كيلا تكون شبحاً
كيلا تكون شبحاً
عطية مسّوح
لم تكن عبارة (هناك شبح يجول في أوربا) التي تصدرت البيان الشيوعي لماركس وأنجلز مبالغة يراد منها تصوير جزع البرجوازية والقوى المحافظة الأوربية من هذه الحركة الجديدة الناشئة في أوساط المثقفين والعمال، ومن هذا الفكر الثوري الداعي إلى تغيير العالم عن طريق الثورة على العلاقات الاستغلالية الرأسمالية.
فالشيوعية، فكراً وحركة سياسية، أقضَّت مضاجع تلك القوى، وجعلتها في حال من التوجّس، أمام هذا الفكر الجديد الذي يضع مصير الإنسان بيده لا بيد قوى غيبية غير منظورة، ولا بيد الزعماء والقادة الأفذاذ، والذي يبشر بعالم لا استغلال فيه ولا ظلم.
كان تشبيه الشيوعية بالشبح يعبر عن غرضين متلازمين، الأول هو إحساس البرجوازية والقوى المحافظة أن خصمها الجديد ليس بسيطاً ولا ساذجاً، وأنه خصم صاعد يتسلق سلم القوى شيئاً فشيئاً، خلافاً للإقطاعية المدعّمة من المؤسسة الدينية التي ضعفت وتهالكت لأنها صارت خارج التطور التاريخي. والثاني هو بثّ الخوف في قلوب الناس عامة من الفكر والحركة الجديدين، لأنهما كما يزعم البرجوازيون والمحافظون يهددان سلامة المجتمع واستقراره بالدعوة إلى الثورة، ويبدّدان القيم والنواميس التي نشأ عليها الناس وترسّخت في العقول والضمائر.
سارت الشيوعية فكراً وحركة في طريق النمو والقوة والامتداد، وأغنتها التجارب، وظهرت فيها التيارات المتنوعة التي وسّعت آفاقها، ووجدت فيها شرائحُ شعبية واسعة من الكادحين والمثقفين مخلّصاً لا شبحاً، وعلّقت الآمال على الأحزاب الشيوعية والأنظمة الاشتراكية، وتوقّعت أن تدفع حركة البشرية دفعاً قوياً نحو الحرية والعدالة كما كان هدف فيلسوفها الكبير كارل ماركس.
وبالفعل، فإن الحركة الشيوعية العالمية، حققت الكثير من الإنجازات وسجلت العديد من المآثر، في مجال الدفاع عن حقوق الكادحين في الدول الرأسمالية وغيرها، وفي مجال نهوض حركة التحرر الوطني التي أسهمت فيها إسهاماً كبيراً، وفي مجال السعي لتصفية النظام الكولونيالي، وفي مجال توسيع مساحة الثقافة لدى الفئات الشعبية وغير ذلك. أما حيث أقامت الأحزاب الشيوعية أنظمة حكم، فقد تحققت إنجازات كبيرة على مستوى نشر التعليم والضمان الصحي وتأمين الحاجات المادية الضرورية لعامة الناس، إضافة إلى تحقيق تقدم كبير في مجالات الصناعة والعلم والتقنيات العسكرية والفضائية وغيرها.
كانت هذه الإنجازات برهاناً على ضرورة الفكر الشيوعي والاشتراكية وعلى فاعلية الحركة السياسية الشيوعية، وكان يمكن لها، لو تحقق وجهها الآخر، أن تجعل النظام الاشتراكي أقوى من أن يهتز ويتهاوى، وأن تعزّز البرهان الذي ذكرناه، بأن تثبت أن الاشتراكية هي أكثر تقدماً في المجال السياسي والإنساني من الرأسمالية وكل الأنظمة السابقة.
الوجه الآخر الذي لم تحققه الأنظمة الاشتراكية والأحزاب الشيوعية، هو الديمقراطية.
انتظر المثقفون والكادحون، أن تقدّم الأحزاب والأنظمة التي تعدّ الماركسية مرجعاً لها، تجربة جديدة هي أنضج من تجربة الرأسمالية في المجال الاجتماعي والسياسي، أي في مجال العدالة الاجتماعية والديمقراطية السياسية، وكان يمكن تحقيق ذلك بأن تستند الأحزاب الشيوعية إلى منجزات البشرية في الحياة السياسية وأنظمة الحكم والإدارة، وتلتزم بأسلوب الانتخاب الحرّ طريقاً للبقاء في السلطة، وتعمّق صلتها بالناس عن طريق الحوار معهم والتفاعل مع أفكارهم ومطالبهم، وتتجنب الممارسات القمعية وتترك للإنسان حرية الاختيار دون أن يتعارض اختياره مع المصلحة العامة، وغير ذلك مما هو من ثوابت الديمقراطية ومنجزات التجربة الإنسانية.
أي، كان يمكن للماركسيين والأنظمة الاشتراكية أن يرتكزوا إلى الثوابت الديمقراطية ومنجزات الليبرالية السياسية التي وصلت إليها البشرية عبر تجارب وصراعات وتضحيات مريرة، وأن يضيفوا إليها جديدهم، المتعلق بالعدالة الاجتماعية، وإعادة النظر بتوزيع الثروة وربط الدخل ومستوى المعيشة بالعمل، وضرب المثل بالجمع الخلاّق المبدع بين جانبي العدالة: الجانب الاجتماعي والاقتصادي، والجانب السياسي.
كان من الضروري عدم التراجع عن المكتسبات الديمقراطية التي جاءت بها البرجوازية السياسية، وحقوق الإنسان السياسية، بل تطويرها وترسيخها والاستناد إليها في إدارة دفّة الحكم. لكن هذا لم يحدث، وأحسّ الناس الذين ارتاحوا لمكاسب النظام الاشتراكي ومنجزاته في مجال العدالة ودعم التحرر الوطني، أن ثمة نقصاً، وأن الوجه الآخر للعدل أي العدل السياسي لم يتحقق، وأن النظام الجديد، كالنظام القديم، يغيب فيه أحد وجهي العدل.
كان هذا النقص أهم أسباب التحوّل في موقف الكثير من الناس تجاه الاشتراكية والفكر الماركسي، وهو، باعتقادي، أهم ما ينبغي معالجته والخلاص منه للعودة بالماركسية والحركة الاشتراكية واليسارية والشيوعية إلى تألّقها. وجوهر الأمر ـ كما أرى ـ هو البحث في الدمج الفعلي بين الماركسية فكراً حركة، والمنجزات السياسية لليبرالية، المتمثلة بحرية التفكير والتعبير والصحافة، والتعددية الحزبية، والممارسة الانتخابية النزيهة، ومراعاة حقوق الفرد، وحقوق المنظمات والهيئات، في إطار دستوري يقوم على الديمقراطية والعدل السياسي، أي تساوي الفرص أمام الناس والأحزاب والحركات، وفرض الوجود والنشاط السلمي البعيد عن العنف وغير المهدد بالقمع.
إن الوصول إلى ذلك، سيكون عاملاً مهماً، وربما العامل الأهم، في عودة الماركسية والماركسيين إلى ما كانوا عليه من قوة وتأثير في أواسط القرن العشرين، وعند ذاك لن يستطيع خصوم التقدم والعدالة أن يوهموا الناس أن الشيوعية شبحٌ مخيف.