وتنداح الدّوائر
وَتَنْداحُ الدوائر
راوية بربارة *
خرجَ من الاجتماع وقد سَحَبَ المتحدّثُ فتيلَ فِكْرِهِ وَتَرَكَهُ قُنْبلةً موقوتةً، سارَ مندفعًا يطرد زناد الأفكار لئلاّ تقدَحَ شَرَرًا يُفجّرُهُ.. أمام باب بيتِهِ وَقَفَ طويلاً متأمّلاً ذاك الخشب المقيمَ الذي لا يرْحَلُ، يُطْرَقُ وَيُطْرَقُ فَيَفْتَحُ بلسانِهِ عالم الأسرارِ، ويُغلق منتدى الصور المتحرّكَة التي تركها في الشارع قبل قليل ... أكوامٌ منِ اللحمِ الصاخِبِ المتحرّك تهرول نحوه، هذا يمسكه في قَدَمِهِ وذاك أصبحَ فوق كتفِه، وتلك تلتصق بيده .. يُنقذه من هذا الاحتلال القسريّ صوت "حنين"... يتجه نحوها، يريد مصارحتَها بما جرى هناك، مشارَكَتَها بأفكارٍ سمعها للتوّ، يتراجعُ .. يخاف خدش حاضِرِها بأوهامِه المُستقبليّة.. يأكُلُ ساهمًا، وكلامٌ كثيرٌ يصبُّ في أذنيه، عن الأولاد والمدارس والأمراض والاحتياجات، يدور نقاش حادٌ بين الجالسين برؤوسهم التي لا تحلِّق أبعد من سقف المنزل، لكنّ صخب حديث الاجتماع يطنّ أعلى من كلّ الأصوات.. "الأقليّة".. "البلاد".. "الهجرة".. "المال".. "الأمان".. الله"... "الله" قالها بصوتٍ مرتفعٍ متعجّبٍ، فَعَمَّ صمتٌ مذهل اقتحمَهُ سؤالٌ من ابنته:
- ما الذي أعجبك أبي، رأيي أم رأيه؟
نظر إليها بدهشة، صاحَ وقد مَدَّ من الهاء حبلاً يتأوَّه به: "الله"
- ما الذي يُغْضبك عزيزي؟
سألته "حنين" بدهشةٍ باديةٍ! لم يُجب، ردّد كلمة "الله" بنبرةٍ حازمةٍ، ....
"لو أراد الله أنْ أحمّص قهوةَ أحلامي في الغربة، فلماذا إذن زرعني في هذه الأرض المقدّسة؟" خافَ أنْ تُفْضَح أفكاره فخبَّأ عينيه بيديه.. لا يعرف كيف قضى نهـاره، وليلتها لـم ينـم.. في الليلة الثانية لم تَنَم الأفكار.. في الثالثة لم تنم الأوهام.. وزارته جنّيات ما وراء البحار.. تركته الليالي ساهدًا شاهدًا ضعفَهُ.. منتظرًا موعد الاجتماع الآتي للاستفسار عن رحيل عائلي يُخفّف أعباء تلك المرّة الوحيدة التي يزور بها الأرض.. شاحبًا، مطأطئًا، مُقدمًا مُحجمًا، متلبّكًا وَصَل، جَلَسَ، أصغى ولم يسمع إلاّ حكايات مَنْ سافروا وعاشوا.. هناك عاشوا حيث لا زفراتَ لوحشٍ ينفخ ريحَ القلق في وجهكَ..
- والعمل؟
- مُنَظَّمٌ
- والسّكَنُ؟
- متوفِّرٌ للجميع
- وبيوتنا هنا؟؟!
- بيعوها..
قالها ذاك المتحدّث بسهولةِ مَنْ لَمْ يمتلك بيتًا في حياتِه.. ضَجَّت القاعة.. وضجَّ عقل الرجل.. إنّها الفكرة الوحيدة التي لم تكن تخطر له مرّة ببالٍ.. كم ضاقت الأيّام ولم تكن بحجم طموحاته، لكنّه مهما شتّت من أفكار لم ترد فكرة بيع بيته.. وكيـف يبيع بيتًا مَرهونًا للمصرف؟!
- وكيف نبيع بيتًا مَرْ .. ؟
أصابه الفزع من لفظ كلّ الكلمة، لكنّ المتحدّث سرق الأحرف من طرف لسانه وتابع
- مرّ وقتٌ ونحن نسكن فيه .. لكنه لم يُدّفئنا، لم يفتح نوافذَه ليُدخل لنا النور، لم يُدارِ فضائحنا.. هنا البيوت أسرار، وهناك البيوت حقيقة!! - لكنّ البيتَ مَرْ....
وعلقت الكلمة بين أوتاره كَحبّة سمسم غصّ بها، فسعل وسعل حتّى جحظت عيناه.
- وهل تُعَلّق آمالَكَ بحفنةِ ترابٍ وحجارةٍ مبنيّة؟ وَعَلِقَت الجملةُ الأخيرةُ تنداحُ دوائرَ وتتّسعُ تدقُّ بطبولِ الأمل أجراسَ السّفر.. تركَ الاجتماعَ وهروَل قبل أنْ يفلتَ منه القرار الأخير..
وَصَل البيتَ لاهثًا، لم ينتبه للباب المقيم، لم يطرقه، دفعه ودَخل.. ركض الأطفالُ حوله، رفعهم إليه، قبَّلهم.. رقصَ بهم رقصةً جنونيّةً.. حطَّهم أرضًا وسقط على الأريكة يتصبَّبُ عَرَقًا باردًا، و"حنين" ترمقه من الزاوية تستغرب ولا تستطيع أنْ تستخبر إلاّ بعينيها المتّسعتين دهشةً..
- حنين، تعالَي..
- وهل سترقص معي؟
- على وقع أنغام التانغو المسافرة..
قالها بنبرةٍ نابضة..
- هل جُننتَ؟
- بل تُبتُ إلى رشدي
- وهل الرقصُ توبة؟
- بل السّفرُ، إنّه التوبةُ النصوحة
- السّفرُ ؟ بدأتَ ترعبني
- ولماذا نخاف من كلمة السّفر، ونحن نسافر كلَّ يومٍ بآمالنا وبأحلامنا؟
- أيِّ وهمٍ سنسافر؟!
- لن نسـافـرَ..
قالها ومَدّ الألف والفاء.. فتأففّت حنين ممّا يفعله بها.. أدارت ظهرها وهمّت بتركِ الغرفة.. فصاحَ:
- ســــــ ... سنرحـــــــل
تجمدّت، خافت أنْ تلتفت نحوه.. نحو قراراتٍ إذا أصدرها.. نفَّذها..
- قلتُ لكِ .. يومًا ستتحسّنُ الظروف
استدارت.. اقتربت خطوةً سألته:
- وهل ربحت مالاً؟
- ربحتُ فكرةً وملجأً!
- وتخسرُ وطنًا؟؟
- فاقد الشيء لا يخسره!
- وتصبح لاجئًا؟؟
- بل نصبح مواطنين أجانب .. لن أعودَ عربيًّا في اللامكان، سأصبح أجنبيًّا في بلد "الأجانب".. سأجدُ مُستأجرًا يبدّل قسط الرهن للمصرف بأجرة الدار.. ونرحل....
- أظنّ النومَ يُجدي في مثل حالتك.. تُصبح على خيرٍ
ولم يُصْبح على مستأجرٍ.. ولم ينم على ضيمٍ و"حنين" لم تفهم سرَّ القرار المفاجئ.. لملمت خيبتها في حقيبة الانتظار.. وانتظرت. وهو لا يتركُ صباحًا إلاّ ويودِّعُه وكأنّه الصباح الأخير.. لا يمسك ورقةً إلاّ ويعدّها لوعدٍ جديد.. لا يفوته موعدُ الاجتماع.. ولا يتركُ مجالاً للخَيْبَةِ لتنشب أظفارها في مستقبله.. لا ينسى وَعْدًا بحياةٍ مستقرّةٍ.. آمنةٍ، لكنّه كلّما فَتَحَ البابَ المقيمَ الذي لا يرحل.. غصَّ خوفًا من أبوابٍ ما زالت تنتظر راحليها على وعد العودة !!!!!!!!!!!!
· أبو سنان-الجليل الغربيrawyaburbara@yahoo.com