الصّعود والهبوط

عطية مسوح قرأها 5
 

الصعود والهبوط

عطية مسوح

أثار انتباهي عنوان كتاب المؤرخ والمدقق الدكتور عبد الله حنا (الحركة الشيوعية السورية ـ الصعود والهبوط)، ودفعني إلى التفكير في هذه الثنائية الخالدة، التي يجري عبرها تطور الشعوب والدول.

(الصعود والهبوط) ثنائية شغلت المفكرين والمؤرخين عبر الزمن، وهي تذكرنا بالمؤرخ والمفكر الخالد (ابن خلدون)، إذ استنتج من دراسة التاريخ ـ إلى زمنه ـ دورة لحياة الدول، فهي تصل إلى قمة تطورها ونهوضها وعظمتها، ثم تنحدر، بفعل عوامل كثيرة فصّل في بعضها تفصيلاً دقيقاً.

ولكن التجربة التاريخية، وخاصة في العصور الحديثة بيّنت أن الصعود والهبوط نسبيّان، تتفاوت درجة كل منهما حسب واقع كل أمة أو دولة، والدرجة التي بلغتها في سلم التطور، وحسب طول زمن صعودها ونهوضها، وزمن هبوطها أيضاً.

فحين تعيش الأمة نهوضاً يستمر عقوداً، وينتج قاعدة مكينة من الثقافة والاقتصاد والخبرة، يكون الهبوط اللاحق محدود التأثير، قصير المدة، فلا تلبث الأمة أن تبحث عن طرق نهوض جديدة، فتتبدل الإدارات والأساليب وتنزاح قوى، ويزول حاكمون وزعماء، لتحلّ محلّ ذلك كله حكومات وأساليب وقوى جديدة تتمكن من وقف الهبوط والعودة إلى صعود جديد، يرتكز على ما أنتجه الصعود السابق من قاعدة ثقافية واقتصادية.

وإذا كنت سأعود للكتابة عن كتاب د. عبد الله حنا في وقت قريب لاحق، فإنني سأكتفي هنا، بالكتابة عما أثارته لدي عبارة (الصعود والهبوط) من أحاسيس وأفكار.

أول هذه الأفكار، ضرورة البحث في عوامل الهبوط. فهذه مهمة ملحة، مطروحة أمام المفكرين والباحثين والأحزاب السياسية، الوطنية والتقدمية.

فلا نهوض جديداً إلا ببحث الواقع وتحديد عوامل الهبوط والكشف عن بذور النهضة الجديدة الكامنة في المجتمع.

وفي هذا المجال، فإن العوامل الذاتية والموضوعية تتضافر وتتكامل، ولا يفيد إلقاء كل شيء على كاهل العوامل الموضوعية، كما تفعل قيادات الأحزاب والحركات السياسية في كثير من الأحيان، فتبرئة الذات تعني عدم الجدية في البحث، وضعف الحرص على تلمُّس الحقيقة من أجل وقف التدهور والانطلاق من جديد.

وأؤكد أن الجرأة في نقد الذات ضرورية جداً، وبمقدار ما تتوفر يكون البحث مجدياً، ولا أجد حرجاً في القول إن الجرأة في البحث قد تقود إلى استنتاجات تبدو خطيرة، لأنها لا تتلاءم مع الانشداد العاطفي والعقلي إلى القديم المألوف. فقد يبيّن البحث أن حركة سياسية ما، أو حركات، أو الحركة السياسية عموماً، لم تعد منسجمة مع روح العصر ولا ملبية لمقتضيات النهوض والتقدم، وأن الضرورة الوطنية والقومية تقتضي قيام حركات جديدة بديلة. هنا، لا بد من التجرّد من العواطف، والنظر إلى الأمر بموضوعية كاملة، فالمهم هو مصالح الوطن والشعب والأمة، والهدف هو النهوض والتقدم، ولا يجوز أن يكون الهدف حماية الذات والتمسّك بالمصالح الضيقة.

في هذا المجال، يمكن أن نجد في ثنائية (التحدي والاستجابة) معيناً، فالتحديات التي تواجه أمتنا تقتضي استجابة مناسبة، تقوم على التعمّق في تحديد التحديات، أي التعمق في دراسة أهداف الإمبريالية الأمريكية، والصهيونية وإسرائيل في وطننا العربي، والتخلف السائد في المجتمعات العربية، والتجزئة التي رسّختها عوامل عديدة معظمها ذاتي. ومع دراسة هذه التحديات، محتويات وأهدافاً وأشكالاً، يغدو تحديد نواحي الفعل وطبيعته ووسائله، أي الاستجابة للتحديات، أمراً ممكناً، ويوضع وقف الهبوط والبدء بنهضة جديدة على جدول أعمال الأمة.

أما الفكرة الثانية التي أثارها عندي عنوان كتاب عبد الله حنا، فهي ضرورة البحث في الدور الكبير الذي لعبه ويلعبه ضعف الديمقراطية أو غيابها في المجتمعات العربية. ففي مثل هذا المناخ لا يمكن لحركة شعبية أن تنهض، ولا يمكن لحركة سياسية أن تحرّك الشارع.

ولعلّ جوهر المشكلة المتعلقة بحال الديمقراطية المتردّية في المجتمع العربي هو انتشار فكرة (النيابة عن الشعب). فغالبية الحاكمين العرب والأحزاب والحركات، ولا سيما الحاكمة، تقدم نفسها على أنها تمثل الشعب، وتنوب عنه في تحديد احتياجاته والتعبير عن مواقفه. ولا يقود هذا إلا إلى مصادرة الحركة الشعبية وإضعاف الفعل السياسي للجماهير.

أما الفكرة الثالثة، فهي أن ذلك كله ينشر في عقول الناس ووجدانهم، نزعة اليأس، فيضعف الأمل بالمستقبل وبجدوى الحركة والنشاط، ويقول كل في نفسه: ما فائدة العمل والحركة إذا كان الحاكمون والمتنفذون يفعلون ما يريدون؟ .

وأما الفكرة الأخيرة، فهي تتعلق بدور الأحزاب التقدمية العربية ذاتها، فقد اكتنفت الضبابية أهدافها القريبة والبعيدة، وابتعدت عن معالجة المسائل والقضايا الحساسة والأساسية، ولا سيما تلك المتعلقة بطبيعة الأنظمة العربية وموقفها من الديمقراطية ومن نهوض الحركة الشعبية وغير ذلك. وحين تتراجع الأحزاب عن القيام بدورها في ظروف كالظروف العربية، فلا بد أن تتراجع الحركة الشعبية، فيكون الهبوط سريعاً ومريعاً، وتتسع الهوة بيننا وبين العالم المتقدم، ونكون موضعاً مناسباً للأطماع الخارجية.

في الصعود والهبوط مجال كبير للعوامل الذاتية، وهو ما ندعو إلى البحث فيه.