يا مثقفي لبنان اتحدوا!
يا مثقفي لبنان اتحدوا!
رامي الأمين *
تقوم القيامة ولا تقعد عندما يدلي أحدنا، نحن العاملين في الحقل الثقافي والأدبي بدلوه في السياسة. كأنما لا يحقّ للشاعر أو الكاتب أو السينمائي أو الروائي أو الرسام أو الموسيقي أن يرى ويسمع وينتقد ما يراه ويسمعه، بل يجب أن ينحصر العمل السياسي وتعاطيه في السياسيين وحدهم. وقد تكون ثمة في بعض الأحيان ملاحظات على بعض الكتّاب والأدباء ممن تأخذهم السياسة نهائياً من عالمهم الأدبي والفني الراقي والجميل والسامي لتهبط بهم إلى زواريب الخطاب السياسي، لكن يندر وجود نماذج كهذه. فغالبية من يتعاطى من المثقفين النقد السياسي ويبدي الرأي في الشؤون العامة، لا يقدّم السياسة لا على الأدب ولا على باقي الفنون، فهذه تأتي في المقدمة فيما السياسة تظل ملحقة بها. والحال أن السياسة هي التي تتدخل في الثقافة لا العكس. فعندما يكتب بول شاوول مثلاً منتقداً الجنرال ميشال عون (بصرف النظر عن لغة المقالة والموقف منها)، يكون السبب الرئيسي هو شعور شاوول بالتهديد الذي يمارسه عون وغيره من السياسيين على الحرية والفكر والثقافة.
فالجنرال صاحب باع طويل في قمع الحريات ومنع الصحف والصراخ على الصحافيين، فيما تحفل سيرة بول شاوول الذاتية بآلاف القصائد ومئات الترجمات والمسرحيات والمقالات النقدية، الثقافية والسياسية على حد سواء. لسنا في معرض المقارنة بين الشاعر والجنرال، بل نحاول القول إن السياسة ومن يمثلها هم الذين يعتدون على الثقافة وممثليها. وإذ نجد صيغاً نقدية حقيقية للواقع السياسي الراهن بأقلام الكثير من المثقفين، لا نجد في المقابل أي نقد أو محاولة نقد من السياسيين للواقع الثقافي، ذلك بسبب الأمية عموماً، وبعض الشعور بالدونية من السياسيين تجاه المثقفين. شتان في مجتمعاتنا بين السياسي والثقافي، ونادراً ما تجتمع السياسة والثقافة في شخص واحد ذي مركز سياسي بارز. فالكثير من السياسيين اللبنانيين أبعد ما يكونون عن الثقافة وأحوالها. ويكاد يكون مستغرباً بالنسبة إلى الجمهور اللبناني، ان يستخدم رئيس حكومتهم أبياتاً شعرية في خطبه السياسية، ويذهب الكثير من المغرضين إلى الهزء والسخرية من استشهاده بأبيات الشعر، فيما يبدو واضحاً للمصاب بالليل أن ظاهرة كهذه يجب أن تلقى ترحيباً لأنها تدل على ثقافة الرجل واهتمامه بالشعر والفنون.
تقوم القيامة ولا تقعد إذاً عندما نتضامن مع بول شاوول شاعراً ومثقفاً في وجه السياسي والجنرال وصاحب السلطة والمال والسلاح، وتقوم أيضاً عندما يتضامن مثقفون مع سماح إدريس صاحب "دار الآداب" الذي يستحق كلّ التضامن أيضاً في الدعوى التي رفعها فخري كريم (مستشار الرئيس العراقي جلال الطالباني) ضده، لكننا لا نسمع من السياسيين (ما عدا وزير الثقافة طارق متري مشكوراً) أي تضامن مع المثقفين وشجونهم. فلا أحد تضامن مع فيلم "برسيبوليس" الذي كاد الأمن العام اللبناني يمنع عرضه. لا ميشال عون ولا تكتّله للإصلاح والتغيير(!)، فهؤلاء لا يهتمون بالسينما وحرية عرض الأفلام. ولا السياسيون الآخرون ولا حتى بعض المثقفين الذين لا يجدون في انتقادنا السياسيين وسياساتهم (ولا سياسة في لبنان، بل مهزلة) إلا "إعمالاً لاستعاراتنا" في السياسة، وليس محاولات لكسر قيدها عن فضاء الثقافة وحرية التعبير التي يجب أن تصان بالقوانين قبل الأعراف.
إذا كان المثقفون يُعملون استعاراتهم البلاغية والأدبية في السياسة، فهذا شأن إيجابي، أما أن تُعمل السياسة لغتها الخشبية وأحقادها وضيقها وفراغها في المثقفين فهنا كارثة حقّة. معركتنا هي في منع السياسة الصغيرة من التدخل في الشأن الثقافي، لا العكس. أيضاً معركتنا، كعاملين في الشأن الثقافي، ألا يمتد الإنقسام التافه بين معسكري الثامن والرابع عشر من آذار إلى مساحتنا المطلقة، مساحة التعبير والحرية والإبداع والفن والجرأة.
لهذا نقول:
يا مثقفي لبنان اتحدوا!!
· بيت بمنازل كثيرة - النهار