باقة من البنفسج لمحمود درويش
باقة من البنفسج لمحمود درويش
عبد الله الحلاق
لا أسمح لنفسي أن أكتب عن الشعر بصفة أكاديمية نقدية لسببين: أولهما أن كتابتي بصفة ناقد أدبي عن أي عمل أو شاعر ستكون ضرباً من ضروب التظاهر والتصنع بأسلوب كتابيّ لا أجيده، وثانياً أنني تعودت قراءة الشعر والكتابة عنه بوصفه حالة جمالية وفنية، وكل ما عدا ذلك بالنسبة لي سيكون ذا دور سلبي لجهة إلغاء كل الأثر الروحاني والعاطفي الذي يتركه الشعر في بيداء روحي وأرواح الكثيرين العطشى إلى جماليات تروي ما تبقى في حياتنا من بذور للأمل.. ولكن الكتابة عن حالة متفردة في عالم الثقافة العربية والإنسانية كمحمود درويش هنا ستأخذ منحى آخر مختلفاً عن الحالتين.
فحين يدور اسم محمود درويش في خاطري يكون دافعاً وحافزاً لا يقاوم للكتابة عنه كحالة نوعية في الأدب والشعر العربي.. وهو الذي بدأنا نردّد قصائده المغناة مع مارسيل خليفة وأحمد قعبور وماجدة الرومي منذ ريعان الوعي حتى الآن، إذ صارت أعماله الشعرية الجديدة رفيقتنا يومياً في السفر والحب والعمل المهني والثقافة والسياسة وكل تفاصيل حياتنا اليومية.
فمحمود درويش مخزون شامل وإرث عميق في الثقافة العربية، ذاكرة تاريخية وراهنة لمستقبل قادم، الشاعر الأميز في مشروع تجديدي انتقل بالشعر إلى خارج الحدود التي وقف وتشبث بها الكثيرون من أبناء جيله. القصيدة الدرويشية هي القصيدة التي غردت خارج سرب الأيديولوجية ونبذت قوقعة الجمود على مستوى النص وبناءه وفكرته، وبناءً على ذلك وصف محمود الشعر وعرّفه قائلاً:
(الشعر دفاع عن الحياة وبأن نحياها كما نريدها ببداهة وسلام.. دفاع عن الحب والجمال والفرح والموسيقا الخفية في أعماقنا.. الشعر مقاومة لكل ما يعيق حرية الإنسان وتطبيع علاقته مع ذاته.. الشعر هو البحث عن الأمل، بل إنه اختراع الأمل..).
وماذا بعد؟.. إن الشعر حياة وأمل وحب وفرح وموسيقا ومقاومة لكل ما يعيق الحرية.. وقلة من الشعراء عرفوا ذلك وكتبوا الشعر خارج الحدود والتقليد والروتين المألوف للشعر العربي قديمه وحديثه، فعلام تكون الحدود والتقليد بديهيات في ثقاقتنا العربية من أدبها إلى فنها إلى عالم السياسة الموغل في المقدسات والحواجز والخطوط الحمر؟
إن الجمود والركود سمة لازمت ثقافتنا العربية قديمها وحديثها وبكل مستوياتها ومجالاتها.. وحتى الأدباء والكتَّاب الذين شكلوا نقلات نوعية وأقلاماً متقدمة وأفكاراً كسرت السائد والمألوف في حياتنا العربية (من حق الطفل في مساءلة أبيه إلى حق المرأة في خلع الرجل، إلى حق المواطن في تغيير الحاكم، إلى حق الفرد والمجتمع في مقاومة الاستبداد والاحتلال معاً، إلى حق الشاعر في التخلص من الانضباط للقافية، إلى حق الحالمين بأن يحلموا بأنهم أحرار، إلى حق الكاتب في التمييز بين معنى الموت ومعنى القتل).. حتى هؤلاء لم يشكلوا إلا اغتراباً عن واقعهم المتردي الذي صار الانحطاط فيه قاعدة، والإبداع استثناءً يستوجب التخوين والتكفير والتصفية الفكرية والجسدية في كثير من الأحيان. ولنا في ذلك دروس رادعة لنا نحن معشر الكتاّب.
فماذا يعني أن يكون المثقف طليعياً ومتقدماً على كل السائد والمألوف والوعي الموروث منذ القرن الخامس الهجري الذي لم تتجاوز بلاد شرق المتوسط وجنوبه حدوده ونمط حياته بعد؟
يعني أن يعيش حالة اغتراب عن الواقع ومفاهيمه، ويتعرض لشتى صنوف الاتهام والتكفير والتخوين.. فالحملة التي تعرض لها محمود درويش (من قِبل حمَلة راية الوطنية والمقاومة) عندما أقام أمسيته الأخيرة في حيفا تلتقي موضوعياً مع ما تعرض له أحمد بن شمشي في المغرب، ونصر حامد أبو زيد وسيد محمود القمني في مصر، ومارسيل خليفة في لبنان، عندما غنى قصيدة: أنا يوسف يا أبي - وهي لمحمود درويش بالمناسبة-، وكل من دفع ثمناً وضريبة بسبب رأيه الحر في هذا العالم العربي، والأمثلة لا تنتهي، وإن اختلف رد الفعل وأسلوب التصفية بين فكرية وجسدية.
فهل يقف المبدعون عند هذا الحد الرادع.. لا طبعاً، فالتجديد والانطلاق في مشروع أدبي أو فكري أو سياسي ضرورة وواجب على كل من تهمه نهضة هذه البلاد وخروجها من نفق الانحطاط.. انحطاط اللغة وكل أساليب التعبير.. انحطاط المفاهيم والأفكار.. انحطاط إنساني وأخلاقي يؤلّه الجلاد ويدين الضحية.. ناهيك بتشويه الحياة وتسخيفها أمام غاية مقدسة بحسب السائد وهي الموت.
لا ندعي أن المجددين قادرون على تغيير الواقع والموروث منذ قرون، فحياتنا العربية بحاجة إلى هزات عميقة للانطلاق خارج هذا الركود، وحركة التاريخ برأينا كفيلة بذلك. ولكن أي فعل إبداعي على مستوى سياسي أو ثقافي لا بد أن يكون تأسيساً ولو بطيئاً لمرحلة جديدة، لبلاد حرة، وحياة حرة، وثقافة متحررة من أسر الضوابط الوهمية، ولمجتمعات تعيد الاعتبار للعقل بدلاً من الجنون الذي يهلل له الكثيرون ويرونه نمطاً طبيعياً للحياة.
لا أعرف لماذا استرسلت بهذه الأفكار بعيداً عن الأسلوب الفني لمحمود درويش وبنية قصائده التي أعشقها.. ربما لأن كتابه الجديد المتضمن مقالات مختارة له (صادر عن دار رياض الريس) والمعنون باسم (حيرة العائد)، قد أشعل فيّ كل هذه الأفكار، وخصوصاً في مقالته المكتوبة في أربعين الحبيب سمير قصير الذي وصفه درويش بأنه:
(الراقص الرشيق في حقول الألغام، والساخر من كل انسجام، مع عبودية مفروضة أو مختارة).
ملاحظة: الجمل المحددة بين قوسين مزدوجين هي مقاطع من كتاب محمود درويش الجديد: حيرة العائد.
النور