الثقافة والسياسة في عصرنا
الثقافة والسياسة في عصرنا
النـّور
لم يتوقف النقاش حول العلاقة بين الثقافة والسياسة، وبين المثقف والسياسي، منذ حلم أفلاطون في جمهوريته الفاضلة بأن يكون السياسي فيلسوفاً. وقد لبى نخبة من الباحثين دعوة مكتب العمل الفكري والتثقيف الحزبي، التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري، للبحث في جوانب هذه العلاقة ومحدداتها، حول طاولة مستديرة نظمها المكتب يوم الجمعة 7/3/2008، شارك فيها: د. طيب تزيني، د. عبد الله حنا، د. رضوان قضماني، د. سربست نبي، د. ماهر الشريف، حمزة منذر، سلامة كيلة، سيف الدين القنطار، عطية مسوح.
وأدار النقاش الرفيق علم الدين أبو عاصي، عضو المكتب السياسي، مسؤول مكتب العمل الفكري. وحضر أعمال الطاولة وشارك في النقاش الرفاق يعقوب كرو رئيس تحرير جريدة (النور)، وباسم عبدو مدير التحرير، ومسؤولون وأعضاء من مكاتب العمل الفكري في اللجان المنطقية في المحافظات.
وقد واكبت (النور) النقاش، وننشر هنا أبرز ما طرحه المشاركون من أفكار، على أن ينشر مكتب العمل الفكري أعمال الطاولة كاملة في كراس يصدر قريباً.
أبو عاصي: الهدف تقدّم مجتمعنا!
بعد أن رحب الرفيق أبو عاصي بالمشاركين والحضور، أشار إلى أن هذا اللقاء يجري في (وقت يحتفل فيه بمدينتنا الغالية دمشق عاصمة للثقافة العربية)، مبيناً أن هدف اللقاء هو (تعزيز وتطوير دور كل من الثقافة والمثقفين، ودور كل من السياسة والسياسيين، في تقدم مجتمعنا، والسير به نحو الأفضل).
ومع إدراكنا وتقديرنا لدور المثقفين التنويري في كل العهود والمراحل من مسيرة البشرية (إذ ما من حركة شعبية فاعلة إلا وكان للمثقفين موقف ودور بارز فيها)، ولكننا يمكن أن نميز ألواناً للثقافة، فالثقافة الحقة تنحو للالتزام بقضية الإنسان فرداً أو مجتمعاً، وبقضية الحرية والعدالة والتقدم، وبخدمة القضايا الوطنية والقومية والإنسانية، ومن المؤكد أنه ليس مطلوباً ومن غير الممكن أن ينتظم المثقفون في موقف واحد، فالحياة تتطلب أوسع مدى من الديمقراطية التي تتيح للمثقفين ممارسة الثقافة النقدية.
وفي عصرنا يتنامى دور العلم في عملية الإنتاج، وأصبح للعلماء والمثقفين دورهم ووجودهم المتنامي فيها، فهل يمكن للسياسة والسياسيين تجاهل دور هؤلاء ودور الثقافة بشكل عام؟
وإذا كان دور المثقفين التنويري مبادراً ومؤسساً للتقدم، ألا يحتاج إلى الأداة التي اكتشفها البشر، وهي التنظيم السياسي، أي الحزب القادر على تنظيم القوى المتجددة؟.
ثم عرض المحاور المقترحة للنقاش:
ـ جدل الثقافة والسياسة.
ـ دور المثقفين في تكوين الوعي الاجتماعي.
ـ المثقف والالتزام.
ـ دور المؤسسات السياسية في النهوض الثقافي.
وقدم بعد ذلك المشاركين ببضع كلمات (هم بالتأكيد أكبر منها).
تيزيني: مأسسة العلاقة
اختار د. طيب تيزيني أن يتناول (العلاقة بين المؤسسة والثقافة) انطلاقاً من أن (إحدى المسائل الكبرى، في الوضع العربي الراهن، تتمثل في ضرورة مأسسة الواقع العربي).
إن التأسيس النظري للعلاقة بين الثقافة والمؤسسة يقوم على ضبط العلاقة بين النظر والعمل، وقد وضع ابن رشد مقولة حاسمة في هذا إذ أعلن: إن بداية الفكرة العمل، ونهاية العمل هو بداية الفكرة!.
فليس ثمة فكرة خارج الفعل، والفعل هنا هو حالة مفتوحة كامنة، بالمعنى الأرسطي الماركسي، ومن زاوية الموقف الوجودي (أنطولوجياً)، يقال: إن الفكرة ستضمحل إن لم تجد تشخّصاً لها. وبعض الكتاب والمثقفين يقولون: إن الفكر الذي لا يستجيب للحياة ينتهي.
وانطلاقاً من منظومة القيم الأخلاقية، فإن الكمال يكمن في التوحيد بين هذا وذاك، إن فكراً دون عمل كعمل دون فكر! ومن ذلك ما كتبه الشيرازي: (إن الكمال يكمن في أن تكون عاملاً في الفكر، ومفكراً في الفعل).
من هذه العلاقة الجدلية نشتق تعريفاً أولياً للمثقف، بغض النظر عن توجهاته الأيديولوجية: إنه المفكر عاملاً والعامل مفكراً).
وتحدث د. تيزيني، بعد ذلك عن المؤسسة، فرأى أنها (تجسيد للعمل بصيغ ممنطقة معقلنة، وتستجيب للفكر الذي يستدعيه هذا العمل)، مستعرضاً بدء وجودها، بمعنى الممكن، وصولاً إلى أن (أصبحت فعلاً حقيقياً مع الثورات البرجوازية في أوربا).
ثم جاءت الثورة الصناعية لتقوم بدور حاسم حين حولت الفكرة، وخصوصاً الفكر العلمي، إلى مؤسسة، وفي المرحلة المعاصرة صرنا نتحدث عن تحول العلم إلى قوة إنتاجية مباشر.
بقي أن أقول ـ تابع د. تيزيني ـ: إن الثقافة المؤسسة هي الفعل التاريخي، فحين تتمأسس الثقافة تصبح هي الفاعل. وقد أعلن لينين: (إن الفكرة حين تصبح فاعلة، وتصبح في صلب الجماهير، تصبح فكرة تاريخية).
ـ خطورة الاستبداد
وأضاف د. تيزيني: النظم الاستبدادية ترى أن الثقافة خطيرة حين تتحول إلى فعل، لهذا فالعلاقة بين الثقافة والسياسة، في إطار هذه النظم، هي الغائب الأكبر. وقد اكتشف الكواكبي قانوناً خطيراً حين أكد أن أخطر شيء في تاريخ البشرية يتمثل في الاستبداد، لأنه ينتج حالة من ضمور المجتمعات، وبالتالي، يقود إلى نهايتها.
إن ما ينبغي العمل عليه في مرحلتنا الراهنة، سورياً وعربياً، في مواجهتنا لهيمنة النظام العولمي، يتمثل في مشاريع وطنية سياسية، يجب أن تكون قائمة بالضرورة على التعددية، فالتعددية هي الفضيلة العظمى، أن تنتج نمطاً من الفكر الوسطي في المجتمع ينتج آليات تضبط الصراعات الاجتماعية فلا تجعلها مدمرة، بل سلمية. وهذا يحتاج إلى مجتمع مدني، ديمقراطي، يؤسس للتعددية بكل أنماطها.
حنا: الالتزام والملتزمون!
عالج د. عبد الله في مداخلته مسألة (المثقف والالتزام)، فأشار إلى أنه يوجد مثقف ملتزم، وليس اشتركياً، خلافاً لمفهومنا حول الالتزام بأنه التزام المثقف الشيوعي، التقدمي، الواقعي الاشتراكي.
وذكر كتابين مثالاً: (الالتزام الديني ـ منهج وسط) لعبد الرحمن حسن حبنكة ـ 1984، و(المثقف والمناضل في الإسلام المعاصر) لجيل كيبل، ويان ريتشارد، ترجمة بسام جحا ـ بيروت دار الساقي 1994.
وتابع د. حنا: (اليوم، تنظر القوى الفكرية المعادية، بغبطة، إلى اختفاء تعابير (الأدب الملتزم) و(الأدب المقاوم) و(الأدب الاشتراكي)، التي سادت أواسط القرن العشرين وترددت على الألسن وفي صفحات الكتب والجرائد والمجلات)، وأشار في هذا السياق إلى ما كتبه د. عبد الكريم اليافي في مقدمة كتاب (الأدب في الميدان) الصادر 1950 لمؤلفه الماركسي شحادة الخوري الذي (ينضوي ـ كما يرى اليافي ـ في عداد الذين يرغبون في توجيه الأدب، وفي اتخاذه ذريعة للكفاح من أجل الخير والحرية والتقدم).
ورأى د. حنا أن المثقفين يتوزعون في الوقت الحالي إلى أربع مجموعات:
1. الملتزمون بالماضي، القومي أو الماركسي، والمتحسرون عليه، وقد تفرق هؤلاء في اتجاهين:
الأول: السير في ركاب السلطات الحاكمة وغضّ الطرف عن استبدادها، وأحياناً تبريره.
الثاني: معارضة السلطات القائمة، والعمل تحت الأرض أو دخول السجن أو الالتجاء إلى الدول الأجنبية.
2. المثقفون اليائسون والمحبطون لما أصاب حركة التحرر الوطني العربية من مآس، والاستبداد الذي ساد الدول الوطنية، واجتياح سلفية البترودولار منذ 1973 للمجتمعات العربية والإسلامية، وهي سلفية مناقضة لسلفية عصر النهضة (الكواكبي ومحمد عبده والأفغاني).
3. الإسلاميون، وهم المسيطرون الآن على أذهان أكثرية العامة، والمحتلون المساحة الأكبر في الحقل الفكري.
4. أجيال عصر المعلوماتية والمالكون لناصية التكنولوجيا والخبراء في ميادين السياسة والاقتصاد، وغيرها، وهذه الفئات تسير وفق المبدأ الانتهازي (من يتزوج أمي يصير عمي)! ولهذا فإن صلاتها وثيقة بالفئات الطفيلية البيروقراطية الحاكمة، بل هي جزء لا يتجزأ من هذه الفئات المهيمنة.
أخيراً شدد د. حنا أن المقصود ليس التزام المثقف بهذا الحزب أو هذه الفئة أو تلك، بل يجب أن يكون الالتزام بالوطن أولاً، وبالطبقات المضطهدة ضد البلطجية والمستغلِّين والمستثمرين.
ثم أبرز القضايا والمحدِّدات التي يجدر الالتزام بها أو الانتباه إليها.
د. رضوان قضماني: الثقافةوالسياسة.. من الوجود إلى الخواء!
ركز د. قضماني في مداخلته على إظهار حركية الثقافة وانفتاحها وحواريتها، مقابل ثبات السياسة وتأطيرها وقراراتها. و(تسعى الثقافة إلى حل التناقض الجدلي الأزلي القائم بين الثقافة والسياسة، انطلاقاً من قيم غير نصية ـ أي ليست أحكاماً وقرارات ـ لأنها قيم داخلية.
أما السياسة القائمة على السلطة فتحلّ هذا التناقض بالقرارات، الثقافة حركة دائمة نحو المستقبل، والسياسة نظام، تحققه سلطة، والنظام تأطير لما سيكون في شكل ما هو كائن، والتأطير يعني الحد من الحركة...
السياسة تقمّط الثقافة، ترخي سدولها عليها، وتردفها بأعجاز، وتنوء عليها بكلكل، والثقافة نزوع مبرِّح نحو سماء فسيحة...
السياسة تتناسل في سلطات تحقق لها ثباتها، والثقافة تتنامى في قيم تحقق لها حركيتها...
الثقافة الحقة لا تعيش إلا في مناخ الحرية، والحرية التي تخلقها تنبع من ذاتها، من قيمها، ولا تأتي من خارجها، فالخارج قوانين مسبقة تنمّطها. الثقافة ترفض كل سلطة خارجية، أي السلطة التي تنتج عن مأسسة).
وتابع: (إن التخلص من صراع التقابل الثنائي الاستبدادي هذا (الثقافة والسياسة) لا يتم إلا بإقامة علاقة جدلية حقة، تحقق كياناً للذات الجمعية يسمى هوية ثقافية تقوم على التسلح بروح الحوار القائمة على فهم بنيان الوطن والحياة والعصر والتحديات وأفق المعرفة، وهي علاقة جدلية تعني عدم انفراد أي طرف اجتماعي أو سياسي بتحديد الثقافة أو احتكارها، فاحتكار الثقافة سمة من سمات السياسي، بأداته السلطة، التي تلجأ إلى الاحتكار لتسييج نفسها وضمان أمنها، وهو احتكار يقوّض حيوية الثقافة وفاعليتها ويقتل قيم العدالة والحرية والحقيقة والاختلاف. إنه (تأميم) يعقّم حليب الثقافة ويجعله خالي الدسم، وهو فعل سلطوي يقوم على حجب الحقيقة ـ حجب الثقافة يوصل إلى (ثقافة الخواء) التي تصبح (ثقافة الحاجة) وهذه تصير مصدراً للثروة، والثروة تعيّن منهجاً (ثقافياً) للفساد، وهذا ينعكس في سيادة (ثقافة الاستمتاع).
وختم د. قضماني: (ويبقى السؤال قائماً: كيف نُخرج الآن من مجتمعنا ثقافة الخواء هذه؟).
د. سربست نبي: تراجيديا النزاع
يتعين علينا توقع الكثير من المصائب والويلات تنهال على رؤوسنا حينما يشرع السياسي بإلقاء موعظة ثقافية، أو حين يستعير لسان المثقف ليلقن البشر دروساً في الحكمة والمعرفة، وتلكم إحدى مظاهر نكبة العقل.
هكذا بدأ د. سربست نبي مداخلته التي لم يتمكن من تقديمها كاملة، واضطر لتجاوز فقرات وصفحات منها، التزاماً بالوقت المخصص لكل من المشاركين.
ونقل، بعد ذلك، عن إدغار موران قوله: إن جميع الفنون أبدعت وأنتجت روائع، إلا السياسة، فقد خلقت مسوخاً، وأضاف: والحق أن هذا الرأي، من وجهة نظر الثقافة، لا يخلو من الصواب تماماً، إنه يتكئ على خبرة تاريخية مباشرة ترى في السياسة مصدراً للكثير من الكوارث والمآسي والويلات.
إن الصورة الميكيافيلية للسياسة كانت دائماً هي الغالبة والواقعية في الممارسة السياسية تاريخياً، وقد ارتكزت على دعامتين أساسيتين، هما العنف والخداع. والثقافة، حين تقدم على تعريف السياسي وتصويره، فإن النموذج السائد، الأكثر حضوراً في وعيها، للسياسي الأمثل، هو السياسي المخادع المخاتل، الأناني والمقامر، الذرائعي والقاسي القلب الذي يملأ الشك قلبه، فلا يثق حتى برفاق دربه، على حد تعبير سارتر!
وتحدث د. سربست نبي بعد ذلك عن اشتراك الثقافة والسياسة في أن كلاً منهما وسيلة، لا غاية، معرفاً الثقافة بأنها (كلٌّ مركّب يشتمل على الرؤى والمعارف والمعتقدات والفنون والأخلاق والقوانين، التي تنبثق عن موقف الإنسان في الحياة، وتعكس رؤيته للعالم)، بهذا يتضح أن للثقافة نطاقاً مشتركاً واسعاً وعميقاً مع السياسة.
ثم تطرق إلى السياسة في المدينة الإغريقية، إذ كانت شأناً عاماً ومشتركاً، وكان ينظر إلى الإنسان على أنه كائن سياسي، في تلك البرهة التقت السياسة بالفلسفة، لأنها مثلت التعبير الأسمى عن الحرية. وهكذا نشأت هنا الفلسفة السياسية، ويعود إلى أفلاطون الفضل في السعي إلى جعل الفلسفة سياسية إلى أبعد مدى، وظهر ذلك في كتابه (الجمهورية). ورأى د. سربست أن لينين كرس الطلاق بين الفلسفة والسياسة، لمصلحة أهداف الأخيرة، إذ كان يبرر العنف بحق الآخرين تحت شعار (العنف الثوري).
بعد ذلك راح يبين تراجيدية العلاقة بين المثقف السياسي من زوايا الغايات، والوسائل التي يستخدمها كل منهما، وتبرز في المقارنة بينهما مسألة الجدارة الذاتية، وهي تعني الكفاءة والذكاء والحذق والبصيرة والشجاعة معاً، وهذه الجدارة لا تبدو مطلوبة وضرورية في كل الأحيان للسياسي، في حين لا تنفصل عن عمل المثقف إنها بداهة نشاطه، السياسي يسعى إلى تأبيد الواقع وتكريس ما هو قائم، بينما يتطلع المثقف إلى تجاوز الراهن وتخطيه نحو ما يراه أكثر كمالاً.
وشدد في الختام على أهمية أن يبقى المثقف في موقف النقد تجاه السلطة، أي سلطة، فالموقف من السلطة هو شرط (أبستيمي) قبل أن يكون شرطاً أيديولوجياً أو سياسياً.
المثقف معلق بين ضرورات الأنظمة وخيارات الشعوب بدأ الباحث حمزة منذر مدخلته بالقول:
تعريف:
(المثقف) يمتلك حداً معيناً من المعرفة وإنتاجها ومنخرط في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في مجتمع ما.
إذا كانت السياسة بالجوهر هي فعل ثقافي، فإن غيابها وتحطيمها يؤثر سلباً على الحياة الثقافية بوجه عام، الشيء الذي يزعزع صورة المثقف وارتباطه بالناس. ومع ذلك فالمثقف ـ وفق مفهوم غرامشي ـ هو مثقف التجاوز القادر على الاستشراف، ويجب ألا يكون في حالة تطابق مع صورة الواقع الراكد.
مثلما يحاول جهاز الدولة ابتلاع وتهميش القوى السياسية في المجتمع من أحزاب وقوى المجتمع المدني، كذلك يحاول جهاز الدولة ـ أي السلطة ـ جعل الثقافة والمثقفين في خدمة السياسة، وهذا واقع طبقي ماثل للعيان.
لذلك أصبحت مهمة المثقف الآن أكثر صعوبة من ذي قبل بسبب غياب الفعل السياسي، وبالوقت ذاته أصبحت مهمة الإنتاج الثقافي ـ المعرفي بمنتهى الصعوبة في ظل غياب السياسة عن المجتمع.
من هنا برزت لدينا الآن ظاهرة المثقف المهذب المطواع، الذي كان في السابق مرتبطاً بالفعل السياسي وملتزماً بقضايا الناس ويساهم في تكوين وعيهم الاجتماعي ـ السياسي، وإذ به يغير قناعاته ويتحول إلى كلب حراسة يدافع عن الليبرالية الجديدة. وهو يجد في حالة اليأس والإحباط عند الناس العادييين، وحالة النكوص عند السياسيين ذريعة لتغيير موقفه وحجة لموقعه الجديد.
الأمر المفجع أنه عندما ينهزم المثقف لا يتحول إلى خادم لضرورات الأنظمة فحسب، بل يتوقف عن إنتاج المعرفة والثقافة المؤثرة والقادرة على تفسير الواقع المألوف أو تغييره نحو الأفضل.
لا شك أن الفرز جار في الحياة الثقافية والسياسية والعربية. وهنا يأتي دور المثقف الذي لا يساوم والذي يحافظ على قيمه وقيم المجتمع عبر الالتزام بقضايا الناس، التي تصبح لديه هموماَ شخصية له يصوغها بلغة يفهمها أصحاب العلاقة دون تعالٍ أو تسطيح في المفاهيم.
وإذا كان المثقف لا يستطيع أن ينظم مظاهرة ـ لأن هذا من مهام السياسي ـ فإنه يستطيع بإنتاجه المعرفي كل في حقله أن يحول الوعي إلى إرادة قادرة على مواجهة (ثقافة القبح) و(تسليع الحياة الروحية للبشر). وعند ذاك تتحول الكلمة إلى قوة مادية على الأرض!
المثقف في الحزب
تناول سلامة كيلة في بداية مداخلته عنوان الطاولة (الثقافة والسياسة)، إذ إنه يعطي الانطباع بتكرار مفاهيم ومصطلحات، هي في العمق في ترابط مع نمط من الوعي يحتاج إلى تمحيص وتدقيق، وأيضاً إلى نقد، إنه إشكالي لأنه يعبر ـ في الوعي الرائج ـ عن عمومية (أو تعميم) هي سمة في (الثقافة) العربية، فهذا المصطلح يشمل الفكر والفلسفة، كما يشمل التاريخ، وصولاً إلى الأدب والفن، ولكنه غالباً، عندنا، ما ينحاز إلى هذين الأخيرين ليكون المثقف هو كاتب القصة والشاعر والروائي، لأن الفلاسفة والباحثين في الاقتصاد والتاريخ والفكر، يُطْرَدون من (التفكير) يُقصَون أو يهمّشون، أو يجري تجاهلهم.
وتستوي (الثقافة) أحياناً بـ (المعلومات العامة)، أي الفلسفة، النظرية، الاقتصاد، الاجتماع. الإشكال في العمل السياسي، في الممارسة السياسية، هو بين الفكري وما يسمى (السياسي)، وهو ما كان يبقي العلاقة متوترة بين (المثقف) و(السياسي)، وقد كان (السياسي)، لأنه يمسك بالبنية، يطرد الفكري أو يخضعه لكي يتحول إلى مبرّر لتكتيك السياسي.
كان (المثقف) في الحزب يبدو (رفيقاً مُتْعِباً)، يحب الثرثرة، وإظهار الذات والتميز، والأستذة، وذلك فقط لأنه يطرح الأسئلة) ولهذا، كان يُطرد حتى لا يكشف هشاشة القادة.
يمكن القول إن السياسي (خصوصاً الماركسي)، لم يكن يتعامل مع السياسة بوصفها فكراً، وعياً، بل بوصفها (ممارسة) تقوم على الحدس، وتنطلق من تلمس الحسي. وبالتالي كان يخطئ تحديد الرؤية، والسياسة، ويؤسس لتكتيك ضالّ.
أما إذا نظرنا إلى السياسة من زاوية كونها فكراً، وأن السياسي مثقف يمتلك الفكر، ويحلّل الواقع انطلاقاً منه، فإن المثقف في هذا الوضع هو سياسي، فهو جزء من الحزب السياسي، لكن بوعي أعلى، وأعمق، يتجاوز الوعي (الوسطي) الذي يتسم به السياسي. ولأن السياسي هو الذي هيمن في الحزب، أصبح الفكر خارج الحزب، وهو الأمر الذي أسس للنظر إلى الثقافة كشيء خارجي، وهذا أفضى إلى أن الأحزاب الماركسية لا تنتج مفكرين، منتجي فكر، وكل من كان كذلك فيها أصبح خارجها، طُرد أو أُبعد أو انسحب بصمت أو صمت.
على ضوء ذلك يمكن تلمس طبيعة العلاقة بين (الثقافة) والسياسة، أي بين الفكر والعمل السياسي.
إن ما يضيفه الحزب في الصراع الطبقي هو الوعي، الفكر، من أجل تحويله من صراع عفوي وجزئي، ولحظي، إلى صراع منظم مستمر وشامل ومبني على هدف.
إذن، ليس من عمل سياسي دون وعي، ومشكلة الحركة الشيوعية كمنت في أنها كانت تفتقد الوعي الماركسي، بل كانت تطرد كل مُدْخلي الوعي الماركسي، أي كل من ينطبق عليه مصطلح (المثقف العضوي)، وفق تعبير غرامشي.
المثقف والالتزام
بدأ الرفيق سيف الدين القنطار مداخلته يقول جان جينيه: (حين تنشر مقالات في مجتمع ما تدخل للتو واللحظة دنيا السياسة).
وفي ضوء ذلك ثمة حتمية انتماء، أياً كانت خلفية المثقف، وهو يؤدي دوراً محورياً في المجتمع الحديث.
إذاً، ما من مثقف غير ملتزم، فالواقع الاجتماعي ـ كما يقول غرامشي ـ ينقسم إلى قسمين: الحكام والمحكومين، وعلى المثقف أن يختار بين الانضمام إلى المنتصرين والحكام، أو السير في الطريق الشاقة ورفع راية المحكومين.
كل ذلك جعلنا نضيق ذرعاً بمذهب الفن للفن، وبالنيل من مفهوم التزام المثقف والمفكر. ولم نكن نصغي لأي مثقف يزعم أنه يكتب لنفسه، أو من أجل المعرفة الخاصة. وكنا نؤكد بحماسة أن المثقف يمثل التنوير، وهو نصير الحرية، ويعبر عن إرادة التغيير والتقدم الإنساني.
أمر آخر لا بد من الإشارة إليه، فقد كنا ، نحن الشيوعيين، في ذروة التطلّب، وميزنا بين الالتزام بمعناه الواسع وبين الالتزام الحزبي، فآثرنا هذا على ذاك، ولم نكن في ذلك على صواب. وحكمنا بقسوة على كثير من المفكرين والمثقفين ذوي النزعة التقدمية والإنسانية، لأنهم لم يكونوا في الحزب.
وكنا نرى أن على المثقف أن ينفذ بكل طواعية ما تقتضيه متطلبات العمل الحزبي، والواقع أن دون ذلك تحديات كثيرة نشير إلى بعضها:
ـ الحزب يطلب من أعضائه الولاء السياسي القائم على التلقين، والمثقف يميل إلى التعبير عن هذه السياسة بلغته الخاصة.
ـ لغة الحزب ترتدي دوماً ثوب اليقين، وصحة الموقف، بينما ينطلق المثقف من لغة قوامها الوصول إلى الحقيقة عن طريق الشك.
ـ لغة الحزب متفائلة تدعو إلى التبشير، وتجميل الواقع، بينما يميل المثقف إلى تعرية الواقع بلغة نقدية.
ـ يركز الحزب على وحدة التوجه، ووحدة الإرادة والعمل، ويؤمن المثقف بأهمية التنوع، وثقافة الحوار، والديمقراطية الحزبية.
كان على المثقف في مراحل كثيرة أن يعزز عبادة قادة الحزب، يدبج الخطب ويتلو القصائد التي تسبح بحمدهم. وكان عدم الانسياق وراء ذلك يسبب ابتعاد المثقف عن الحزب، ويعرضه للاتهام.
ومع ذلك نجح بعض المثقفين في الحفاظ على مواقعهم الحزبية، وأدركت بعض الأحزاب أهمية منح المثقف مساحة من الحرية. ولا تزال إشكالية العلاقة بين المثقف والحزب برسم المثقف والحزب معاً، فكل منهما ضرورة للآخر، والسياسة الحزبية الملهمة لا تنهض إلا في أحضان الثقافة.