لقاء مع الدكتور فواز الطرابلسي

محمد حجيري قرأها 8
  

البلد اللبنانية

اللقاء مع فواز طرابلسي له نكهة خاصة إذ يحمل أفكاراً كثيرة، متشعبة ومتعددة، في السياسة والثقافة والاجتماع والتاريخ.fawwassssskjkjf.JPG أصدر قبل أشهر كتاباً عن "فيروز والرحابنة" يظهر فيه كيف حكى الرحابنة قصّة لبنان في مسرحهم. معه هذا الحوار.

ب      ما رأيك بالمقالات التي تناولت كتابك "فيروز والرحابنة"؟

ج.     أنا لست خبيراً في الموسيقى، ولا في الغناء، ولو أن أحد النقّاد تبرّع وكتب عن المسرح الرحباني لما فعلت ذلك. لكنّ بعض ما كُتب عن "فيروز والرحابنة" فيه شيء من الاجحاف بحقّ الرحابنة قبل أن يكون بحقّي. المشكلة أنه إما أن الكتاب لم يُقرأ بما فيه الكفاية، أو أن بعضهم لا يريد أن يصدق أن ثمَّة ما يسمّى مسرحاً عند الأخوين رحباني، وفيروز كانت ممثلة فيه. في المقالات التي قرأتها عن كتابي، لاحظت أن بعضهم لم يقدّم تقييماً له، وبعضهم الآخر حاول إسقاط نظريّة نقديّة عليه، و"اقترَح" كيف يجب أن يكون الكتاب. لا أعرف كيف ينظرون إلى الأمور على هذا النحو، ولا يدركون أنّ ثمّة تراثاً مسرحياً للرحبانيين على هامش تراثهما الغنائي تغطّى بسحر صوت فيروز. قلت في الكتاب كيف انّنا نستطيع معالجة هذا المسرح كمضامين وأحداث وحكايات، اذ لا يوجد أيّ نص سياسي أو سوسيولوجي يعبّر بإحساس عن ظواهر المجتمع اللبناني خلال ربع قرن كما في المسرح الرحباني. أزعم أنني تناولت 4 أو 5 عناوين من المسرح الرحباني وحاولت إظهار آليات الإبداع فيه، وتبيّن لي أن ثمة ثالوثين في هذا المسرح. "الثالوث" الأوّل هو حيث يرى المرء مسرحهم على أنه يدور حول الغريب الذي يتهدّد الكنز، والكنز تنقذه أعجوبة. و"الثالوث" الآخر اسمه "القرية والحلم والطفولة". يؤدي المسرح الرحباني لعبته خارج قصّة الماضي لأنّ الطفولة عنده هي شكل من أشكال إعادة الحياة. وهذا ما يمكن تسميته بنوابض الإبداع في المسرح الرحباني. تناولت رؤية الرحابنة للاقتصاد السياسي، فهي لا تدلّ على أشخاص بل على حالات، وهذا تأويل. وناقشت صورة الوطن والمرأة وعدداً من المواضيع. زعمت أنّ الرحابنة حكوا قصّة لبنان، وكانوا شديدي الحساسية في ذلك، وكنت أعي قدرتهم في الحديث عن السياسة على نحو غير مباشر أو مباشر.

ب      أين أصبح تحقيقك لكتاب "تاريخ الأسر الشرقيّة" للمؤرّخ عيسى اسكندر المعلوف؟

ج.     ترك عيسى اسكندر المعلوف 40 مخطوطاً، لم تجد طريقها إلى النشر بعد. في حوزتي كتابه الأشهر "تاريخ الأسر الشرقية"، وقد حاول فيه جمع أصول الأسر المشرقيّة وأسباب تفرّقها. وكونه من زحلة، بدأ البحث عن أصل عائلته القادمة من حوران، ما دفعه إلى البحث عن أصول بعض العائلات الأخرى وتاريخها إلى أن أصبح كتابه كبيراً. ولا أستطيع أن أقول انّني أحقّق كتابه، فالتحقيق يقتضي أن يعود المحقّق إلى العائلات. فما أفعله هو تحرير أو اشراف على إعادة تنظيمه وإصداره. لقد احتاج "تاريخ الأسر الشرقيّة" جهداً كبيراً، سواء في طريقة حصولي عليه والاحتفاظ به، أم كتابة مقدّمته ومراجعته، وبات الآن في المطبعة، وسيصدر عام 2007. وأستعد لإصدار كتب أخرى للمعلوف، أهمّها عن "الطبّ عند العرب"، وكتاب عن تاريخ البقاع عنوانه "تاريخ سورية المجوّفة"، وهو كتاب غنيّ جداً ويتحدّث عن تاريخ الحواضر البقاعيّة، عدا عن كتب أخرى. أمّا بالنسبة الى مؤلّفاتي، فقد كتبت تاريخ لبنان الحديث بالانكليزية، ويجرى حالياً نقله إلى العربية.

تسمية

ب      في مقالتك "بيروت دمشق ـ دمشق بيروت"، أطلقت على قوى 8 و14 آذار، تسمية "القيسية واليمنية"؟

ج.     "القيسيّة واليمنيّة" مجرّد تسمية، لكنّي أجد أنّ الانقسام السياسي الراهن بين قوى 8 و14 آذار هو مثل عبثية القيسيّة واليمنيّة التي كانت سائدة قبل نحو قرنين، حيث كانت تتصارع مجموعتا قبائل (عصبيات): الأولى تدّعي الانتساب إلى الجزيرة العربية، والثانية تزعم الانتساب إلى اليمن، وكلّ مجموعة لديها القدرة على "تجييش" جمهور وراءها، من خلال تضليله، بينما كان النزاع بينهما على السلطة والإمارات والإقطاع. قوى 8 و14 آذار في الزمن الراهن، تتصارع على حصص السلطة، تنتقي ما تشاء من القضايا السياسية وتهمل القضايا الأكثر أهمية.

ب      في رأيك، هل يعيد التاريخ اللبناني نفسه الآن كما في أيّام القيسية واليمنية؟

ج.     أنا مؤرّخ حسّاس جدّا للزمن. فتاريخ لبنان ليس مجرّد 3 حروب أهليّة، لكنّه مزيج من التعايش والنزاعات... الاستثناءات في التاريخ هي الحالات التي تخرج النزاع عن طوره السياسي، الفكري أو الثقافي، ويجب ألا نُفسد ذاكرتنا من خلال التّفكير في ما إذا مرّ لبنان بفترة حرب أهلية فيمكن لذلك أن يتكرّر الآن، مع الأخذ في الاعتبار أنّ المجتمعات ذات القابلية للحروب الأهلية، خطرة. أعتقد بأنّ الاستنجاد بالتاريخ في ما يتعلّق بالوقت الراهن لا يفيدنا.

الشيحاوية

ب      في رأيك، وكونك دارساً لأفكار المفكّر ميشال شيحا وقد أصدرت كتاب "صلات بلا وصل" عنه، هل استنفدتْ الشيحاويّة غرضها في لبنان، وهل يحتاج لبنان إلى صيغة ميثاقيّة جديدة؟

ج.     يتّسم تراث ميشال شيحا بتناقضات كثيرة، ولا أعتقد بأنّ له تلاميذ فعليين في لبنان. تسألني ماذا بقي من الشيحاوية، أقول: القليل. فشيحا الذي ساهم ببناء النّظام اللبناني في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، يتعاطى بعضهم مع أفكاره كما لو أنّها كتب مقدّسة، دينياً أو زمنياً، وينتقون منها المقتطف الذي يريدونه.

الأمر العميق عند ميشال شيحا هو فكرتان أعيد تجديد النّظام اللبناني على أساسهما بعد الحرب، الفكرة الأولى هي النّظام الطائفي، والأمر الآخر هو أن شيحا يُعتبر "نبيَّ العولمة". في ما خصّ الطائفيّة والاثنيّات والهويّات، وهي مشتعلة الآن في العالم، فقد عُرف لبنان وفُرض عليه هذا النظام وقيل له: أنت هويتك الوحيدة الجماعية بصفتك متحدّراً من الأب والنسب، كلما أتتْ مجموعة أشخاص تنتمي إلى مِلّة معينة، تصبح طائفة في لبنان. نشأ لبنان على أساس أنَّ فيه 6 طوائف فأصبح الآن يضمّ 18 طائفة. أمّا في ما يتعلّق بالعولمة والاقتصاد، فقد سبق أن ذكرت أن هذا المصطلح استعمله جورج نقّاش في ردّه على السوريين عندما حصلت القطيعة الاقتصادية في بداية خمسينات القرن الماضي، حيث قال لهم: "نحن لا نريدكم، أنتم اقتصاد حماية ونحن اقتصاد متعولم"، ذلك لأنّ الاقتصاد اللبناني الذي نظر إليه شيحا قائم على التّجارة الحرّة، وقد سيطر المستوردون على السوق، ودفعوا بالصناعيين إلى الإنتاج لسوق الخارج، وهذه هي الصّورة الأوليّة لاقتصاد العولمة القائم على الوساطة ضمن دائرة واسعة ومرتبط بالسوق الواسعة من جهة، وبالبلدان النفطية من جهة أخرى وبالسوق العالميّة من جهة ثالثة.

صورة الفتى بالأحمر

ب      كتبتَ بعضاَ من سيرتك الذاتيّة في أكثر من كتاب. فهل مارستَ رقابة ذاتيّة وخصوصاً أنّك كنت في تنظيم سياسي شارك في الحرب الأهلية؟

ج.     في الثمانينات، اتّخذت قراراً أثناء حصار بيروت وهو أن أكرّس القسم الأكبر من كتاباتي عن الحرب، بأشكال مختلفة. في البداية، كتبت "يوميّات عن حصار بيروت"، وكتبت "غرنيكا" الذي يتضمّن مشهدية للحرب، "صورة الفتى بالأحمر" وهي سيرة مجزوءة إذا جاز التعبير، وكتبت عن الحرب من خلال مسرح الرحابنة. ربّما التعبير عن السياسة هو أضعف شيء، ولكنّ أشكال التعبير الأخرى كانت موجودة وقابلة للحضور أكثر، والإحاطة بهذه الظاهرة المعقّدة التي تسمى حرباً. لا أدّعي بأنّني استنفدت القول، "صورة الفتى بالأحمر" مقتطعة لأنّها نمت من محاضرة عن التجربة السياسيّة والتي بدأت بتوسيعها. لا أخجل من شيء قمت به في الحرب. انتميت إلى منظّمة العمل الشيوعي، وأستطيع القول إنّ تجاوزات هذا التنظيم لا تتعدّى أصابع اليد. والذي كان عليّ قوله هو كيف أنَّ الحركة الوطنية أرادت فرض الإصلاح بقوة السلاح الفلسطيني.