شوقي بغدادي – مناضل بدرجة شاعر

كريم مروِّة قرأها 4
 

لم يأخذ حقه كمثقف كبير – ذكريات شوقي بغدادي.. مناضل بدرجة شاعر

دار الخليج

لم يأخذ الشاعر السوري شوقي بغدادي حقه من الاهتمام، لا بين النقاد ولا في الوسط الثقافي العربي، أو هكذا يخيل إليّ. ذلك أنَّ1111fgftfgfg.JPG ما كُتب عنه بالمقارنة مع ما كُتب عن زملائه من شعراء خمسينات القرن الماضي يشير إلى الإجحاف الذي لحق بهذا الشاعر. غير أن هذه الملاحظة التي أسوقها في معرض الكتابة عن شوقي بغدادي لا ترمي إلى تعظيم شأن شاعرنا فيما يتجاوز المكانة التي تعود له. علماً بأن مكانة أي شاعر لا يقررها النقاد وحدهم، وإن كانوا ومعهم الإعلام، هم الذين يقدمون شاعراً على سواه ويهملون آخر، لأسباب لا تعود فقط وبالضرورة إلى القيمة الشعرية والقيمة الإبداعية التجديدية لهذا أو ذاك من الشعراء. بل إنَّ أسباباً أخرى غير محددة ربما هي التي تلعب الدور الحاسم أكثر من الجودة الشعرية ودرجة التجديد والتحديث.

ولن أغامر هنا بالقول أنَّ شوقي بغدادي الذي سطع اسمه في أول خمسينات القرن الماضي كان في مقام بدر شاكر السياب من حيث الرِّيادة في الحداثة الشعرية. لكنه، برغم كونه بدأ كتابة الشعر ملتزماً فيها بالطريقة الكلاسيكية القديمة، وكان يحمل في شعره بذوراً واضحة المعالم من الجديد في اللغة وفي الصورة وفي الأفكار. وهو ما مكنه من أن يواكب النهضة الشعرية في سوريا مع عدد من أبناء جيله من الشعراء. كما مكنه من أن يكون في مصاف عدد من الذين اعتبروا رواد الشعر العربي في تلك الحقبة من تاريخ سوريا والعالم العربي. أقول ذلك لأنني عرفت شوقي بغدادي منذ مطالع صعوده كشاعر في خمسينات القرن الماضي، مع أبناء جيلي ممن كانوا على صلة وثيقة بالحركة الأدبية في بلداننا. واستمرت علاقتي به وبشعره على امتداد حياته حتى هذه اللحظة. وقادتنا ظروف تلك الحقبة إلى إقامة علاقة صداقة حميمة أعتز بها، وغمرني خلالها شوقي بفيض من محبته. وإذا كان للالتقاء الفكري بيننا سبب أساسي في نشوء علاقة الصداقة الحميمة بيننا، فإنني أؤكد أن الأساس في تقييمي لشعره يعود إلى كوني قارئاً قديماً للشعر، منذ بدايات شبابي، للشعر العربي في عصوره القديمة، والحديث في أطواره المختلفة. لكن للالتقاء الفكري مع ذلك دوراً في تعظيم الجانب الإيجابي في تقييمي لشعر شوقي ولسواه من الشعراء، من بدر شاكر السياب وبلند الحيدري وعبدالوهاب البياتي وسعدي يوسف، وأدونيس ومحمود درويش، إلى سائر شعرائنا في مشرق العالم العربي ومغربه على حد سواء. وما أكثر ما تربطني من علاقات صداقة مع الشعراء المعاصرين بدءاً من أواخر أربعينات القرن الماضي حتى هذه اللحظة من تاريخنا الغني بالشعر وبالشعراء.

لا أدري لماذا لا يحب شوقي بغدادي الحديث عن سيرة حياته بمحطاتها المختلفة، وبالتفاصيل الأساسية لكل محطة من هذه المحطات. هل يعود ذلك إلى أنه يترك لدواوينه وقصصه وروايته الوحيدة ومسرحيته الوحيدة، وبعض خواطره أن تأخذ عنه هذه المهمة الصعبة والدقيقة أم أنه يخشى أن يعظِّم شأن نفسه أو يقلل من شأنها أم أنه يخاف أن يكشف بعضاً من أسرار سيرته التي يريدها أن تبقى خارج الأضواء؟

أستخلص هذه التساؤلات من الصفحتين اللتين بعث لي بهما بناء على طلبي، حين أخبرته بأنني سأكتب عنه بعض ما يتصل بدوره في النهضة الشعرية الحديثة في سوريا وفي العالم العربي، وبعض ما يتصل بالحقبة السياسية والثقافية التي عشنا فيها بعض أمجاد تاريخنا والكثير من مآسينا وهزائمنا، العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية.

تقول السطور التي بعث بها لي شوقي إنه ولد في عام 1928 في مدينة “بانياس” على الساحل السوري في عائلة متوسطة الحال يعيلها أب يعمل موظفاً في المالية العامة. وكانت هذه الوظيفة، ووظائف أخرى، سبباً في تنقل العائلة في مدن وبلدات عديدة داخل الوطن السوري، إلى أن استقرت في دمشق في عام 1945، وكان شوقي خلال فترة الترحال هذه ينتقل من مدرسة إلى اخرى، إلى أن استقر في المرحلة الثانوية في مدارس دمشق. وفي دمشق تابع دراسته الجامعية في كلية الآداب والتربية في جامعة دمشق، الكلية التي كانت تحمل في ذلك الحين اسم “دار المعلمين العليا”. وتخرج في الجامعة في عام 1952، حاملاً الشهادة الجامعية التي تؤهله لمهمة التدريس في المدارس الثانوية. وهي المهمة التي واظب عليها على امتداد أربعين عاماً انتهت بتقاعده. لكن الميول الأدبية المبكرة عند بغدادي هي التي قادته إلى اختيار تلك الكلية بالذات لدراسته الجامعية. وسرعان ما بدأت موهبته الأدبية تتفتح وهو طالب في الجامعة. وبدأ يكتب الشعر والقصة القصيرة والمقالة الأدبية. ونال وهو في مقاعد الدراسة عدة جوائز في الشعر والقصة. وأسهمتْ تلك الجوائز في إبراز اسمه، وفي تحوله التدريجي إلى أديب سوري معروف، وشاعر جديد التحق منذ مطلع خمسينات القرن الماضي بنادي شعراء تلك الحقبة التاريخية. وكان من أول نشاطاته الثقافية إسهامه في العام الذي تخرج فيه في الجامعة (1952) في تأسيس “رابطة الكتاب السوريين”. ولهذه الرابطة في تاريخ سوريا الثقافي اسم ودور كبيران. حيث جمعت لدى تأسيسها عدداً كبيراً من كتّاب وأدباء سوريا الذين أصبحوا في سنوات قليلة رموزاً ثقافية كبيرة في سوريا والعالم العربي. نذكر منهم أسماء: حنا مينة، ومواهب وحسيب الكيالي وفاتح المدرس وإحسان سركيس وسعيد حورانية وصلاح دهني ومحمد الحريري وعدد آخر من كبار أدباء وكتّاب سوريا. وفيهم، كما تدل على ذلك أسماؤهم، الروائي والقاص والسينمائي والشاعر والفنان التشكيلي. لكن هذه الرابطة للكتاب والأدباء السوريين سرعان ما ولدت بفعل نشاطها ودور أعضائها “رابطة الكتاب العرب”. إذ انضم إليها عدد من كبار كتّاب وأدباء البلدان العربية. نذكر منهم عبدالرحمن الشرقاوي ويوسف ادريس ومحمد صدقي من مصر، ورئيف خوري وأحمد سويد ومحمد عيتاني ورضوان الشهَّال من لبنان، ومحيي الدين فارس وجبلي عبدالرحمن وتاج السر حسن من السودان، وسعدي يوسف وعبد الوهاب البياتي وغائب طعمة فرمان من العراق، وعبدالرحمن شقير ونبيه رشيدات من الأردن. وتم تحول الرابطة من سوريَّة إلى عربيَّة في مؤتمر عام عقد في دمشق في عام 1954 وانتُخب شوقي بغدادي أول أمين عام لهذه الرابطة العربية الجديدة من نوعها للكتاب والأدباء العرب. وكانت ولادتها تعبيراً عن تحوّل جديد في الحياة السياسية والثقافية في سوريا والعالم العربي. إذ تحررت سوريا في ذلك الحين من الأنظمة الدكتاتورية التي تعاقبت على الحكم فيها ابتداءً من عام 1949، حتى عام 1954. وبدأت مرحلة جديدة من الحياة الديمقراطية في سوريا تميزت بعودة الأحزاب إلى ممارسة نشاطها، وإلى ازدهار الحركة الثقافية في البلاد. كما شهدت مصر تحولاً جديداً في استقرار ثورة يوليو/ تموز بقيادة الرئيس جمال عبدالناصر والبدء بتدابير جديدة كان في مقدمتها الإصلاح الزراعي. وكان لتأسيس “رابطة الكتاب العرب” دور كبير في تطور العلاقات بين الكتاب والأدباء العرب، شاركت فيه كل على طريقتها مجلتان ثقافيتان متميزتان هما: “الثقافة الوطنية” التي كان يشرف على تحريرها حسين مروة ومحمد دكروب، و”الآداب” التي أسسها ورأس تحريرها سهيل ادريس. وكانت صفحات هاتين المجلتين مفتوحة لإنتاج الكتاب والأدباء في شتى أجناس الأدب والثقافة على تنوعها.

كان شوقي بغدادي إذن، في مقدمة ذلك الجيل من الأدباء والشعراء الذين أسهموا بإبداعاتهم في إغناء الأدب الروائي والقصصي الجديد وإثراء دوحة الشعر بالجديد فيه ألواناً وطرائق وأساليب وفي زخمه بالمبدعين. وكان بعض رواده أعضاء في الرابطة أيضاً.

لكن هذه الرابطة لم تعش طويلاً. إذ سرعان ما قضت عليها التطورات السياسية التي رافقت ولادة الوحدة السورية المصرية. إذ حُلَّتْ وأُقفِلتْ أبواب مكاتبها بالشمع الأحمر بعد أن صودرت محتوياتها. وكانت الحجة في ذلك التدبير أن أعضاءها ينتمون إلى الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان، وحتى في مصر والعراق والسودان والأردن. وسرعان ما دخل شوقي بغدادي إلى السجن في عام 1959، العام الذي اشتد فيه الخلاف بين الرئيس عبدالناصر والشيوعيين العرب. وهي مرحلة رافقت تفاصيل ما جرى فيها من أحداث تركت تأثيراتها السلبية على الأوضاع السياسية العربية، والثقافة العربية كذلك.

هنا يطرح السؤال عن حقيقة موقف شوقي بغدادي في الشأن السياسي، وحقيقة موقفه الفكري في الدرجة الأولى. ذلك أن شوقي بغدادي لم يكن مجرد شاعر وقاص فحسب، بل كان في أعماقه مفكراً وسياسياً. كان يسارياً ملتزماً. وكان شكل التزامه ذاك يجعله صديقاً للشيوعيين في سوريا ولسائر الشيوعيين العرب، من دون أن يكون عضواً في الحزب الشيوعي. وهذا كان حال العديد من أدباء وكتاب تلك الحقبة. لكن السلطات قلما تفرق بين شكل من الالتزام وشكل آخر. ولذلك كان العقاب يطال من كان على علاقة بالحزب الشيوعي حتى في أدنى أشكال العلاقة. غير أن شوقي بغدادي كان في كثير من المناسبات السياسية في تلك الفترة حريصاً على أن يكون فارساً من فرسانها، بما في ذلك المناسبات التي كانت من الناحيتين الفكرية والسياسية شيوعية الطابع بالكامل. وكان إسهامه في بعض المناسبات شعرياً. وكانت واحدة من المناسبات الحملة الانتخابية التي قادت أمين عام الحزب الشيوعي خالد بكداش إلى سدة البرلمان. أكثر من ذلك فإن جوهر أفكار شوقي والموضوعات التي سادت في شعره كانت تنتمي إلى الفكر اليساري، ليس كفكر مجرد، ولا كشعارات سياسية تعبر عنه، وإنما كقضايا ذات طابع إنساني واجتماعي ووطني. وأدرك ذلك بوضوح الذين كتبوا دراساتهم في تقييم شعر شوقي. ولم تكن المهمة صعبة في رؤية وتحديد ما أشير إليه في هذا الصدد.

بعد خروجه من السجن تسلَّل شوقي بغدادي سراً إلى لبنان مع صديقه سعيد حورانية، حيث أقام عامين ونيفاً في ظروف نصف سرية. وفي هذه الفترة بالذات توطدت علاقتي به وبسعيد حورانية. حيث كنت أزورهما في صورة دائمة في المنزل الذي كانا يقيمان فيه. وهو منزل يعود لأحد أعضاء الحزب الشيوعي اللبناني. وكان قد سبق شوقي وسعيد في مجيئهما إلى لبنان تسللاً عدد كبير من الشيوعيين السوريين. ورغم أن اللبنانيين قد قدموا لرفاقهم وأصدقائهم السوريين كل الشروط الممكنة لإقامة كريمة إلا أن المنفي في ذلك الظرف السياسي العصيب، مثلما هو المنفي في كل الظروف، كان صعباً على هؤلاء المثقفين الذين لا يستطيعون أن يعيشوا ويبدعوا إلا في شروط الحرية، وفي شروط النضال دفاعاً عنها، أو في شروط النضال لتحقيقها وللتمتع بفضائها.

وكنت دائما من قراء شعر شوقي بغدادي في دواوينه، وبعضها قبل أن تصدر في دواوين. كما كنت أستمتع بالندوات الشعرية التي كان يقرأ فيها منفرداً أو مع آخرين من الشعراء بعضاً من قصائده. ولعلي أشارك بعض من كتبوا عنه توقفهم عند الطابع الذي يجمع في شعره بين التمرد والغضب والألم، والإحساس بالخيبة والهزيمة. لكنني أميْلُ إلى أنه لم يترك لليأس مكاناً في شعره، وفي التزامه السياسي وفي الحلم بالتغيير الذي ظلَّ يرافقه. لكن قدرته على التعبير عن مشاعره الدفينة إزاء وطنه في تحولاته، وإزاء العصر وتحولاته، وإزاء الأفكار وتحولاتها، وحتى إزاء الحبيب الحقيقي والرمزي، هي التي جعلته في الفترة الثانية والثالثة من شعره يكسر القوالب الشعرية الكلاسيكية القديمة، ويدخل في الحداثة بمعناها الزمني، لا بمعناها المطلق. إلا أنني أزعم أن الشكل الكلاسيكي للشعر العربي المعاصر لم يخلُ من ارتباط ما بالحداثة. فالحداثة لا تعني في نظري الشكل فقط. بل تعني، ربما بالدرجة الأولى، ما يدخل في جوهر الشعر مواضيع وأفكاراً ومشاعر وصوراً وحالات إنسانية.

ولفت نظري وانا أقرأ لشوقي بغدادي بحثاً نشره في منتصف ثمانينات القرن الماضي تواضعه عندما تحدث عن أبناء جيله من شعراء الحداثة في سوريا ولبنان والعراق ومصر. وكاد أن ينسى نفسه ودوره بينهم، لولا أنه قرر أن يخرج قليلاً من ذلك التواضع ليقول إنه هو أيضاً اسهم على طريقته في تلك الحداثة الشعرية. وفي اعتقادي فإن دواوينه الاثني عشر بتنوعها وتعدد عناوينها ومواضيعها وأزمنتها إنما تشير إلى دوره في مواكبة حركة التطور في الشعر العربي الحديث. أما قصصه وروايته الوحيدة ومسرحيته الوحيدة فلم أقرأها لأقدم رأيي فيها. إلا أنني، إذ أتحدث عن شوقي بغدادي، فإنني أتحدث عنه كمثقف ديمقراطي يساري يكتب الشعر خصوصاً، ويبدع في كتابته. وأتحدث عنه في الوقت عينه كصاحب فكر يساري لم يتخل عنه، برغم التحولات الدراماتيكية التي شهدها العالم في أواخر القرن الماضي، ولا يزال يشهد آثارها.

"البحث عن دمشق"

لن أدخل في تصنيف للشعر وللشاعر في انتقاء نماذج من شعر شوقي بغدادي أستعين بها في تأكيد ما ذهبت إليه في قراءتي له كشاعر ومثقف ومفكر وسياسي في آن معاً. لكنني أجدني في زحمة الدواوين الاثني عشر التي أصدرها الشاعر مَسُوقاً إلى الاتفاق مع الشاعر فاروق شوشة في اختيار مقاطع من قصيدته التي تحمل عنوان “البحث عن دمشق”. ففي هذه القصيدة تتجمع في شكل فني جميل من شعر شوقي بغدادي أوجاع وأفكاره وأحلامه. لنقرأه ولنتوجع معه على زمن غادر، ولنشاركه أفكاره وأحلامه:

لا يمكن أن يعشق مثلي إنسان22222fddfrg.JPG

امرأة صامتة باستمرار

يؤسفني يا ذات الزنار الأخضر

والسبعة أنهار

أن مواهب هذا العاشق

لا تتجاوز صحن الدار

لا تقدر أن تتسلق

أعلى من قافيتين

ومجموعة أشعار

يا أيتها الشمس الباردة

على حيطان دمشق

ليس سوى أنبوب الألوان