صقر عليشي – شاعرٌ يداعب الجمال

عطية مسوح قرأها 6
  

شاعرٌ يداعب الجمال

عطية مسّوح

كان صدور الأعمال الشعرية للشاعر صقر عليشي مناسبة للقاء تكريمي جميل، ضم عشرات المثقفين والمبدعين، احتضنه غاليري الفنان المعروف مصطفى علي.

وتضمّ (الأعمال الشعرية) خمس مجموعات هي:

1.   قصائد مشرفة على السهل

2.   الأسرار

3.   قليل من الوجد

4.   أعالي الحنين

5.   وعناقيد الحكمة.

وهي مجموعات يعرفها قراء الشعر ونقاده، استُقبل كل منها بحفاوة لائقة عند صدوره.

كان اللقاء أمسية أدبية ونقدية متميزة، افتتحه الأستاذ علي الطه بكلمة ترحيبية، وعرّف بالنقاد والأدباء الذين سيتحدثون عن الشاعر وشعره.

وكان الأستاذ جمال الجيش، الإعلامي والشاعر المعروف، أول المتحدثين، فتناول أهمية الحفاوة بصدور كتاب شعري في هذا الزمن الذي لا يُعطى الشعر فيه حقه، وتطرّق إلى التصاق صقر عليشي بشعره، وإلى قصيدته المعبّرة عن ذاته. ثم قدم الناقد الأديب الدكتور رضوان القضماني مداخلة نقدية عن شعر الشاعر، وسماته الرئيسة. وأبرز دور السخرية في شعره، وخصائص هذه السخرية، وأكّد أن صقر عليشي صوت شعري متميز في شعرنا المعاصر. أما الناقد الدكتور هايل الطالب، فقد ألقى مداخلة أوجز فيها أهم ملامح شعر الشاعر، مبيناً ما يميز لغته الشعرية والصورة الفنية عنده. ثم قدم كاتب هذه السطور مداخلة وجدانية نقدية تطرق فيها إلى شعر الشاعر وشخصيته. وبعد ذلك ألقى الشاعر مقاطع من بعض قصائده الجديدة.

صقر عليشي في الخمسين من عمره، وهو شاعر أمضى حياته في التحصيل والكتابة، إلى أن كوّن صوتاً خاصاً في الشعر العربي المعاصر، قال فيه الناقد الراحل محيي الدين صبحي: (هذا هو صقر عليشي، شاعر يقتحم المحرمات بفكاهته وخفة دمه وذكائه وعاطفته. قد ألّف شعراً يجمع الخفة والطيش إلى الرزانة والانتماء والمسؤولية، فهو ينتمي إلى المدرسة القبّانية في الشعر النزاري، يستطيع استثمار توتر البنية اللفظية في إطلاق المكبوت من الطاقة النفسية، مع جمال وصنعة وبصر في الشعر، ولعله من أهم المساهمين في تأسيس شعر البداهة والفطنة بالعربية).

وبغض النظر عن موقف صقر عليشي من مجموعته الشعرية الأولى التي لم يضمنها كتاب (الأعمال الشعرية) وهي مجموعة (بعينيك ضعت) التي صدرت في السبعينيات، فإن قارئ تلك المجموعة يستطيع أن يجد فيها الملامح الرئيسة لشعر نضج شيئاً فشيئاً مع غنى تجربة الشاعر وأدواته الفنية، إلى أن بلغ ما بلغه في مجموعاته الأخيرة، وقصائده الكثيرة التي يكتبها هذه الأيام.

كان صقر عليشي يافعاً حين بدأ ينشر قصائده التي شفّت عن اطلاع مبكر على الشعر العربي القديم والحديث، واستيعاب لروح الطبيعة الريفية الجبلية الأخاذة، منبع الصور الشعرية ومفردات الجمال.

صقر ابن قرية عين الكروم، التي قال فيها، وهو فتى يافع:

هذه قريتـي تمــادَت على الدنـيا مكــاناًوأبدعَـتْ تزويقـا

يرفلُ الصبح في محـاسِنها الغـرّ ويزهـو الغـروبُ حلواًأنيقـا

بين هذي الشعـابِ أمضيْتُ أيّـامي وفي حضنِها لمحْتُ الشروقـا

أما عنوان المجموعة الأولى فقد استلّه الشاعر من إحدى قصائدها الغزلية:

عشقتُكِسافرتُ في جمرِ حبّك         حتى ترمَّـدْتُ خلـفَ المـدى

ينـــامُ ويرقـدُ كلُّلهيـبٍ        ويـأبـى غرامُـكِ أن يرقـدا

بعينيكِ ضعتُ ومن ضاعَ مثلي        بربّـكِ هـليتمنّـى الهـدى؟

هذا صوت صقر الذي أطلقه مبكراً فتناغم مع أصوات الريح وحفيف الأوراق وهزيم الرعد وسقسقة السواقي، وتهادى بين تلك الأصوات، لا يقلّ عنها جمالاً وسحراً.