التنجيم بالأبراج

ناصر منذر قرأها 5
  

التنجيم بالأبراج

ناصر منذر

يطالعنا التنجيم ومعتقدات أسطورية كثيرة حول الأفلاك السماوية، في معظم الحضارات القديمة، بدءاً من أقصى الشرق في الصين والهند، مروراً بحضارات بلاد الرافدين ووادي النيل مع البابليين والرومان واليونان والعرب، وصولاً إلى حضارات أمريكا الجنوبية. حتى أنه امتد في الأوساط العلمية حتى عهود قريبة.. وإذا كنا نعذر الأقدمين على أخذهم بتلك الأفكار -لقلة معلوماتهم وأدواتهم- فإننا لا نجد اليوم ما يبرر ذلك الإسفاف الذي تطالعنا به وسائل الإعلام عبر تقديمها من يسمون أنفسهم علماء فلك!! ونستغرب كما ريتشارد فاينمان (وهو من أكابر علماء القرن العشرين) حين قال في إحدى محاضراته حول ميكانيك نيوتن:

"إن الإلمام بقانون التثاقل لا يتعدى تطبيقاته التي تخطر لي: التنقيب الجيوفيزيائي والتنبؤ عن المد والجزر، ويفيد اليوم في دراسة محارك الأقمار الصنعية وسابرات الفضاء التي نرسلها عالياً بين النجوم، وأخيراً وهذا عصري أيضاً يفيد في حساب مواقع الكواكب مما يخدم جداً التنبؤات التنجيمية التي ينشرها المنجمون في الصحف.. عجيب أمر هذا العالم الذي نعيش فيه والذي لا يستخدم تقدمنا العلمي الجديد إلا لتخليد سخافات عتيقة عمرها آلاف السنين".

ارتبطت أمور كثيرة في حياة البشر القدامى بالأجرام السماوية وخاصة الأفلاك السبعة المعروفة آنذاك (القمر، الشمس، عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري، وزحل) دون أن يستطيعوا التمييز بين الكوكب والنجم والتابع! فهم كانوا يظنون أن الأجرام السماوية لا تخضع لنفس القوانين الأرضية! حتى أنها مكونة من مواد أثيرية تختلف كلياً عن المواد الأرضية! وقد أطلقوا أسماء آلهتهم عليها وربطوا أيامهم وسنينهم بها وقسموها إلى أفلاك سعد ونحس وحرب وخير وزراعة وتجارة وجمال.. حتى أن بعض الحضارات قدست أرقامها كالرقم سبعة، وبعضهم أوجدوا ابتهالات وصلوات لحوادث الكسوف والخسوف، وأوجدوا علاقات وهمية بين ارتصاف هذه الأفلاك ومواعيد شروقها وغروبها وظهور النجوم ذات الشعر (ونعرف اليوم أنها ليست نجوماً بل مذنبات) مع ولادة ووفاة الملوك والقادة والشعراء أو مع نشوب الحروب والكوارث والأحداث العظام!!

وكان فيثاغورس وأنصار مدرسته قدسوا الرقم أربعة (وهو عدد الأرقام 1,2,3,4 والتي يعطي مجموعها الرقم 10 المميز أيضاً)، وعمد أرسطو بعدها إلى تقسيم مواد الطبيعة إلى أربعة أنواع: تراب وماء (وهما ينـزعان إلى السيلان) ونار وهواء (وينـزعان إلى الارتفاع) وقال أيضاً بالسوائل الأربعة وبالطبائع الأربعة (اليبوسة والحرارة والرطوبة والجفاف)..

أما اليوم فنحن استبدلنا النـزوع إلى السيلان والنـزوع إلى الارتفاع بالقوى الكونية الأربعة (الثقالة والكهرطيسية والقوتين النوويتين الشديدة والضعيفة) والتي قد تكون قوة واحدة، ومع ذلك نرى اليوم المنجمين يقولون لك أنك من برج كذا وهو برج ناري أو ترابي!

فما هي حقيقة هذه الأبراج ولماذا لم يتخلص منها العلم حتى الآن؟؟

إن الأبراج ما هي إلا لصاقات اسمية لتشكيلات نجمية (وعندما نقول نجم نعني شمس)، لأن نجوم هذه الأبراج لا علاقة فيما بينها على الإطلاق، وهي تبعد عن بعضها وعنا مسافات هائلة، فقد يحتوي برج ما على نجمين مختلفين، أحدهما كبير جداً ولكنه بعيد جداً، والآخر صغير ولكنه قريب، فنشاهد هذين النجمين من على الأرض بنفس التألق وفي قطاع رؤية واحد فنظن أنهما من نفس الحجم ويبعدان عنا نفس المسافة، كذلك كانت حال الأقدمين عندما شاهدوا القمر (وهو صغير جداً وقريب من الأرض) والشمس (وهي بعيدة وكبيرة) بنفس الحجم الظاهري، فاعتقدوا أنهما من نفس الحجم ويبعدان عن الأرض بنفس القدر، فيما نحن نعلم اليوم أن الشمس تبعد عن الأرض أكثر من بعد القمر بحوالي 400 مرة، وقطرها أكبر من قطر القمر بحوالي 400 مرة وكتلتها أكبر من كتلته بحوالي 27 مليون مرة!

أما عدد الأبراج فليس 12 فقط كما ينادي معظم المنجمون! ففي القرن الثاني الميلادي كان بطليموس قد أحصى 48 برجاً، وقد أضيف إليها فيما بعد 40 برجاً ليصبح العدد 88 وهو معتمد اليوم في جميع الخرائط، وقد أبقى العلماء على استخدام هذه الأبراج لأنها دخلت في جميع التسجيلات الفلكية القديمة ولأنها تفيد في تقسيم الخارطة السماوية، كما تساعد على معرفة مواقع النجوم ومواعيد شروقها.

إن معلوماتنا اليوم عن حالة نجوم الأبراج تقتصر على معرفة تاريخها القديم.. فمثلاً عندما ننظر اليوم إلى نجم "النسر الواقع" في برج القيثارة، فإنما نشاهد حالة هذا النجم الأزرق قبل نحو 26 سنة، لأنه يبعد عنا تقريباً 26 سنة ضوئية (أي أن الضوء الذي نشاهده اليوم انطلق منه بسرعته المعهود 300000 كم/ثا منذ 26 سنة)، وهناك نجوم أبعد بكثير، مثل نجم الذنب في برج الدجاجة، وهو يبعد عنا حوالي 1400 سنة ضوئية، أي أن ما نشاهده اليوم هو نجم الذنب كما كان حاله قي القرن السابع الميلادي!!

لم يُقدّر للإنسان قبل القرن العشرين وقبل نسبية آينشتاين أن يدرك أن "الآن" غير موجودة في القاموس الكوني، لذلك فالتغيرات الحاصلة في نجوم الأبراج والتي يتشدق المنجمون أنها تتحكم بعالمنا لن ندركها ونتلمس آثارها -إن كان لها أثر غير مفعولها الثقالي المهمل بالنسبة إلينا، وفوتوناتها الضوئية- إلا بعد مضي مئات السنوات من اللحظة التي حصل فيها هذه التغير..

حقاً عجيب أمر هذا العالم، وعجيب أمر إنساننا المعاصر.. ويحق لنا أن نستغرب مع شكسبير عندما قال في رائعته "الملك لير":

"أليس هذا منتهى الحماقة من الناس؟ حينما تضطرب أمورنا – وهذا ما يكون غالباً نتيجة إفراط في سلوكنا نحن – تجدنا ننحي باللائمة على الشمس والقمر والنجوم ونجعلها هي المسؤولة عن كوارثنا؟! كما لو كنا أشراراً بالضرورة! حمقى بدافع جبري من السماء! وأوغاداً ولصوصاً وخونة بتأثير سلطان الأفلاك علينا! سكيرين وكذابين وزناة بسبب طاعتنا الحتمية لأوامر الكواكب! وكما لو كان كل شر في نفوسنا نتيجة دافع علوي خارج عن إرادتنا! وهكذا يجد الإنسان الفاسق مهرباً رائعاً لنفسه فينسب مزاجه الشهواني إلى فعل نجم من النجوم..".