فيروز والرحابنة ودمشق.. خارطة العشق

سونيا سفر قرأها 5
  

فيروز والرحابنة ودمشق.. خارطة العشق

سونيا سفر *

فَيروز والرحابنة ودمشق..ثلاثية اختارها الأستاذ ناصر منذر، في الندوة التي دعت إليها الجمعية الكونية السورية في المركز الثقافي العربي في أبو رمانة، ليتحدث عن تاريخ من العشق الفيروزي لدمشق، الذي صاغه الرحابنة وشكلوه لحنا وشعراًً، أو لحناً لأشعار غيرهم.

بداية تحدَّث الأستاذ ناصر منذر عن السيدة فيروز وقد تميزت منذ طفولتها بعشقها للورود والاهتمام بها كما تميزت أيضا بحبها للغناء وخجلها الذي كانت تنساه عندما تغني.

ابنة العائلة الفقيرة لم يقف بينها وبين الاستماع للأغاني وحفظها، عدم امتلاك والدها جهاز راديو فكان جهاز الجيران هو وسيلتها للتواصل مع عالم الغناء والألحان كما أشار منذر, ونستطيع القول إن بداية اكتشاف نهاد حداد بدأت كخطوة أولى عندما سمعها (محمد فليفل) واقترح على والدها تسجيلها بالمعهد الموسيقي وبعد سنوات من الدراسة بدأت خطوتها الثانية عندما تقدمت إلى الامتحان وغنَّت أغنيتين وتبناها حليم الرومي وتوظفت في الإذاعة كمرددة في جوقة، تحولت فيروز بعدها إلى الغناء الفردي وغنت حينها أول أغنية في 1 من نيسان 1951 وهي في الخامسة عشرة من عمرها.

وقال منذر: شاءت ظروف الرومي وانشغالاته دون إكمال ما بدأه مع فيروز إلا أنه لم يشأ أن يتركها قبل أن يتأكد أن هناك من سيكون مع فيروز لتكمل طريقها فقدمها لعاصي الرحباني الذي رفضها لظنه أنها غير قادرة على غناء الأغاني العصرية، هذا ماقاله عاصي حينها, إلا أن هذا القرار سرعان ما تغير بعد أن أكد له الرومي أن فيروز من أكثر الأصوات القادرة على أداء الغناء العصري وغنت بعدها فيروز /حبذا ياغروب/.

أما قصة السيدة فيروز مع انطلاقتها من دمشق فقد جاءت كما قال ناصر منذر اقترح فيلمون وهبي تعاونها مع إذاعة دمشق.

وأكَّد منذر: (فيروز اكتشفت في بيروت وتبنتها دمشق، وكما احتضنت دمشقُ انطلاقة فيروز مع الأخوين رحباني من إذاعتها –إذاعة دمشق- مطلع الخمسينيات، احتضنت الأغنية الفيروزية جماليات هذه المدينة وأعادت بهاءها بقصائدٍ كلّلت قاسيون وبردى والغوطة ولملمت عبق التاريخ من جنبات المدينة القديمة لتغدو هذه القصائد بصوت فيروز من مفردات اليوم الدمشقي يتنفّسها في صباحاته مع الياسمين). ولفت منذر إلى أن (السيدة فيروز، من بين كل المطربين العرب، هي وحدها التي غنّت لكل العواصم والبلدان العربية)، ولكن دمشق تميزت (بمكانة أثيرةٍ في السجلّ الفيروزيّ-الرحبانيّ الخالد..)، مستشهداً بكلام الأستاذ منصور الرحباني حين قال: (تجربة دمشق كانت مغايرة تماماً. تجاوبَ الجمهور معنا بشكل مؤثّر، كنا نسمعُ تصاعد الآهات عالية خلال الغناء من جمهور ذوّاق رهيفِ التلقّي يشجّع الفن بإعطائه دفعاً أكثر. كانت مشاركة مهمة ونحن نرى في فننا الشرقي بقايا من الحضارة الإغريقية حين كان الفن مشاركة لا تفرّجاً).

أول أغنية لدمشق تغنيها السيدة فيروز، حسب ما أكد الأستاذ ناصر منذر، كانت قصيدة للأخطل الصغير بعنوان "بردى". قدمتها للمرة الأولى سنة 1957 باحتفال ذكرى الجلاء في نادي الضباط، وتقول بنهايتها:

بردى هل الخلدُ  الذي وُعـدوا به              إلاكَ بيـن شــوادِنٍ  وشـوادي

قالو تحب الشـام؟  قلتُ: جوانحي              مقصـوصة فيهـا وقلتُ فـؤادي

وقال الأستاذ منذر إنه في هذه الحفلة واجهت السيدة فيروز الجمهور الدمشقي للمرة الأولى، هذا الجمهور الذي سيكون على موعد سنوي مع فيروز بدءاً من سنة 1959-أولى حفلات السيدة فيروز في معرض دمشق الدولي.

أما ثاني القصائد الدمشقية فكانت "سائليني يا شآم" –كلمات سعيد عقل وألحان الأخوين رحباني- التي قدمت هذه القصيدة سنة 1960، وقد نقل الأستاذ منذر ما رواه منصور الرحباني في مذكراته عن تلك الأغنية بقوله: (لا يمكن أن أنسى حتى هذه اللحظة ما فعلته في الناس ليلتها قصيدة "سائليني" وقد افتتحنا بها البرنامج:

    سائليني..  حينَ عطّرتُ السـلام               كيف غـار الوردُ واعتلّ الخزام

    وأنا لو رحتُ أسترضي الشـذى               لانثنـى لبنـانُ عطراً يا شـآم

يتابع منصور فيقول: "فحين وصلت فيروز إلى مقطع:

                  أمويــون فإن ضقتِ بهــم         ألحقوا الدنيـا  ببستان هشـام

هبّت عاصفة غير عادية من التصفيق وكانت سورية يومئذ في وحدة مع مصر، فالتفتَ إليّ فيلمون وهبي في الكواليس وقال لي: (بدو يصير انقلاب بالشام)، وبعد فترة بالفعل حصل انقلاب وانتهت الوحدة بين البلدين، وقد روى لنا أحد الضباط فيما بعد أن الضابط الكبير الذي قام بالانقلاب كان يجتمع برفاقه ويسمعون "سائليني" فتُشحن نفوسهم بحب سورية مستقلة عن مصر حتى كان الانقلاب).

القصيدة الثالثة كانت "يا رُبى" للأخطل الصغير، وقدمتها السيدة فيروز في حفلة المعرض سنة 1961 ويقول مطلعها:

يا رُبى لا تتركي ورداً ولا تبقي أقـاحَ

مشتِ الشـامُ إلى لبنانَ شوقاً والتياحَ

فافرشي الطرْقَ قلوباً وثغوراً وصُداحَ

أما القصيدة الرابعة "شام يا ذا السيف" التي قدمت لأول مرة سنة 1962:

أنا صوتي منكَ يا بردى   مثل ما نبعُكَ من سُحُبي

ثلجُ حرمـونَ غذانا معاً   شامخاً كالعزّ في القببِ

وأعيد تقديم هذه القصيدة مرة أخرى سنة 1970 على هامش عرض مسرحية "صح النوم".

بعد القصائد الأربع، قال ناصر منذر إن فيروز وعلى هامش عرض مسرحية بياع الخواتم سنة 1964 قدمت قصيدة "قرأتُ مجدك" للشاعر سعيد عقل، بعدها تغيبت عام 1965 بسبب وضعها لآخر أبنائها (ريما) وعادت سنة 1966 لتحيي حفلة في مهرجانات المعرض وتقدم فيها قصيدة "خذني بعينيك" كلمات وألحان الأخوين رحباني.. تُشيرُ فيها إلى غيابها "القسري" عن دمشق في السنة الفائتة:

قد غبتُ عنهم ومالي بالغيابِ يدٌ        أنا الجنـاحُ الذي يلهو به السفـرُ

يا طيّبَ القلبِ يا قلبي تحمّلنـي         هَمّ الأحبّة  إن غابوا وإن حضروا

شآم يا ابنة ماضٍ  حـاضرٍ أبداً        كأنك السيفُ مجدَ القـول يختصرُ

حملتِ دنيـا على كفّيكِ فالتفتتْ         إليكِ دنيـا وأغضـى دونكِ القدرُ

ولفت الأستاذ ناصر إلى أن (كل القصائد التي غنتها فيروز لدمشق كانت من ألحان الأخوين رحباني، ما عدا قصيدة واحدة هي "مُرّ بي" قدمتها سنة 1967 على هامش عرض مسرحية "هالة والملك".. هذه القصيدة من ألحان الموسيقار محمد عبد الوهاب وكلمات الشاعر سعيد عقل).

وتابع الأستاذ ناصر منذر، دراسته في العشق الرحباني لدمشق فقال: (في سنة 1968 شهد مسرح المعرض للمرة الثانية أولى العروض لمسرحية "الشخص" (قبل عرضها في بيروت) وفي افتتاح هذه المسرحية تقدّم السيدة فيروز قصيدة "نسّمت"من كلمات سعيد عقل:

نسّمت من صوبِ سوريا الجنوبُ / قلتُ هلّ المشتهى وافى الحبيبُ

وفي عام 1971 وعلى هامش مسرحية "ناس من ورق" تغني السيدة فيروز قصيدة من أشهر ما كتبَ الشاعر الكبير نزار قباني:

لقد كتبنـا وأرسلنا المراسيــلا         وقد بكينــا  وبلّلنا المناديــلا      

قل للذين بأرض الشـام قد نزلوا         قتيـلكم في الهوى ما زالَ مقتولا

يا شامُ.. يا شـامة الدنيا ووردَتها        يا من بحُسنِكِ أوجعتِ الأزاميـلاَ

وددتُ لو زرعـوني فيـكِ مئذنةً         أو علّقـوني على الأبوابِ قنديلا

وأشار ناصر إلى الأغنية، على جمالها لم يتم نشرها في أي من ألبومات السيدة فيروز التي تضمّنت القصائد الدمشقية الأخرى (الألبومات هي: 1- ألبوم قصائد. 2- ألبوم سفيرة العرب. 3- ألبوم معكم).

الأستاذ ناصر منذر، وهو واحد من أشهر عشاق فيروز، أكَّد أنَّ السيدة فيروز (كانت تواظب على تقديم "تحية إلى دمشق" قبل افتتاح مسرحياتها الغنائية على مسرح المعرض.. فقدمت "أحب دمشق"ـ كلمات سعيد عقل- في افتتاح مسرحية "المحطة" سنة 1973، و"بالغار كللت" ـ كلمات سعيد عقل - في افتتاح مسرحية "لولو"سنة 1974، وقصيدة "حملتُ بيروت" ـ كلمات الأخوين رحباني - بافتتاح مسرحية "ميس الريم" سنة 1975).

أما آخر حفلات السيدة فيروز على مسرح معرض دمشق الدولي، وفق ما قال الأستاذ منذر، فقد كانت في العام 1976 وفيها قدمت آخر قصيدة لدمشق وهي "يا شام عاد الصيف" كلمات الأخوين رحباني، وكانت قد بدأت الأحداث الأهلية في لبنان.. فتقول:

فأنا هنـا  جرحُ الهـوى      وهناكَ في وطني جـراحُ

وعليك عينـي  يا دمشقُ      فمنكِ  ينهمـرُ الصبـاحُ

يا شامُ يا بوابة التاريـخ       تحرسـكِ الرمــــاحُ

وتوقف الأستاذ منذر أخيراً عند زيارة فيروز الأخيرة لدمشق هذا العام، لتقدم عرض مسرحيتها (صح النوم) في دار الأوبرا، لافتاً إلى تجربة الجمعية الكونية السورية ومبادرته ومجموعة من عشاق فيروز في معرض تشكيلي لصور فيروز، بالإضافة إلى تجربة "بطاقة حب دمشقية" التي كتبت ووجهت إلى السيدة فيروز، مستعرضاً في هذا السياق ما كتب على مجموعة من هذه البطاقات.

المحاضرة رافقها استماع لمقاطع من أغاني فيروز، وميزها حضور كبير قياساً بجمهور المراكز الثقافية.

جريدة بلدنا - 06/04/2008