(فخر الدين) و "رغيف" توفيق يوسف عوّاد وأمنية لم تتحقق
(فخر الدين) و "رغيف" توفيق يوسف عوّاد وأمنية لم تتحقق
مخايل أبي شاهين
في ربيع 1974، وكان نادي (فخر الدين) في جبلا البترون قد قدم في أعوام سابقة بعض الأعمال المسرحية الناجحة، ومنها إحدى مسرحيات شوشو، الأمر الذي شجعنا على تقديم عمل مسرحي يحقق فيه النادي قفزة نوعية على صعيد نشاطاته، وبالتنسيق مع بعض أعضاء النادي وبخاصة رئيسه ريمون أبي خطار، ورئيس اللجنة الثقافية الياس بو لطوف أوكل الي تحويل رواية (الرغيف) للأديب توفيق يوسف عوّاد الى مسرحية زجلية، وعرضها على مسرح النادي في صيف 1974، وتوفير كامل عناصر المسرحية من موسيقى ورقص فولكلوري وإضاءة وتقنية وإخراج، مع علمنا المسبق بخطورة المشروع وصعوباته المتعددة الأوجه.
كانت الخطوة الأولى الحصول على الموافقة المسبقة من المؤلف، وكنا نعلم انه سفير لبنان في اليابان، وتمكن أحد أعضاء النادي الياس بو لطوف من الحصول على عنوان السفارة. فتوجهت اليه باسم رئيس النادي برسالة كانت نسخة عنها ما تزال في مكتبة النادي، ويبدو انها فقدت أثناء الحرب، وبعد فترة قصيرة تكّرم الأديب عوّاد برد ضمَّنه موافقته المبدئية على طلب النادي (حباً وكرامة)، كما ورد في رسالته. وما زلت أذكر جيداً هذه العبارة، مع نصيحة وطلب.
وأما النصيحة فهي صرف النظر عن مجريات الحرب العربية الوارد ذكرها في الرواية، لصعوبة وتعذر نقل أحداثها الى المسرح. والطلب ان يطَّلع مسبقاً على النص المسرحي، وأن يحضر بنفسه عرضًا تجريبيًا للمسرحية قبل تقديمها للجمهور.
وهنا يقتضيني الوفاء لنبل المؤلف أن أذكر الملاحظة الآتية :
كنا قد سمعنا ان المؤلف قد رفض طلبات مماثلة، ولكن يبدو أن لموافقته واقعين:
الأول أنه أعجب بنادٍ ناشئ اتخذ لنفسه اسم بطل من أبطال الاستقلال هو الأمير فخر الدين، وقد يكون قرأ عنه في إحدى الصحف التي أوردت تقريراً عنه عند إنشائه، ونوَّهت بالتسمية، فأبدى تجاوبه وطلب النادي (حباً وكرامة) كما ذكر.
والأمر الثاني هو عمق إيمانه بربه، وقد جعله كما يبدو، يتأثر لعبارة وردت في رسالتي اليه، وهي قول السيّد: (لا يوقد سراج ويوضع تحت مكيال).
انتهى العمل في كتابة سيناريو المسرحية في منتصف صيف 1974، وعندما علمنا ان السفير عوّاد يقضي إجازته الإدارية في لبنان، اتصلنا به، فحدّد لنا موعداً في منزله في بحرصاف حيث استقبلنا بكامل أناقته، وبحفاوة لافتة، محاطاً بالسيدتين عقيلته وكريمته، واعتذر عن غياب صهره، ولم نكن نعلم يومها انه سفير إسبانيا في لبنان، وبعد التعارف، قضينا فترة ما قبل الظهر نقرأ ويستمع.
أذكر أن الأديب الكبير أبدى ملاحظة واحدة، وهي أن الاسترسال في الأبيات ذات النفس الوطني الحماسي يقلل من قيمتها، وطلب التقليل منها.
بعد الغداء اصطحبنا في نزهة في بعض قرى المتن وبلداته، كما قمنا بزيارة متحف الفنان قيصر الجميّل. ثم جلسنا في الحديقة، تناولنا المرطبات والفواكه واستأنفنا القراءة حتى نهاية المسرحية، وكان فرحنا كبيراً عندما أعلن موافقته غير المشروطة، وعزوفه عن حضور العرض التجريبي، وهنا، لا بد من الإشارة الى انه وعدنا، وفي حال كان موجوداً في لبنان، بتلبية دعوتنا لحضور العرض الافتتاحي مع عائلته، وتكرم بناء على طلب كريمته بقراءة مقطع من الرواية من اختياره.
وبعد ان قلَّب الصفحات قرأ من فصل (الغيث) المقطع 17، وهو عن الفتى (طام) وتلك الليلة التي نام فيها خارج البيت، وعن الرغيف والجوع، وحيث كاد أن يذهب به جامعو الجثث من الطرقات لو لم يركن الى الفرار وهو يصيح: أنا ما مت! أنا ما مت!.
قرأ وكأنه يمسرح النص، والأصحّ، قرأ بنبرة فيها كل الانفعالات التي يحس بها الكاتب لحظة التأليف.
ودَّعناه عند هبوط الليل، بعد أن دعوناه الى زيارة قريتنا، فتفضَّل ولبَّى دعوتنا بعد اسبوع، وكان ذلك آخر لقاء بيننا وبينه.
كان صيف 1974 قد اشرف على نهايته ، ولم يبقَ لدينا متسعًا من الوقت لتحضير المسرحية، فارجئنا ذلك الى الصيف الثاني، وكانت الحرب سبقتنا اليه وشلَّت كل نشاطاتنا، وطالت واتسعت وتشعبت، وكان ماكان عليه وعلينا، وجرفت معها نص المسرحية، ويحزّ في نفسي الآن انني لم أعد أذكر منه كلمة واحدة.
جبـلا ـ البترون
عن صحيفة الأنوار