مجتمعنا، بتراجعه مدنيًّا، يتراجع ثقافيّا أيضًا

نبيل عوده قرأها 8
 

مجتمعنا، بتراجعه مدنيًّا، يتراجع ثقافيّا أيضًا

نبيل عودة *

هل يمكن وصف المجتمعات العربيّة بأنها مجتمعات ثقافيّة؟

يبدو السؤال من البديهيات، فمن يجرؤ على انكار الثقافة العربيّة، ونشوء مثقفين عرب، وإنتاج ثقافيّ عربيّ بعضه يترجم للغات الأجنبية، ويعتبر ضمن الإبداعات الثقافيّة الهامة في عالمنا المعاصر؟

حقًّا هنالك تفاوتات واضحة وعميقة بين المستويات الثقافيّة في مجتمعات العالم العربيّ، تفاوتات بين المراكز والضواحي، إذا صح هذا التعبير، إذا اعتبرنا أنّ القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد تشكل المراكز، فسائر العواصم العربيّة ما تزال تدور في فلك مراكزها.

حتى هذه المراكز ليست ثابتة مثل كواكب المجموعة الشمسية، حيث لكل كوكب بُعده الثابت ومداره الذي لا يتغير حول الشمس. في الثقافة، الموضوع بالغ التركيب والتداخل. قد ينشأ في الضواحي ما يُعتبر بالمقاييس الثقافيّة تجاوزًا لمكانة المراكز التي تبدو ثابتة ومستقرة.

إذًا ما هو المعيار لمدى ثقافيّة المجتمع، لمدى مشاركته في النهضة الثقافيّة لأفراده؟ وانا أستعمل "الثقافة" مجازًا للتعبير عن كل ما يمت بصلة لإبداع الإنسان الاجتماعي، من فنون وعلوم وآداب وتقنية ورفاه اجتماعي.

في الغرب يستخدمون مصطلحين للدلالة على الثقافة: "الثقافة" وَ "الحضارة". الثقافة تدل على الإبداع الروحيّ من فن وقصة وشعر ومسرح وسينما وموسيقا ورقص، والحضارة تدل على  الإبداع المادّيّ من تطوير صناعي وعلمي وتقنيات رفيعة تزوّد مجتمعها بأسباب القوة والرفاهية والأمن في جميع المجالات، الاجتماعية والغذائية والصحية والعسكرية.

نحن العرب نستخدم "الثقافة" للدلالة على شكلَي الإبداع، الروحيّ والمادّيّ. ولكن كثيرًا ما نفهم المصطلح  بمفهومه الروحيّ فقط.

إن في استعمالنا لمفهوم الحضارة، لوصف حالتنا الاجتماعية، الكثيرَ من عدم المطابقة. ببساطة أنا لا أرى حضارة. لا أرى أنّ مجتمعاتنا العربيّة أنجزت ولو القليل الذي يضعها على خارطة الإبداع العلمي والتقني (الحضاريّ). لا أرى أنّ مجتمعاتنا ساهمت في حركة النهضة، التي غيّرت وجه أوروبا، ومن ثَمّ وجه العالم، بينما وجه مجتمعاتنا العربيّة وما يُعرف بدول العالم الثالث، متحجّرة في مكانها، عدا بعضها الذي بدأ يلحق بحركة النهضة الحضاريّة والثقافيّة، مثل الهند والصين والبرازيل وبعض دول جنوب شرق آسيا .

لا أرى أنّ مجتمعاتنا العربيّة أضافت شيئا  للنهضة الأوروبية التي انتشرت في العالم الواسع، والتي بدأت منذ عصر النهضة (الرنيسانس) في القرن الرابع عشر حتى القرن السادس عشر، مُحْدِثة نقلة عظيمة لأوروبا من عصر القرون الوسطى وسيطرة عقلية محاكم التفتيش الكنسية، إلى العصر الحديث وبناء الأنظمة الديمقراطية الليبرالية التي حررت الإنسان من عقلية العصور الوسطى الغيبية المنغلقة. ولم تتوقف مسيرة النهضة الإنسانية، إذ تلتْ عصرَ الرنيسانس -عصر النهضة الاوروبية الأول- نهضةٌ أخرى متمثلة  بالثورة الصناعية، ومن ثم الثورة العلمية، وصولاً إلى ثورة المعلومات والتكنلوجيات البالغة الدقّة، وما زلنا نواجه كلّ يوم مزيدًا من الاكتشافات العلميّة والتقنيّة والرقيّ للعقل البشريّ.

هل سألنا أنفسنا عن أسباب وجودنا في قاع الركب الحضاريّ؟ لماذا نحن لا نساهم إلاّ في الاستهلاك الحضاريّ؟ لماذا نحن لا دَوْر لنا في التصدير العلمي والتقنيات؟ لماذا نحن لا نؤثر في برمجيات وسياسات عالمنا؟ لماذا لا يُحسب حسابنا من دول تعتمد في الطاقة على مصادر في بلادنا نمتلكها (امتلاكًا شكليًّا على الأقلّ)؟

هل سألتم أنفسكم: لماذا تُقبل الرواية الإسرائيلية وتُرفض الروايات العربيّة؟ لماذا يقبل الخطاب السياسي الإسرائيلي ولا يستمع أحد لخطاب العرب السياسي؟

هل سأل أحدكم نفسه: كيف يصل الإسرائيليون للحصول على جوائز نوبل في العلوم والاقتصاد والطب والأدب، ولا نجد اسمًا عربيًّا نرشّحه، إلاّ إذا كان مغادرًا لوطنه ويقوم بأبحاثه ويعيش في بيئة غير عربيّة؟

إذن هل يمكن وصف مجتمعتنا العربيّة بالمجتمعات الثقافيّة لأنّنا ننتج الأدب، شعرًا وقصّة ومسرحًا؟

حسنا، الواقع العربيّ مخجل، هناك 100 مليون عربيّ أمّيّ، وهذا لا يعني أن الـ 150 مليون الآخرين يقرأون ويكتبون أو يفهمون المقروء. هناك أطفال لم يصلوا للمدارس بعد، وهناك من يفكون الحرف ولا يُدرجون ضمن الأمّيّين. وهناك من لا يقدرون على تعبئة نموذج بسيط، هم أيضا غير أمّيّين –إذ هل من يقرأ 100 كلمة، في السنة، يُعتبر متعلّمًا غير أمّيّ؟

ما أبتغيه هنا إثارة التفكير بماهية الثقافة العربيّة، وقدرتها على التأثير الاجتماعي على المواطن العربيّ، بصرف النظر عن اسم الدولة أو موقعها الجغرافي.

إنّ تأثير الثقافة العربيّة الروحيّة له مساحة ضيّقة جدًّا، وهذا نابع من غياب حركة نهوض حضاريّ في المجتمعات العربيّة.

حسنا، نثرثر كثيرًا حول تاريخنا الحضاريّ، عدا الإبداع الأدبي في العصر الجاهلي، ثم في العصر العباسي، وصولا إلى الأندلس. لا أجد أنّ العرب أنتجوا حضارة. إنّ تطور العلوم والموسيقا والفنون والترجمة، في العصر العباسي الذهبي، عصر هارون الرشيد وابنيه، الأمين والمأمون، كان عصر الانفتاح والحرّيّات والتحرر من الكبت الديني، وإشراك القوميات والديانات الأخرى في النهضة الحضاريّة للدولة العباسية، ومن ثم لدولة الأندلس، أي إنّ الحضارة لم تكن نتاجا عربيًّا بقدر ما كانت استمرارًا للحضارات التي ظهرت في أرض العراق عبر تاريخه الطويل، من العصر الوثني مرورًا بالعصر المسيحي – الأشوري. والمتتبّع للأسماء التي برزت في العلوم والطبّ والموسيقا، وحتى في الشعر، لا يحتاج إلى مرشد مثلي ليعرف من أين جاءوا. والأمر ذاته ينسحب على الأندلس، الحرية الدينية والانفتاح على حضارة الإسبان التي أُنتجت قبل الغزو الإسلامي، كانا وراء الإنجازات الرائعة في كلّ مجالات العلوم والفنون والبناء والأدب والفلسفة والطب  للدولة الأندلسيّة، والتي انهارت مع تحوّلها إلى دول طوائف منغلقة دينيًّا.

إذًا، المسألة تتعلق بالماهية الاجتماعية، ومساحة الحرية التي يوفرها النظام لمجتمعه وإنسانه.

هل يمكن أن تتطور حضارة مثلاً في دولة مثل السعودية، التي تضاعف دخلها عشرات المرات من ارتفاع أسعار النفط؟

يمكن أن تظهر أعمال روائية جيدة، هذا ممكن ويحدث فعلاً. أمّا أن تنشأ حضارة في جذورها تطوير الأبحاث العلمية والتكنلوجيا وتحوّل الجامعات السعودية إلى مراكز علمية وتعليمية مرموقة عالميًّا، وتطوير اقتصاد معاصر لا يعتمد على بيع النفط، الذي سيزول بعد عقود قد تطول وقد تقصر، وتحوّل السعودية إلى دولة تنتج بعض التكنلوجيات التي تستهلكها، أو نشوء جيل من الباحثين في مختلف مجالات العلوم والتكنلوجيا والتصنيع فهو الأمر المستحيل، حتى لو وُجدت العقول القادرة.

إذًا، لماذا نستهجن هجرة العقول العربيّة؟ لماذا نستهجن وجود أكثر من 500 عقل مصري، من أبرز الاختصاصات وأهمها في العالم، في الدول الغربيّة لا في مصر أو الدول العربيّة؟

هل اكتفينا بما نسمه بثرثرتنا: "حضارتنا العربيّة"؟ أين هي جذور هذه الحضارة التي لم أجد عليها ولو شاهدًا واحدًا، إلاّ إذا اعتبرنا أنّ تراثنا الشعريّ والأدبيّ هو معيار حضارتنا الوحيد؟

أين الحضارة العربيّة من حضارات العراق القديمة؟ من حضارة مصر القديمة؟ من حضارة سوريا القديمة؟ من حضارة الكنعانيين القديمة؟ من حضارة اليونان القديمة؟ من حضارة الرومان القديمة؟ من حضارة الفُرس القديمة؟

أين الحضارة العربيّة من عصر الرنيسانس في البندقية بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر؟ من الثورة الصناعية الأوروبية؟ من الثورة العلمية والتكنلوجيا وثورة المعلومات التي تعصف بعالمنا وتتجاوز مجتمعاتنا؟

أين الحضارة العربيّة من مجاراة الانطلاقة الحضاريّة العاصفة لدولة الصين الحديثة، ودولة الهند الحديثة ؟ حتى سنغافورة الفقيرة تتطور وتنطلق نحو آفاق حضاريّة. وكوريا الجنوبية تتحوّل إلى منتج تكنلوجيات راقية. وتايوان المحاصرة من الصين تتفوّق على العالم العربيّ كله بإنتاجها.

إسبانيا (المستعمَرة العربيّة السابقة) يتجاوز إنتاجها القومي الإجماليّ إنتاج كل الدول العربيّة. إيطاليا الصغيرة  تصدر أكثر من  1.5 % من التصدير العالمي، والعرب لا يتجاوز تصديرهم مع كل مليارات نفطهم الـ 1.25% من التصدير العالمي.

لا أريد أن أقدّم إسرائيل نموذجًا حتى لا يتّهمني محدودو العقول وفاقدو المنطق بمدح العدو، ولكن أكتفي بالقول إنّ مستوى حياة الإنسان، بما في ذلك العربيّ المواطن في إسرائيل، يتجاوز بعشرات المرات مستوى حياة المواطن في سوريا مثلا، أو في مصر، أو المواطن العادي حتّى في دول النفط. تضاف إلى كلّ هذا الحقوق المدنية والاجتماعية والتأمينات الصحية وتأمينات العجز والشيخوخة...

هل هذا نتيجة الحضارة أم التخلف الحضاريّ؟ وهل يساعد "التاريخ الحضاريّ المجيد"، الذي يعيش الغيبيّون على وقع أنغامه، على إطعام الجياع العرب ومحو أمّيّتهم؟

نعود إلى السؤال الأول: هل يمكن وصف مجتمعاتنا العربيّة بأنّها مجتمعات ثقافيّة؟ وما هي شروط نشوء مجتمع ثقافيّ أو مجتمع حضاريّ؟

من الواضح، من التجربة التاريخية للشعوب المختلفة، وتجربتنا المريرة في السنوات الأخيرة، داخل المجتمع العربيّ في إسرئيل، أنّ غياب المجتمع المدني، والعودة لسيادة العقليّة العائلية - القبلية، والطائفية، او الدينية السلفية المغلقة، هو في صميم غياب الحضارة وغياب الثقافة بمفهومها الاجتماعي لا الفردي.

نحن أيضا لم نصل بعد لنكون شركاء كاملين في النهضة الحضاريّة داخل إسرائيل، بعضها عوائق سلطوية وبعضها عوائق ذاتية أيضا، ولكن الحقيقة المجردة ان بعض العقول العربيّة في إسرائيل تساهم في الكثير من مجالات تطوير الابحاث العلمية والاجتماعية والتقنية، وبأبحاث لها قيمة عالمية نادرة. وهناك أسماء تعتبر رائدة في الابحاث، وتقدم لها من المؤسّسات العلمية، كل الامكانيات المادّيّة، وبمقاييس ضخمة جدًّا. ولكن ما يقلقني ليس هذا الجانب الذي نتقدم فيه ببعض الصعوبات، إنّما قضية واقعنا الاجتماعي كما يرتسم في السنوات الأخيرة.

مجتمعنا العربيّ الفلسطيني داخل إسرائيل لم يكن في تاريخه القصير الممتد منذ ستة عقود، مفسخًا مجزَّأً متعاديًا مثل ما هو عليه اليوم.

إنّ التجزئة في مجتمعنا ليست سياسية فقط. التجزئة السياسية لا تخيفني، بل من المفروض ان تطلق الحوار الفكري والاجتماعي وتحقق نهضة ثقافيّة سياسية فكرية اجتماعية  نقدية واسعة؛ غير أن ما حدث هو العكس تمامًا. لم تتكاثر الأحزاب في مجتمعنا على قاعدة تطوّر مجتمعنا المدني الثقافيّ، إنّما  تكاثرت على قاعدة عائلية وطائفية بغيضة، همشت مدنيتنا وأعادتنا إلى فكر داحس والغبراء.

أن يقول شخص يدّعي الماركسية والوطنية، في جسم سياسيّ أساسيّ، إنّ ارتفاع  شأن العائلية في قرانا يفرض علينا التعاون معها، تلك جريمة أخلاقية قبل ان تكون جريمة سياسية. هذا يعني أنّ أحزابنا (الماركسية والوطنية على الأقل) التي تُعتبر منظمات للمجتمع المدني، تشطب قاعدةَ وجودها الشرعية، حين ترى الطائفيةَ قوةً سياسية ينبغي بناء تحالفات معها لتحقيق مكاسب سياسية!!

تصوروا حزبًا شيوعيًّا يتحالف مع العائلة "أ"  ضدّ العائلة "ب" في انتخابات لسلطة محلية، وعندما يخوض معركة سياسية، كانتخابات للكنيست مثلاً، كيف سيقنع العائلة "ب" التي وقف ضد مرشحها لصالح مرشح العائلة المنافسة "أ"، أن تصوّت له؟ هذا عدا الواقع الأسوأ ان اللعب بين العائلات وعدم نقده فكريا وسياسيا يضر بمجتمعنا ويرجعنا حضاريًّا إلى الماضوية ويجرنا الى ظواهر العنف الداخلي التي نعاني منها وتمزقنا، وينسف مبنى مجتمعنا المدني. كذلك لا يمكن ان افهم الصمت الحزبي ضدّ الميول الطائفية التي تزيد تفسخنا الاجتماعي بشكل بات وصفه بالآفة تلطيفًا للواقع.

إنّ الثقافة لن تتطور إلاّ في المجتمعات المدنية المتحررة من الطائفية والعائلية. والحضارة لن تقوم لها قائمة في مجتمعات دينية طائفية متصلبة او عائلية قبلية متعادية.

هل من المستهجن اذن ركودنا الثقافيّ وخواؤنا الفكري، وفقرنا للإبداع الأدبي بالمستوى الذي عايشناه في سنوات الستين والسبعين، بل وما قبل الستين أيضا؟ وحتى في المدن الفلسطينية قبل عام النكبة نشأت قاعدة للمجتمع المدني المتماسك، وتطورت الصحافة والنشر وانتشرت النوادي الثقافيّة والمسرحية والنقابات والأحزاب.

ان المجتمع القبلي لن ينتج ثقافة أو حضارة، ولم ينتج سابقًا حضارة تذكر.

المشكلة ليست في الدين. الحضارات البشرية القديمة كلها أنتجت أديانًا عديدة، لخدمة نهضتها الحضاريّة. اليوم  ننتج الدين لخدمة ركودنا الثقافيّ والحضاريّ. هذا هو الواقع العربيّ اليوم.

ما أراه أنّ المدينة العربيّة تطأطئ الرأس امام زحف الصحراء. حسنا، الكتابة الإبداعية لا تحتاج إلى مؤسّسات للبحث العلميّ، ولا إلى تكنلوجيات دقيقة. الكتابة الإبداعية قد تتأثر سلبًا أو إيجابًا بالواقع المدني، لذا ليس من قبيل المصادفة أن أبرز الأسماء الأدبية جاءت من اليسار، واليسار الأكثر التزامًا بأيديولوجيا ثورية، والمنفتح على التراث الثوري العالمي بكل تياراته وامتداداته الكونية، ورفضًا لزحف الصحراء وما تمثله من فقر فكري ومدني.

إنّ مجتمعنا، بتراجعه مدنيًّا، يتراجع ثقافيّا أيضًا، وهو تراجُعٌ بالغ الخطورة، ليس على الإبداع الأدبي، على القصة والشعر، إنّما على تطوير الفكر وتطور إنسان المستقبل. إنّ من ينشأ في ظل الفكر العائلي المغلق، أو الفكر الطائفي المتزمت، سيواجه إشكاليات عويصة للغاية في شق طريقه نحو حياة مدنية راقية، وفي الوصول الى المساهمة في الانجازات الحضاريّة للمجتمع البشري.

·         كاتب، ناقد وإعلاميّ – الناصرة - nabiloudeh@gmail.com