الوليـمــة

 

الـولـيــــمــة

سيرغي أنطونوف

ترجمها عن الروسية وضاح يوسفالحلو

لو حدث ذلك الآن لما شعر بالخجل من زوجته، اذ انهما عاشا معا ست سنوات وعرف أحدهما الآخر حق المعرفة. لذا فإن نيكيفور راض عن زوجته الثانية، فعلاقاتهما جيدة، خصوصاً مع أبيه الذي لا يمكن ان يتفاهم مع أحد، حتى مع الملائكة.
فالزوجة تعمل مدرّسة للغة الروسية ومدرستها ليست بعيدة، وهي تشتغل بنصف دوام، أيْ ما يعادل ثلاث ساعات كل يوم. انها روسية تعرّف اليها نيكيفور من طريق أخويها اللذين يعملان في الطلاء. إنهما شابان طيبان يرتاح اليهما المرء في الزيارات والنزهات، وهما من هواة الأكل والشرب والغناء. أما أختهما آنيا، زوجة نيكيفور الثانية، فلا تشبههما البتة، فكأنما ولدت من أم أخرى. نحيفة ورقيقة، لكن مثقفة، وهذا ما جعل نيكيفور يعجب بها أكثر من زوجته الأولى. لذا، عزم نيكيفور على الزواج منها في الحال. إبنه من زوجته الأولى في حاجة الى مثل هذه الأم بالذات كي يغدو إنساناً له قيمة في المستقبل. ومهما يكن دور المدرسة كبيراً فالأم بالنسبة الى الطفل هي كل شيء، وخصوصاً في عمر الطفولة.

نجح نيكيفور في اختياره وهو غير آسف إطلاقاً لأن زوجته شكّلت داعماً معنوياً له. في الطريق الى البيت من العمل عرّج نيكيفور على المخزن واشترى ستّ زجاجات فودكا. وكان ذلك فألاً حسناً، فالفودكا من نوع جيد وهي من صنع مدينة روستوف. لقد اتسعت حقيبته لأربع قنانٍ أخرى من الكونياك، وثلاث زجاجات من النبيذ المر، وقنينتين من الشمبانيا، وكان ذلك كافياً لأنه تعيّن عليه شراء عشرة كيلوغرامات من اللحم، وحبذا لو استطاع شراء سمك السَّـلمون المشوي لكن الروبلات لا تكفيه.

سارت أمور الحفلة الميلادية على أحسن ما يرام.

خلع نيكيفور قميصه واغتسل وبدأ يحلق ذقنه ملاحظاً ان الابن لا يشبه أباه إطلاقاً لا بالعينين ولا بالبشرة ولا بالشعر ما عدا الأسنان فهي مثل أسنانه، اذ العليا معقوفة الى الداخل قليلاً بيد أن الأسنان لبنية وسوف تتبدل.

نظر نيكيفور صوب ابيه قائلاً

- حسناً، حسناً. نحن لا نفهم سياسة الدولة العليا. طفلي في حاجة الى ثياب، وانا أريد إقامة حفلة ميلادية فأين هي السياسة العليا؟

لم يعد نيكيفور يعلّق أهمية على أقوال أبيه من زمان.

أنهى نيكيفور اغتساله ثم قال:

- - لماذا أريد الاحتفال بعيد الميلاد؟ لأني أريد ان يأتي الينا الناس ليروا كيف نعيش. منذ سنوات تسلّمنا الشقة ولم يزرنا أحد ما عدا الأقرباء. أشعر بالخجل من رفاقي، وعندما أراهم يسألونني: كيف حالك؟ كيف تعيش؟ كيف صحة العائلة؟ وانا لا أدري بماذا أجيبهم. لقد بلغ ابني السادسة من العمر وأصحابي لم يروه حتى الآن. ابني بلغ السادسة، أفلا نستطيع إعداد وليمة في البيت في ذكرى الميلاد. ما جدوى الحياة اذا كان الإنسان لا يستطيع ان يقوم حتى بهذه الأشياء؟

واصل نيكيفور كلامه فهو معجب بقابليته الجيدة على الكلام اليوم:

- "الحمد لله انني لا أزال على قيد الحياة. فلماذا تظنّون بي الظنون؟ عندما يكبر ولدي ألن يسأل: كيف أمضى والدي حياته؟ اين أصدقاؤه؟ لماذا لا أرى أحدا معه في هذا العالم الواسع؟ لعله إنسان سيّء او لعله سافل!

وواصل:

- ما الذي أقوله لولدي؟ فلو كان أصدقائي من السكارى او الشقاة لكان في وسعي ان أقول: أجل، الجميع على حق عندما يقولون إنه لا داعي للاحتفال بعيد الميلاد. هؤلاء الأصدقاء يستحقون الوليمة. لقد أمضيت شبابي معهم، وترعرعت بينهم فلِمَ لا أستطيع ان أنفق عليهم مئتين وخمسين روبلاً. هل أنا بخيل الى هذا الحد؟ أفلست إنسانا يا ترى؟

هنا انتبه نيكيفور الى انه يتكلم بصوت عالٍ جدا يكاد يشبه الصياح، في حين ان النوافذ مفتوحة على الساحة. ثم نهض وسأل:

- لماذا صرخت انا. فأنا لست من حديد.

ثم تابع:

- أنا من حديد يا زوجتي. فغداً الاحتفال، وسأريهم ان نيكيفور يعيش في بحبوحة في شقته الجديدة.


النهار