غيم وشتاء وامرأة

جوزف أبي ضاهر قرأها 6
 

غيم وشتاء وامرأة

جوزف أبي ضاهر

أقف على حافة الغيم، يدي تمسك بي:

ـ انتبه، المطرة يبتلعها البحر.

***

تحوّلت امرأة غيمة:

ـ سأظل في جيرة السماء.

استيقظت غيرة سابقاتها. نفخوا في الهواء ليبعدها، ليشرّدها من دون أهل، أو بيت، أو أرض، ليمزق ثيابها، ليكشف عريها، فلا تعود تمسك إرادتها، وتسقط نزوة بعد نزوة، دمعة بعد دمعة فوق التراب... وفعل.

أدخلها التراب بيته، أطعمها، ألبسها ثوبه، وأخفاها عن العيون حتى الصحو، فأخرجها نسغًا في قامة خضراء، أزهرت وأثمرت واشتهتها العيون والأيدي والشفاه... حتى وصل مذاقها الى القلب، فأخفاها عن العقل.

السرّ لن يقسم بين اثنين.

***

سرّح الريح شعر البحر، واسترد أصابعه وعليها الكثير من الرغبات.

***

شتاء، ترتجف الأشجار من البرد، وتُصرّ على خلع ثيابها لترقص.

***

قبل أن تنعس الشمس، وتدخل الأفق لتنام، تنشر ثياب النهار فوق حبل ملوّن، وتنسى وضع الملاقط فوقها، فيسرقها الغيم من درب الريح.

***

خاط الهواء قميصًا من الغيم، وانتبه:

لم يأخذ مقاس جسده!

***

الشتاء يشتري أوراق الأشجار هديّة لأرض يقع في قلبها.

***

الحطّابون يطعمون النّار حطبًا... وتعبًا، وحين يقترب اللهب منهم، يتراجعون.

***

الشتاء يطارد النّاس في أسرّتهم.

الربيع يطارد النّاس في حقولهم.

الصيف يطارد النّاس في ثيابهم.

والخريف يطارد النّاس في المرآة.

***

الشتاء معلّم الفصول، يكتب بالحبر الأخضر، ويحمل ممحاة، يصحح بها نزوات الخريف.

***

في اليوم الأول رمى الخبز من النافذة.

أكلت العصافير.

في اليوم الثاني سكب ماء من النافذة.

شربت الياسمينة البيضاء، ولوّحت بالعطر.

في اليوم الثالث رمى العمر عن جسده، وأقفل النافذة.

انفتح باب الغرفة على التراب.