هكذا كان

عطية مسوح قرأها 6
 

بدأنا بقراءة أدب نجيب محفوظ منذ كنا يافعين، ولم نفرغ منها ونحن كهول.
لقد رافقنا هذا الأديب في مراحل العمر المختلفة، وكان مع صنوه السوريّ حنا مينه، غذاء روحياً وفكرياً لا نستغني عنه.

كنا نرتاد المكتبات، باحثين عن كتاب جديد صادر في بلاد الشام أو مصر، وكانت تعيش في عقولنا وقلوبنا أسماء أدباء كبار، نتلقف رواياتهم أو مجموعاتهم القصصية، أو مؤلفاتهم الفكرية والنقدية، كما يتلقف الجائع طعاماً لذيذاً. قرأنا، وتابعنا في مراحل مختلفة نجيب محفوظ وحنا مينه، كما قرأنا محمود تيمور وعبد الحميد جودة السحار ومحمد عبد الحليم عبد الله وشكيب الجابري وتوفيق يوسف عواد وسواهم.

لا شيء يذهب دون أن يترك أثراً، ومؤكد أن لمفكري عصر النهضة وأدبائه ومن تلاهم إلى اليوم، أثراً كبيراً في تكوين شخصياتنا الثقافية، لكنّ ذلك الأثر كان متفاوتاً.

امتاز نجيب محفوظ من غيره من كتاب مصر الكبار بميزات جعلت رواياته مصدراً لنا في التعرف إلى المجتمع المصري ونفوس المصريين وطرق تفكيرهم وسلوكهم. لذلك كان أثره فينا كبيراً ومستمراً، بينما كان أثر الكثير من أقرانه ومعاصريه من الروائيين ضعيفاً وعابراً.

قد يكون محمود تيمور وعبد الحميد جودة السحّار وسواهما، عاشوا بين الناس، وصوّروا حياة الفئات الوسطى والشعبية. لكن نجيب محفوظ تجاوزهم في شيئين، جعلا أدبه الواقعي خالداً. أولهما تلك الرؤية الفكرية المتسقة الشاملة، التي كانت روحاً ناظماً لكل أعماله الأدبية.

وثانيهما تلك الموهبة التي جعلت غوصه في تفاصيل الواقع ومتحه منه وفهم النفوس والسرائر في ارتباطها مع البيئة الاجتماعية، عملاً فنياً عالي السوية. حتى إننا كثيراً ما كنا نتناقش حول إمكانية إدخال تعديلات ما على ملامح هذه الشخصية المحفوظية أو تلك، أو حتى إمكانية استبدال كلمة بأخرى أو موقف بموقف، فلا نجد بديلاً لما صممه هذا المبدع الكبير ونسجه وقدّمه لقرّائه.

المبدع يكون كبيراً حين يعبّر إبداعه عن موقف فلسفي من الحياة والناس، موقف يربط بين أعماله كلها، ويشدّ أوصال عمله الفني بعضها إلى بعض، وهذا ما افتقده روّاد آخرون عاصروا نجيب محفوظ، وعاشوا بين الناس وحاولوا (أن يكونوا واقعيين)، فصوّروا جوانب من حياة الفئات الوسطى والشعبية لكن تصويرهم كان ساذجاً لأنهم لم يتمكنوا من وصل الخاص بالخاص، واللوحة باللوحة والموقف بالموقف، لم يربطوا التفاصيل بموقف فكري فلسفي يجعل منها لوحة، ويحوّلها من لمحات مبعثرة إلى شاهد للعصر والحياة.

هذا ما ميّز نجيب محفوظ من سواه من رواد الرواية والقصة في مصر، الذين تفاوتوا في اقترابهم من قمته الشامخة، وهذا ما جعل أثره في القراء كبيراً، وبصْمته على صفحة الرواية العربية ثابتة وتأثيره على أجيال الكتّاب اللاحقة عظيماً ومستمراً.

سئل نجيب محفوظ بعد أن مُنح جائزة نوبل للآداب: من ترشح لهذه الجائزة من الكتاب العرب؟ فأجاب دون تردّد أرشّح حنا مينه.

الكبير يعرف الكبير، ويقدّره، ويقرّ بأهميته. الكبير لا يغار ولا يتجبّر ولا يلغي الآخر، لا تحدّد مواقفه عقدة نقص تجاه أنداده أو منافسيه، لأنه يعرف أن امتدادهم لا يحجّم مساحاته، وأن تسامقهم لا يحجب قمته الشامخة. إنه يكبر بهم ويكبرون به، فهم يكوّنون معاً لوحة العصر، وتتكامل أدوارهم لبناء صرح الثقافة العربية المعاصرة.

الريادة، بحد ذاتها، فضل كبير لا يمحوه الزمن.

والاستمرار حضور يعزّز الريادة، ويجعل الأديب شاهداً على تحولات العصر.

والموقف الفكري المتماسك أساس متين لكل إبداع خالد. والنزعة الإنسانية هي التي تجعل الأدب لصيقاً بالحياة وبروح الإنسان. وحين تجتمع هذه الأمور كلها في أديب تجعله فاعلاً في عصره، وخالداً على مرّ العصور. وهكذا كان نجيب محفوظ.