(شحاذ) محفوظ ورصد أزمنة الانعطاف
بنى الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ هرماً روائياً أوصله إلى جائزة نوبل للآداب، وقاده إلى أن يغدو قامة أدبية عالمية، وأن تترجم أعماله إلى 33 لغة.
ورواية (الشحاذ) التي صدرت منتصف الستينيات عمل مفصلي بين نتاجات محفوظ له حضوره إلى جانب أعماله الشهيرة: القاهرة الجديدة، والسراب، والثلاثية، والطريق، وأولاد حارتنا، والحرافيش.
ومحفوظ اتخذ من المقهى والحارة والمسجد وأماكن حركة الناس مواضع لرصد التحولات في المجتمع المصري، وفي قلب القاهرة والإسكندرية.
وتابع حراك الفئات الوسطى وتصوراتها وأسئلتها ومطامحها وتناقضاتها، كما صور معاناة الفئات الشعبية وطيبتها، وسخر من مظاهر الطمأنينة الساذجة والانتظار العبثي.
عمر الحمزاوي المحامي الناجح والشخصية المحورية في الرواية، كان في شبابه عضواً في خلية يسارية إلى جانب رفيقيه مصطفى المنياوي وعثمان خليل، وقد أودع عثمان خليل الاشتراكي النزعة السجن بينما تخلى عمر ومصطفى عن نشاطهما السياسي وغرقا في زحمة العمل والحياة اليومية، وتزوج عمر من زينب السيدة الطيبة فأنجبت له بنتين: بثينة الشابة العشرينية التي تهوى قرض الشعر، وجميلة الصغيرة الشقية التي تبني أهرامات على رمال الشاطئ. وتزوج مصطفى من عليات السيدة الريعة الودودة. ولم يقنع النجاح المهني لعمر وامتلاكه ثلاث عمارات أو الاستقرار الأسري في منع الأسئلة الصعبة وذكريات الماضي ومخاوف تقلبات الحاضر وتحولاته من التسلل إلى عقله وإصابته بهمود جسدي وقلق مرضي، أفضيا به إلى استشارة طبيب، وحين طمأنه الطبيب بأنه سليم من الناحية الجسدية ازداد قلقة، فأشار عليه مصطفى ببعض اللهو في ملهى (باريس الجديدة) وقاده ذلك إلى مغامرات عاطفية مع فنانات الملهى مارغريت ووردة ومنى، ثم انفصل عن أسرته ليعيش مع وردة التي أحبته، وهي طالبة معهد تمثيل تحولت إلى الرقص رغم معارضة أهلها، فأحب فيها تمردها واستقلاليتها ومصداقيتها، وأعجبها فيه بحثه عن معنى الحياة العميق وفحوى الحب الحقيقي.
وظل مصطفى الصديق الوفي صلة الوصل بينه وبين الأسرة يطلعه على أخبارها، ودعا ابنته بثينة لزيارته في مكتبه فلم تلب دعوته.
وأبلغه مصطفى أن زوجته حامل فلم يأبه بالنبأ في غمرة تعلقه بوردة التي حذرته من الابتعاد عن أسرته.
وتتركه وردة حين تلحظ تسلل البرود إلى مشاعره، ويعود إلى مغامراته بشارع الهرم، ويبلغه مصطفى أن زوجته في المشفى ويدعوه إلى إعادة بناء جسر التواصل مع الأسرة وتضع زوجته مولوداً ذكراً، وتهنئه عليات زوجة صديقه بولي العهد وتدعوه لرؤية زينب والمولود الذي أسمي سميراً ليؤنس والده ويبدد ركود الجو الأسري.
ويخرج عثمان خليل من السجن ويزوره في مكتبه ويستعيد الثلاثة عمر ومصطفى وعثمان ذكريات الماضي، وتعجب بثينة بشخصية عثمان وتضحيته ويهتم بأشعارها وثقافتها، لكن حالة التشوش تعاود المحامي من جديد فيهيم على وجهه يطرح الأسئلة ويبحث عن حقيقة الوجود وتحولاته الغريبة، وتصيبه حركة الأشياء وسيرورة الصراعات الدائرة بما يشبه الفصام. بينما تواصل الحياة سيرها بموجب قوانين استمرارها، فيتزوج عمر بثينة. وينهي محفوظ روايته بحوار بين عمر الذاهل وصهره الملاحق الذي يبلغه أن بثينة تنتظر وليداً، وأنه ينوي الاختباء عنده هرباً من ملاحقة رجال الأمن، وبين الحلم والكابوس الذي يريه صديقه في قبضة الأمن، وبين تعذيب الضمير الذي يلازمه لأنه تخلى عن قيم العدالة ومبادئ الاشتراكية يجيب عمر صديقه عثمان وصهره حين حاول أن يرده إلى اليقظة والفهم:
(أموت كل يوم عشرات المرات كي أفهم ولكنني لا أفهم) ـ ص 186.
تبدأ رواية محفوظ بأسئلة وجودية فلسفية يطرحها على لسان عمر الحمزاوي وهو يعلق على لوحة في عيادة الطبيب فيها طفل وأبقار وأفق فيقول: (الطفل ينظر إلى الأفق وها هو الأفق ينطبق على الأرض، دائماً ينطبق من أي موقف ترصده، فيا له من سجن نهائي، ولم تمتلئ الأبقار بالطمأنينة؟)، وشخصية عمر التي تشعر بالضجر حتى أعماق الضمير، ولا ينقذها الترف من الألم الداخلي ومن صورة الصديق القابع في السجن دون أن يشي برفيقيه، ولم تنفع الإجازة في رأس البر على الشاطئ، ولا غراميات شارع الهرم اللتين اقترحهما مصطفى في إخراجه من إحساسه بالتصدع، ومن إحساسه بيقظة مفاجئة جعلته يرى الناس بعين مختلفة (بعد عمى ربع قرن) ـ ص 25.
الوجود تكوين فني كما يراه محفوظ على لسان مصطفى صديق عمر، الإعلامي الناجح. الذي استعاض عن النشاط السياسي بالتعليقات اللاذعة الموحية ـ ص 28.
وحياة عمر تغيرت دون أن يدري سبباً لهذا التغير، وفقد اكتراثه بالمال أو بما يجري حوله. وغرق في حيرة أشبه بحيرة الصوفيين، ولا يذكر لحظة التغير بالضبط، ولكنه يذكر حواراً بينه وبين أحد الملاكين المتنازعين على أرض سليمان باشا قال له: (المهم أن نكسب القضية، ولو استولت الحكومة على الأرض ألسنا نعيش حياتنا ونحن نعلم أن الله سيأخذها) ـ ص 51.
وعندها أحسن عمر بالتغير وبالدوار وبحركة الكون الذي لا يعرف الثبات والمتحرك في جنون ـ ص 57.
الأسئلة عند محفوظ تفضي إلى أسئلة أعقد، وهي أشبه بدهاليز الهرم ومنعرجات المعرفة، وكلما ازداد المرء معرفة ازداد إحساسه بجهله، وزاد طلبه لحقائق جديدة، وغدت نشوة الوصول المعرفي لديه أشبه باللذة الجنسية، وقد اختار محفوظ أغنية تشير إلى هذا المعنى رددتها مارغريت في ملهى (باريس الجديدة) تقول:
"كلما رأيتك كثيراً ازددت شهوة وكلما ازدادت شهوتي زاد لهيبي"
ويتذكر عمر الأغنية أكثر من مرة أثناء تردده على الملهى، وأثناء ابتعاده النهائي عن أسرته بعد عجزه عن التكيُّف مع رتابة حياتها.
التغير في بعض مناحيه يتخذ أشكالاً عبثية، ويكشف تناقضات غريبة، فعمر يقول لمعشوقته وردة: ألا يقلقك أن نعبث والعالم من حولنا يجدّ، فترد: ألا ترى أننا نجدّ والعالم من حولنا يعبث؟) ـ ص 92، وتسول معنى الحياة والحب هو ما تبقى لسليل الشريحة المترنحة: (تسول في الليل والنهار، في القراءة المجدبة والشعر العقيم، في الصلوات الوثنية في باحات الملاهي الليلية، في تحريك القلب الأصم بأشواك المغامرات الجهنمية) ـ ص 99.
توغل محفوظ في أعماق الواقع أواسط الخمسينيات راصداً حركته، وردود فعل الفئة المنحلة العاجزة عن الاستمرار، بعد أن حاصرتها الفئات الصاعدة، وتسارع الأحداث، ومحفوظ الوفدي الليبرالي شهد رحيل الملك فاروق وانحسار نفوذ الحاشية الإقطاعية، وشهد تأميم القناة والتأميمات التالية والحرب المدمرة إبان عدوان عام 1956، وصدمه التحول الكبير وأصاب روحه بشروخ عميقة، كما أصاب فئات المثقفين بازدواجية قاسية: فهذه الفئات حلمت بالتغيير وطالبت به، ولكنه لم يجر بحسب تصوراتها، بل بفعل قوانين الواقع وتأثير القوى الفاعلة ومنطقها، ولما عجزت عن التكيف أو التأثير لجأت إلى أشكال من الهروب النكوصي العبثي.
برع محفوظ في رسم لقطات موحية لحركة الطبيعة مستفيداً من خبرته في ميدان السينما، إذ عمل مديراً ثم مستشاراً في المؤسسة العامة للسينما، وكتب عدداً من السيناريوهات، وأحسن الربط بين كل حركة في المحيط الكوني والاجتماعي وبين التفاعلات داخل النفس الإنسانية، وأدار حواراً حياً سريعاً يقوم على جمل قصيرة تفي بالغرض، ولغة سليمة يومية واضحة ومأنوسة، واعتمد التنويع في طرائق السرد ورصد التفاعل والوصف ومزج السرد بالاستنباط الداخلي، وتفنن في إغناء طرائق القص بصور بعيدة التكلف وعبارات مكثفة واستحضار للثقافة الجمعية، وقدم عملاً متقناً قوي الحضور بين أعماله الكثيرة، وسجل نقلة نوعية مهمة في الرواية على المستوى المصري وحده بل في الوطن العربي أيضاً، كما رصد أزمنة الانعطاف والتحول، ووظف موهبته بمسؤولية لفهم ما يجري حوله غير مخدوع بالظواهر وغير بعيد عن مركز الأحداث، وغير منعزل عن تفاعلات الواقع وإرهاصاته، وقدم شخصياته بعناية وصورها بواقعية مازجاً الواقع بالرمز والوعي بالحلم، ورابطاً الأحداث بجذورها العميقة، فالماضي يطل من جنبات الحاضر ليؤثر فيه، والتاريخ يمد عنقه ليسخر من ذاكرتنا المعطوبة ولا أباليتنا العبثية، وأكد في الرواية كما في معظم أعماله أن الجديد يلد كل يوم وكل لحظة، وأن البحث عن معنى الحياة هو المحرك الدافع لحركتها إلى الأمام.