن أوراقه قسرا لشبكة الهواء، يشدّ على يده ويحاول أن يخرج منه بعض حزن، فيقول له إنك تعرف جيّدا أن "ورقة لْ وقعِت راجعَه" (ص 16). فهل الورقة هي الراجعة؟ سؤال موجع حقاً، يأخذنا بعيداً إلى ألم الإنسان الوجودي، لنسأل أنفسنا أيضاً إذا كان لنا من رجوع ولماذا وكيف، وأين، ومتى، وفي الطبيعة حالة عشق لم يسلم منها النهر والصفصافة، فهي واقفة غير أنها تغسل قلبها عميقا في مياه النهر، وهو سائر أبدا غير أنه ينشّف قلبه على أغصانها

"عينو ع صفصافه

وعم يغنّيلا زَجَل" (ص 22).

فجأة يستثمر الشاعر الطبيعة في اتجاه الإنسان، فإذا بالعصفور الدوريّ يدخل من نافذة غرفة الصفّ "نَقْوَد وراقن، خربط حدود الدوَل" (ص 35). كم هو رائع ذلك العصفور الذي يخلّص بمنقاده المتواضع البشرية كلّها. بمنقاده ينتشلها من بحيرة الدماء التي لا تجفّ ويعلّقها على أغصان الهواء الزرق. وفي الطبيعة أيضاً يحضر الإنسان خائفاً مرآة الماء، ممسكاً بوجهه وهو يتمرّى على النهر كمن يطبق يديه على عصفور مخافة أن يطير

"صار يبكي خاف

وجّو يسافر بالنهر" (ص 44).

يعرف جوزف أبي ضاهر الإستعانة بأشياء الطبيعة، فيحدّق طويلاً في الشجر ليراه مواسم قديسين، ويحفّ عينيه طويلاً على جناح الدوري ليجعله منقذا للإنسان، ويستلقي على ضفّة النهر ليل نهار ليقبض على معنى العشق في الخرير.

حتى الناس يراهم الشاعر من خلال الطبيعة، فلا يمكن أن يمشوا بلا غيم فوقهم لا تكون الحاجة إليه أقلّ من الحاجة إلى الثياب، وهم عنده بيّاعو ورد فقط:

"الغيم فوق كتافهن

وعم ينادو ع الورد" (ص 60)

فكلّ ما في دنيا اليوم عاجز عن إقناع أبي ضاهر بالتنازل عن الطبيعة، فكأن القرية اللبنانية أيقونة روحه ومحبرته وفي كتابه ورق شجر يطغى على ورق الكتابة.

للزمن مكان في "الغيم ناطور الوقت"، إذ تبدو بصمات الوقت الموجعة على كلّ شيء حتى حجارة البيوت

"ختيار بيتي والحجار مجعّدين...

هَوْدي وجوه ودَيْن بعدن عايشين" (ص 15).

من المؤكد أن بيتاً كهذا صارت له سكنى القصائد والحنين بعدما كانت حجاره، في زمن مضى بعيداً، تحتفظ برائحة أهله.

يغمس جوزف أبي ضاهر ريشته في زمن خاصّ ويستودع الورق وجعه والجمال، وحقيقة الأمر أنه هو ناطور الوقت "يفلّي" صدور الأيّام، يأخذ منها أشياءه الحميمة محاولاً بالقصيدة أن يحتفظ بها خارج الأمكنة والأزمنة المصابة بلعنة النسيان.

النهار